مَن سيبني المشرق العربي؟ (3 من 6)

الحروب التي تعصف بالمشرق العربي لم تنتهِ بعد، لكنَّ الصراعَ على ما سيأتي بعدها بدأ بالفعل. في هذه السلسلة نسأل: مَن سيعيد بناء دول المشرق واقتصاداته، ومَن سيموّل نهوضه، وأي توازنات ستُحدد موقعه في النظام الإقليمي المقبل؟

الرئيس جوزيف عون يستقبل وفدًا إماراتيًا رفيع المستوى يبحث عن فرصٍ للاستثمار.

الحلقة الثالثة

الخليج… من مُمَوِّلٍ لإعادةِ الإعمار إلى شريكٍ في بناءِ اقتصادِ المشرق

 

كابي طبراني*

إذا كانت الحلقة السابقة قد انتهت إلى أنَّ إعادة بناء الدولة تسبق إعادة الإعمار، فإنَّ ذلك يقود إلى سؤال مختلف: أيُّ رأس مال سيشارك في بناء اقتصاد المشرق العربي المقبل، وما الذي يريده في المقابل؟

السؤال مهم لأنَّ المال الخليجي الذي عرفه المشرق في مراحل سابقة يتغيّر في طبيعته ووظيفته. لعقود، حضرت دول الخليج عبر المساعدات والمنح والودائع والقروض، سواء لإسناد حكومات حليفة، أو إنقاذ اقتصادات مأزومة، أو المساهمة في إعادة بناء ما دمّرته الحروب. لم تختفِ هذه الأدوات، لكنَّ مركز الثقل يتحرّك تدريجًا من التمويل الذي يسدُّ فجوة إلى الاستثمار الذي يبحث عن أصل وعائد وموقع طويل الأجل.

وهذا فارق يتجاوز اللغة. فالمموّل يسأل في الغالب عن الحاجة التي ينبغي سدّها، أما المستثمر فيسأل عن الفرصة: ما العائد؟ ما مدة المشروع؟ بأيِّ أسواق سيرتبط؟ وأي موقع سيمنحه داخل شبكة أوسع من التجارة والطاقة والنقل والصناعة؟

من هنا، لا ينبغي النظر إلى الصناديق السيادية والشركات الخليجية الكبرى بوصفها خزائن تنتظر مشاريع إعادة إعمار المشرق. فهي تتحرّك في عالمٍ من الفرص المتنافسة، وتستطيع الاختيار بين موانئ وطرق ومناطق صناعية ومحطات طاقة وأسواق متعددة، وأن تتجاوز بلدًا إلى آخر إذا وجدت مسارًا أسرع أو أقل مخاطرة أو أكثر اتصالًا بالاقتصاد الإقليمي.

وهذا يُغيّرُ السؤال بالنسبة إلى سوريا والعراق ولبنان وفلسطين والأردن. فالمسألة لم تعد فقط مقدار ما يمكن أن يصل إليها من أموال خليجية، بل ما الذي يجعل الاستثمار يختار واحدًا منها دون الآخر، وما الوظيفة التي يستطيع كل بلد أن يؤدّيها داخل اقتصادٍ إقليمي آخذ في إعادة التشكل.

لذلك قد يكون السؤال الأهم في المرحلة المقبلة ليس: كم سيدفع الخليج للمشرق؟ بل: أين سيضع الخليج أمواله، ولماذا هناك تحديدًا؟

ففي الإجابة عن هذا السؤال تبدأ بالظهور الخريطة الاقتصادية الجديدة للمشرق العربي.

رأس المال الخليجي تغيّر

لكنَّ الانتقال من التمويل إلى الاستثمار يكتسب معناه الكامل حين ننظر إلى التحوُّل الذي جرى داخل الاقتصادات الخليجية نفسها. فالسعودية والإمارات وقطر والكويت راكمت خلال العقود الماضية صناديق سيادية وشركات كبرى باتت تتحرّك على نطاق عالمي، فيما جعلت خطط التنويع الاقتصادي الاستثمار الخارجي جُزءًا من بناء قطاعات جديدة في الداخل وربطها بالأسواق والشركات والتكنولوجيا في الخارج.

لذلك لم يعد توظيف رأس المال خارج الخليج مجرد وسيلة لاستثمار فوائض النفط. ففي قطاعات مثل الخدمات اللوجستية والموانئ والصناعة والطاقة والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والأمن الغذائي، يمكن للاستثمار الخارجي أن يُحقّق عائدًا ماليًا، وأن يفتح سوقًا، أو يؤمّن أصلًا استراتيجيًا، أو يضيف حلقة إلى شبكة اقتصادية أوسع.

ولا تتحرّك دول الخليج في ذلك بمنطقٍ واحد. فللإمارات خبرة متراكمة في الموانئ والتجارة والخدمات اللوجستية، فيما تدفع السعودية برأس مالها ضمن مشروع أوسع لبناء قطاعات وصناعات جديدة وتعزيز موقعها بين آسيا وأوروبا وأفريقيا. وتجمع قطر بين استثمارات دولية واسعة ومكانتها في أسواق الطاقة، بينما تملك الكويت أحد أقدم التقاليد العربية في الاستثمار السيادي والتمويل التنموي. وقد تتكامل هذه المصالح في بعض أنحاء المشرق، كما قد تتنافس على الأصول والفرص والمسارات نفسها.

وهذا التنوُّع مهم، لأنه يعني أنَّ الحديث عن “رأس المال الخليجي” لا ينبغي أن يوحي بوجود قرار استثماري خليجي موحّد. لكلِّ دولة أولوياتها، ولكلِّ صندوق أو شركة حساباته، كما تختلف القدرة على تحمُّل المخاطر والقطاعات المستهدفة وآجال الاستثمار. لكن ما يجمع هذه التحرّكات هو ارتفاع قيمة المشاريع التي تتيح للمستثمر الوصول إلى ما يتجاوز السوق المحلية المنفردة.

فميناء يرتبط بموانئ أخرى، أو منطقة صناعية تتصل بسلاسل إنتاج إقليمية، أو مشروع للطاقة يفتح إمكان الربط عبر الحدود، قد يحمل قيمة مختلفة عن أصلٍ كبير يبقى محصورًا داخل اقتصاد واحد. وهنا يصبح الاتصال جُزءًا من قيمة الاستثمار نفسه.

ولهذا تحديدًا يكتسب المشرق أهمية جديدة. فهو لا يعرض على المستثمر الخليجي أسواقًا تحتاج إلى رأس المال فحسب، بل جغرافيا تقع بين الخليج وتركيا وشرق المتوسط وأوروبا. وإذا كان رأس المال يبحث بصورة متزايدة عن الأصول القابلة للربط ضمن شبكاتٍ أوسع، فإنَّ السؤال لا يعود فقط ماذا يمكن الاستثمار فيه داخل كل دولة، بل ماذا يمكن لهذه الاستثمارات أن تصل ببعضها بعضًا عبر المنطقة.

وعند هذه النقطة ننتقل من الاستثمار في دول المشرق إلى الاستثمار في الشبكات التي تعبره.

من الاستثمار في الدول إلى الاستثمار في الشبكات

هنا تظهر قيمة المشرق من زاوية مختلفة. فالعراق وسوريا والأردن ولبنان ليست أسواقًا منفصلة فحسب، بل تقع على مساحة تصل الخليج بتركيