
هنري زغيب*
عن معظم النقَّاد أَن ليوناردو داڤِنْتْشي (1452-1519) تستمرُّ شهرته خصوصًا في لوحته “الموناليزا” (1516) حتى تكاد تطغى على لوحات له أُخرى لا يقلُّ معظمها، فنًّا وأَسرارًا، عن تلك اللوحة الأَشهر.
من تلك الأَعمال الأُخرى: لوحة “المرأَة والنمس الأَبيض – أَو “القاقُم” (1490). وهي أَيضًا تعرَّضَت للسرقة وللخطف والغياب نحو 250 سنة، كما تعرَّضت “الموناليزا” للسرقة سنة 1911 واختفت نحو سنتين قبل أَن تعود إِلى متحف اللوفر (1913).
ما الذي حصل للَّوحة؟
“القاقُم” أَو “النمس الأَبيض”
هو، لغةً، “القَاقُم” (أَو القَاقُوم): حيوان صغير، رقيقٌ، مرنٌ، من فصيلة “ابن عرس” التي تغتذي بأَكْل لحوم الحيوانات. لطيف البنْية، جميل الشكل، لكنه شرِسٌ وعدواني. جسمُه طويل ورفيع (بين 15 و35 سنتم)، أَطرافُهُ قصيرة، ذيلُهُ أَكبر منه، طرَفُهُ أَسود. يبدِّل فراءَه البُنِّيَّ صيفًا إِلى الأَبيض شتاءً. سريعُ الجري، ماهرٌ في صيد القوارض الثدييَّة.
لأَنه قريب جدًّا من النمس الأَبيض، سأَستخدم له هذه التسمية (أَجمل من “القَاقُم”) في هذا المقال الخماسيّ الحلقات.
سرُّ اللوحة
للَوحة “السيِّدة والنمس الأَبيض” (55×40 سنتم) قصة مثيرة وسرٌّ غريب. فهي ضاعت، بل اختَفَت نحو 250 سنة، قُدِّمَت إِلى أَميرة بولندية، “نُفِيَتْ” إِلى باريس، وبفضل مدَبِّرة منزلٍ أُخفيَت من بطش النازيين.
أَحدثُ ما صدَر عنها، كتاب “ماذا رأَى النمس الأَبيض: رحلة لوحة ليوناردو دافنتشي المذهلة وسرُّها العميق” (272 صفحة – منشورات “دوبل داي” – نيويورك – أَيار/مايو 2022) للكاتبة الأَميركية إيدِن كولينْسْوُورثْ (م. 1952).
المرأَة في اللوحة هي الصبيَّة سيسيليا غاليراني، عشيقة لودوڤيكو سْفورتْسَا دوق ميلانو. عند ظهورها في مجموعة خاصة لدى سيِّدة بولندية، بعد اختفائها 250 سنة وعودتها إِلى كراكوف بإِنقاذها من أَيدي النازيين، كان ظهورُها حدثًا فنيًّا عالَميًّا.
جمالٌ سحَرَ الفنان وهو يرسُمُها
تتميَّز هذه اللوحة بنظرة هذه المرأَة الإِيطالية، ووجهها الفتيّ، وملامحها الناعمة، وجمالها الساحر الذي جذَب دافنتشي، قبل 500 سنة، حين جلس إِليها يرسمها في قصرٍ فخم من ميلانو، بتكليف من الدوق سْفورتْسَا. وهو تأَنّى برسمِ النمْسِ أَبيضَ في حضْنها، رمزَ حبِّها عشيقَها الدوق الذي غالبًا ما كان يُكَنّى بـ”النمس الأَبيض”. وفي إِجماع النقَّاد والمؤَرخين، يمكن اعتبار هذه اللوحة (وهي بين أَربع لوحات فقط لوجوه نسائية رسمها دافنتشي) بين أَشهر لوحات النهضة الإِيطالية في تاريخ الفن التشكيلي. وتعادلها شهرةً قصتُها المثيرة التي جعلَتْها تتنقَّل بين اضطرابات سياسية ورجال أُوروبيين أَثرياء، وتَطوف خلال نحو 250 سنة من بلد إٍلى آخر، بين فرنسا وبولندا وأَلمانيا، حتى استقرَّت في مكانها الحالي: “متحف الأُمراء” في كراكوف (بولندا)، بين لوحاتِ مجموعةٍ خاصةٍ للأَميرة البولونية (أَو البولندية) إِيزابيلّا تْسارتوريسْكا (1745-1835) زوجة الأَمير المنفيّ إِلى باريس آدم تْسارتوريسْكي، ومؤَسِّسة أَول متحف في بولونيا.
الرحلة المضْنية
خوف وقوع اللوحة بين أَيدي النازيين في باريس إِبان الحرب العالمية الثانية، أَخفتها مدبِّرة منزل بولونية، لكن لصوصًا نجحوا في سرقتها وكادوا يتلفونها عندما أَمست لدى القائد النازي القاهر هانس فرانك (1900-1946).
وبعد رحلة صعبة مضنية، تستقر اللوحة حاليًّا لدى متحف “الأُمراء” (تْسارتوريسْكي) في كراكوف، لتكون اليوم أَشهر وأَغلى كنز فني وطني في بولندا.
القصة من أَولها؟
بين 1486 و1490 وصل الرسام الشاب ليوناردو دافنتشي إِلى قصر الدوق سفورتسا في ميلانو، تلبيةً دعوةَ الدوق إِليه كي يرسم عشيقته الصبية التي لم تكن بلغَت بعدُ ربيعها الرابع عشر.
ماذا جرى بعدها؟
أَجزاء من القصة في الحلقة الثانية.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
- يَصدُرُ هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار العربي” (بيروت – دبي).
