الشرق الأوسط في مأزق… لا خيارات جيدة بعد الحرب مع إيران

الحرب مع إيران لم تهز أمن الشرق الأوسط فحسب، بل كشفت هشاشة تحالفاته واقتصاداته واعتماده على المظلة الأميركية. وبين تنويع الشركاء وحماية الطاقة وبناء دفاعات جديدة، تبدو الخيارات المتاحة كلها صعبة ومكلفة.

سفن في مضيق هرمز بالقرب من شاطئ بندر عباس، إيران، آب/أغسطس 2026.

دينا إسفندياري، وبيكا واسر، وزياد داوود*

لطالما كان الشرق الأوسط ساحة للحروب والصراعات، لكن الأشهر الستة الماضية بدت استثنائية حتى بمقاييس منطقة اعتادت الاضطراب. فمنذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، في 28 شباط (فبراير)، تعرّضت دول المنطقة لموجات متلاحقة من الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، طالت قواعد عسكرية ومنشآت للطاقة ومحطات لتحلية المياه. واضطرت مطارات ومصافي نفط إلى تعليق عملياتها مرارًا، فيما تعطلت حركة بعض الموانئ مع استهداف إيران سفنًا في مضيق هرمز.

وبعد أشهر من القتال والمفاوضات، لا تبدو طهران وواشنطن أقرب إلى تسوية تنهي المواجهة. على العكس، يتجه الطرفان إلى صراع متقطع وطويل، يحاول كل منهما من خلاله استنزاف قدرات الآخر وإرادته السياسية. وفي الوقت نفسه، اتسعت رقعة الحرب مع دخول أطراف من شبكة حلفاء إيران الإقليميين على الخط، وفي مقدمها الحوثيون في اليمن وميليشيات عراقية موالية لطهران. ووصلت الهجمات أيضًا إلى ميناء مصري استُهدف بطائرات مسيّرة؛ وبينما لم تعلن أي جهة مسؤوليتها، حمّلت الولايات المتحدة إيران مسؤولية الهجوم.

ومع استمرار المواجهة، لن تقتصر الكلفة على ما تدمره الصواريخ والمسيّرات. فالحرب بدأت تكشف انقسامات أعمق داخل المنطقة، وقد تزيدها اتساعًا. كما أن تداعياتها الاقتصادية لن تتوزع بالتساوي بين الدول، ما قد يضغط حتى على الاستقرار السياسي الذي تمتعت به دول الخليج لفترات طويلة، ويضع مؤسسات إقليمية محورية، من بينها تحالف “أوبك+”، أمام اختبارات صعبة.

وتملك حكومات المنطقة خيارات للتعامل مع بعض هذه التحديات، لكن لا خيار منها بلا كلفة أو تبعات. وإذا كانت دول الشرق الأوسط تريد الصمود أمام مرحلة مرشحة لمزيد من الاضطراب، فقد تجد نفسها مضطرة إلى إعادة النظر ليس فقط في علاقاتها بالقوى الكبرى، بل، وربما بصورة أكثر إلحاحًا، في علاقاتها بعضها ببعض.

بيتٌ منقسم

الخلافات بين دول الشرق الأوسط ليست جديدة. فقد تباينت مواقفها طويلًا حيال إسرائيل والإسلام السياسي وسياسات النفط، كما اختلفت السعودية والإمارات في رؤيتهما لعدد من الملفات الإقليمية، من ليبيا والسودان إلى اليمن.

لكن الحرب الحالية لا تكتفي بإعادة إظهار هذه الخلافات؛ بل تزيد بعضها حدة وتخلق خلافات جديدة. فقد أبدت الإمارات استياءها من مستوى الإدانات الصادرة عن سلطنة عُمان وقطر والسعودية للهجمات الإيرانية التي استهدفت بنيتها التحتية. كما تختلف دول المنطقة في كيفية التعامل مع الحرب نفسها، وفي مقاربتها لإدارة الرئيس دونالد ترامب التي يصعب توقع قراراتها.

وتأتي هذه التباينات فوق خلافات كانت قائمة أصلًا، ما يزيد مشاعر الاستياء المتبادل ويجعل احتواء النزاعات الإقليمية أكثر صعوبة، في وقت تحتاج دول المنطقة إلى قدر أكبر، لا أقل، من التنسيق لمواجهة تداعيات الحرب.

وفي موازاة ذلك، بدأ الصراع يترك أثرًا أكثر حساسية في علاقة دول الخليج بالولايات المتحدة، الضامن الأمني الرئيسي لها منذ عقود.

فعندما عاد ترامب إلى البيت الأبيض، توقعت حكومات خليجية أن تستعيد علاقاتها مع واشنطن زخمًا افتقدته خلال السنوات الأربع لإدارة جو بايدن. وساعد على ذلك أنَّ تجربة ترامب الأولى في الحكم رسخت صورة رئيس يتعامل مع المنطقة بمنطق عملي قائم إلى حد بعيد على المصالح والصفقات.

لذلك بذلت دول في المنطقة جهودًا كبيرة لتعزيز علاقتها بالإدارة الجديدة، من تعهدات باستثمارات وإنفاق بمبالغ ضخمة في الولايات المتحدة، إلى زيادة إنتاج النفط وعقد صفقات اقتصادية، وصولًا إلى عرض قطر تقديم طائرة لاستخدامها الرئاسي.

لكن الحسابات الخليجية اصطدمت بواقع مختلف. فقد دخل ترامب في حربين مع إيران، مقدّمًا عمليًا أولوية إسرائيل في إضعاف الجمهورية الإسلامية على رغبة الدول العربية في تجنُّب حرب إقليمية واسعة والحفاظ على الاستقرار.

وهنا تتجاوز المشكلة الخلاف على قرار عسكري بعينه. فبالنسبة إلى دول بنت جانبًا أساسيًا من أمنها على المظلة الأميركية، أعادت الحرب طرح سؤال أكثر جوهرية: ما قيمة الضمان الأمني إذا كان الضامن نفسه قادرًا على اتخاذ قرارات تعرّض حلفاءه لتداعيات حرب سعوا أصلًا إلى تجنبها؟

لطالما شعرت دول الشرق الأوسط بالقلق من اعتمادها المفرط على الولايات المتحدة، وهو ما دفعها، خصوصًا منذ انتفاضات “الربيع العربي” عام 2011، إلى تنويع شراكاتها الخارجية. لكن تلك السياسة كانت في السابق أقرب إلى التحوُّط والضغط على واشنطن منها إلى البحث الجدي عن بدائل. أما اليوم، فتبدو المسألة أكثر إلحاحًا.

فالسعودية، على سبيل المثال، أبرمت هذا الشهر اتفاقية دفاع مشترك مع باكستان وتركيا، فيما تتجه حكومات المنطقة إلى توسيع مصادر تسليحها، عبر شراء مزيد من المعدات العسكرية من أوروبا وكوريا الجنوبية وتركيا وحتى أوكرانيا. وفي موازاة ذلك، تواصل دول المنطقة تطوير علاقاتها السياسية والاقتصادية مع الصين وروسيا، مع اهتمام خاص ببكين التي باتت شريكًا تجاريًا رئيسًا للمنطقة والوجهة الأولى لصادراتها من النفط الخام.

لكن الابتعاد عن الولايات المتحدة سيبقى محدودًا. فلا يوجد، في المدى المنظور، بديل قادر على أداء الدور الأمني الأميركي. الصين لا تزال مترددة في تحويل ثقلها الاقتصادي إلى التزامات عسكرية، وروسيا منشغلة بحربها، فيما تواجه أوروبا صعوبات في تنسيق سياساتها الدفاعية، فضلًا عن تحفظ خليجي على ما يُنظر إليه بوصفه اهتمامًا أوروبيًا مفرطًا بالشؤون الداخلية لدول المنطقة.

ويضاف إلى ذلك استياء خليجي من دعم الصين وروسيا لإيران خلال الحرب، بما في ذلك تزويدها بمواد يمكن استخدامها في إعادة بناء قاعدتها الصناعية الدفاعية ومساعدتها على تحسين قدراتها على الاستهداف. لذلك، ورغم أنَّ استضافة القواعد الأميركية تجعل بعض دول المنطقة أكثر عرضة للهجمات، فإنها لا تزال ترى في الوجود العسكري الأميركي وفي الحماية التي توفرها واشنطن عنصرًا يصعب الاستغناء عنه.

غير أنَّ هذا لا يعني العودة إلى العلاقة القديمة نفسها. فالتحوُّل الحالي، وإن بقي محدودًا، يختلف عن محاولات التنويع السابقة؛ إذ بات يهدف إلى تلبية احتياجات أمنية فعلية لدول الخليج، لا مجرد استخدام البدائل ورقة ضغط على واشنطن. وقد يكون ذلك كافيًا، مع مرور الوقت، لتقليص هامش النفوذ الأميركي في المنطقة.

وقد يدفع الشعور بعدم اليقين حيال الضمانة الأميركية بعض دول المنطقة أيضًا إلى إعادة التفكير في علاقتها بإيران نفسها. فإذا كانت واشنطن عاجزة، في نظر هذه الدول، عن ضمان أمنها، بل قد تسهم سياساتها في زيادة عدم الاستقرار الذي تحاول تجنبه، فقد يصبح الحوار مع طهران ضرورة أكثر منه خيارًا، خصوصًا بعد سنوات لم تنجح خلالها سياسات الاحتواء في إنهاء التهديد الإيراني.

ولا شك في أنَّ الحرب، ولا سيما الهجمات الإيرانية المباشرة على دول الخليج، تجعل مثل هذا الانفتاح أكثر صعوبة سياسيًا. لكنها، في الوقت نفسه، قد تجعله أكثر إلحاحًا. فمع استمرار المواجهة بين طهران وواشنطن، ستجد قطر والسعودية وحتى الإمارات نفسها أمام حاجة متزايدة إلى إبقاء قنوات الحوار مع المسؤولين الإيرانيين مفتوحة، في محاولة لتجنب الوقوع في مرمى النيران المتبادلة.

أفضل الخيارات المتاحة… رغم سوئها

لكن الشرق الأوسط لا يستطيع أن يعوّل على القوى الخارجية وحدها لحماية نفسه من مرحلة طويلة من الاضطراب. فدول المنطقة مطالبة أيضًا بتعزيز قدراتها الدفاعية الذاتية، بدءًا من تطوير أنظمة اعتراض الصواريخ والطائرات وتحسين وسائل التصدي للطائرات المسيّرة.

ولا تزال الصناعات الدفاعية المحلية بعيدة من تلبية احتياجات المنطقة في المستقبل القريب، إذ تعتمد بدرجة كبيرة على الشراكات مع الشركات الأجنبية. إلّا أنَّ هذا القطاع يتوسع، وقد يدفع استمرار الصراع إلى تسريع نموه وزيادة قدرته على توفير جانب أكبر من الاحتياجات العسكرية المحلية.

لكن المشكلة أنَّ الحاجة المتزايدة إلى التعاون الدفاعي تأتي في وقتٍ تتسع فيه الخلافات السياسية بين دول المنطقة.

فدمج شبكات الدفاع الجوي والصاروخي، أو تطوير منظومات مشتركة للإنذار المبكر، يتطلّب مستوى مرتفعًا من تبادل المعلومات الاستخباراتية والبيانات الحساسة، وهو أمرٌ قد تصبح الحكومات أكثر ترددًا في القيام به مع تراجع الثقة بينها.

كما إنَّ تنويع مصادر السلاح يخلق مشكلة أخرى. فكلما توسعت الدول في شراء معدات من الولايات المتحدة وأوروبا وتركيا وكوريا الجنوبية وغيرها، ازدادت صعوبة ضمان قدرة هذه الأنظمة المختلفة على العمل معًا بكفاءة.

وقد تظهر منافسة أكثر مباشرة على الموارد العسكرية التي أصبح الطلب عليها مرتفعًا، وفي مقدمها صواريخ الاعتراض الخاصة بمنظومات الدفاع الجوي. وإذا تحولت المنافسة على هذه الموارد إلى سباق بين دول المنطقة، فقد يصبح الدفاع نفسه مصدرًا جديدًا للتوتر بدل أن يكون مجالًا للتعاون.

وسيكون العبء أشد على الدول الأقل ثراءً، مثل البحرين والأردن، التي لا تمتلك الموارد المالية نفسها التي تتيح لجيرانها الخليجيين زيادة الإنفاق الدفاعي بصورة كبيرة. وفي بيئة أمنية كهذه، ستزداد حاجتها إلى دعم جيرانها، في الوقت الذي قد يصبح فيه التعاون الإقليمي نفسه أكثر صعوبة.

ومهما رفعت دول المنطقة إنفاقها الدفاعي، فلن يكون في إمكانها اعتراض كل هجوم إيراني محتمل. فلا توجد مظلة دفاعية منيعة تستطيع حماية مساحات شاسعة تمتد ملايين الأميال المربعة من موجات متزامنة من الصواريخ والطائرات المسيّرة، خصوصًا مع استمرار إيران في تطوير قدراتها. كما إنَّ الخلافات السياسية والأمنية بين دول المنطقة قد تقلل بدورها من فاعلية أي شبكة دفاع جوي مشتركة.

وهذه الثغرة الأمنية تحمل في طياتها خطرًا اقتصاديًا لا يقل خطورة. فمعظم دول الشرق الأوسط لا تزال تعتمد بدرجات متفاوتة على صادرات النفط والغاز في تمويل إيراداتها، وقد أثبتت إيران قدرتها على تهديد هذه التجارة من خلال استهداف البنية التحتية والممرات التي تعتمد عليها.

ويأتي مضيق هرمز في قلب هذه المعضلة. فغالبية صادرات النفط والغاز في المنطقة تمر عبره، وتستطيع طهران تعطيل الملاحة فيه لفترات طويلة، سواء باستهداف السفن العابرة أو بمجرد إبقاء التهديد قائمًا. أما البديل عبر البحر الأحمر، فلا يوفر ضمانة كاملة؛ إذ تبقى الملاحة عبر باب المندب وقناة السويس عرضة لهجمات الحوثيين في اليمن، الذين عطلوا حركة السفن في هذا الممر بصورة متقطعة خلال السنوات الثلاث الماضية.

وحتى الدول التي تمتلك منافذ أكثر مرونة على البحار المفتوحة ليست بمنأى عن الخطر. فسلطنة عُمان والإمارات، على سبيل المثال، قد تكونان أقل اعتمادًا على المرور عبر هرمز في بعض صادراتهما، لكن موانئهما ومنشآتهما تظل عرضة لاحتمال الاستهداف الإيراني.

وإذا تحوّلت صعوبة تصدير النفط والغاز من أزمة مؤقتة إلى واقع طويل الأمد، فلن تبقى التداعيات اقتصادية فقط، بل قد تمتد إلى الاستقرار الداخلي في عدد من دول المنطقة.

ويبدو العراق من أكثر الدول تعرّضًا لهذا الخطر، نظرًا إلى اعتماده الكبير على عائدات النفط لتمويل موازنته وفاتورة الأجور العامة الضخمة. كما تواجه البحرين وضعًا حساسًا بسبب عبء ديونها المرتفع. لكن الدول الخليجية الأكثر ثراءً لن تكون محصّنة هي الأخرى.

فعلى مدى ربع القرن الماضي، استخدمت دول الخليج جزءًا من عائدات النفط والغاز لبناء بعض أكبر صناديق الثروة السيادية في العالم، فيما مولت تلك العائدات أيضًا نموذجًا اجتماعيًا مكلفًا يقوم على توفير الوظائف والخدمات والمزايا للمواطنين في مقابل الاستقرار السياسي. وإذا أصبح تعطيل الممرات البحرية وتوقف صادرات الهيدروكربونات خطرًا دائمًا، فقد يتعرّض هذا النموذج لضغوط متزايدة.

وتدرك الحكومات العربية هذه المخاطر، ولذلك بدأت تبحث عن وسائل تقلل اعتمادها على نقاط الاختناق البحرية. ومن الخيارات المطروحة توسيع شبكات خطوط الأنابيب التي تسمح بتجاوز بعض هذه الممرات. لكن تجارب المنطقة أظهرت أنَّ خطوط الأنابيب ليست حلًا بسيطًا؛ فقد تحولت في السابق إلى مصدر لخلافات سياسية بين دول، كما حدث بين العراق وتركيا، وبين قطر والسعودية، فضلًا عن أنها تبقى عرضة للهجمات والتخريب.

لهذا يبرز خيار آخر قد يكون أكثر قابلية للتطبيق: تخزين جزء من النفط والغاز خارج المنطقة.

والفكرة بسيطة. ففي الفترات التي تبقى فيها الممرات البحرية مفتوحة، تستطيع الدول المنتجة زيادة شحناتها إلى منشآت تخزين في الأسواق المستوردة، بحيث يصبح بالإمكان السحب من تلك المخزونات إذا تعطلت حركة التصدير لاحقًا. وبهذه الطريقة، لا تبقى القدرة على تلبية الطلب مرتبطة بالكامل باستمرار الملاحة عبر مضيق هرمز أو غيره من نقاط الاختناق.

كما يوفر التخزين في الخارج ميزة أمنية إضافية؛ فإبعاد جزء من المخزون عن المنطقة يجعله أقل عرضة للاستهداف الإيراني المباشر، وإن كان لا يحصّنه من أشكال أخرى من الاضطراب.

وبدأ بعض الدول بالفعل التحرك في هذا الاتجاه. فالكويت تسعى إلى توسيع شبكة تخزين نفطها في الخارج، مع احتمال إقامة مرافق في كوريا الجنوبية واليابان. كما تدرس الإمارات زيادة مخزوناتها من النفط الخام في الهند، فيما أبدت دول منتجة أخرى في الشرق الأوسط اهتمامًا بتخزين النفط والغاز في كوريا الجنوبية.

لكن التخزين الخارجي ليس حلًا كاملًا. فسعة المنشآت محدودة في النهاية، كما إنَّ معالجة مشكلة أمن الإمدادات بهذه الطريقة قد تخلق مشكلة أخرى داخل سوق النفط نفسها.

فتحالف “أوبك+” يعاني أصلًا من خلافات بين أعضائه حول حصص الإنتاج، ويمكن أن يؤدي التوسع في التخزين الخارجي إلى زيادة هذه التوترات. فقد تجد بعض الدول في الحاجة إلى ملء مخزوناتها الخارجية مبررًا لإنتاج كميات تتجاوز السقوف المتفق عليها، ما يفتح الباب أمام مزيد من التجاوزات ويضعف قدرة التحالف على ضبط الإمدادات.

وهكذا، فإنَّ محاولة حماية صادرات النفط من تداعيات الحرب قد تنتهي إلى زيادة الضغوط على واحدة من أهم المؤسسات الاقتصادية التي تعتمد عليها الدول المنتجة لإدارة السوق.

اختبار الصمود

على الرغم من حجم هذه التحديات، يقدم تاريخ المنطقة ما يدعو إلى الاعتقاد بأنها قادرة على تجاوز الصراع الأميركي-الإيراني، وربما الحد من آثاره الطويلة الأمد. فالشرق الأوسط واجه من قبل حروبًا وأزمات بدت، في لحظتها، قادرة على تغيير مساره لعقود، ثم تمكنت دوله بدرجات متفاوتة من التكيُّف معها وتجاوز جانب كبير من تداعياتها.

فقد خرجت المنطقة من الحرب العراقية-الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات، ثم واجهت الغزو العراقي للكويت عام 1990، وبعده الغزو الأميركي للعراق عام 2003. وفي أكثر من محطة، لم يقتصر التعامل مع الأزمات على احتواء أضرارها، بل دفع بعض الدول إلى البحث عن حلول جديدة لمشكلاتها الاقتصادية والجيوسياسية.

فمصر، على سبيل المثال، استفادت من وقوفها إلى جانب الولايات المتحدة في حرب تحرير الكويت عام 1990 للحصول على إعفاءات شملت نحو نصف ديونها الخارجية، ما ساعدها على تجاوز أزمة اقتصادية حادة. وفي العقد نفسه، واجهت قطر القيود الجيوسياسية التي كانت تحد من قدرتها على تصدير الغاز عبر خطوط الأنابيب بخيار مختلف وأكثر مخاطرة: الاقتراض بكثافة للاستثمار في إنتاج الغاز الطبيعي المسال وتصديره بحرًا. وعندما نجح الرهان، تحولت موارد الغاز إلى أحد الأسس التي صنعت الثروة القطرية.

لكن القدرة على تجاوز أزمات الماضي لا تعني أنَّ الأدوات القديمة ستكون كافية لمواجهة الأزمة الحالية. فالحرب تكشف نقاط ضعف تتعلق بأمن الطاقة، والدفاع، والتحالفات الخارجية، وقدرة دول المنطقة على حماية اقتصاداتها من صراعات لا تتحكم وحدها في مسارها.

لذلك، يحتاج الشرق الأوسط إلى إعادة النظر في بعض استراتيجياته: إيجاد وسائل جديدة لحماية ثرواته وتدفقات الطاقة، وبناء قدر أكبر من القدرة الذاتية، وتنويع مصادر أمنه، والأهم امتلاك دور أكبر في تحديد شروط هذا الأمن بدل الاكتفاء بالاعتماد على الآخرين.

لكن الاختبار الأصعب قد يكون داخل المنطقة نفسها.

فمهما تنوعت التحالفات، وتطورت منظومات الدفاع، وتوسعت قدرات تخزين النفط ومسارات تصديره، ستظل قدرة دول الشرق الأوسط على مواجهة الأزمات محدودة إذا استمرت خلافاتها في إضعاف قدرتها على التعامل مع التهديدات المشتركة.

ولهذا تحتاج المنطقة، إلى جانب إعادة ترتيب علاقاتها مع الولايات المتحدة والقوى الأخرى، إلى آليات أكثر فاعلية لإدارة خلافاتها وتقريب مصالحها عندما تواجه خطرًا مشتركًا.

فالصمود في وجه الحرب الحالية لا يتوقف فقط على عدد الصواريخ التي يمكن اعتراضها، أو عدد البراميل التي يمكن تخزينها، أو عدد الشركاء الذين يمكن إضافتهم إلى قائمة الحلفاء. الاختبار الحقيقي هو ما إذا كانت دول المنطقة قادرة على تحويل هذه الأزمة من سبب لمزيد من الانقسام إلى دافع لبناء قدرة أكبر على حماية أمنها ومصالحها معًا.

وذلك لن يحدد فقط قدرتها على تجاوز الصراع الحالي، بل مدى استعدادها للصراعات والأزمات التي قد تأتي بعده.

Exit mobile version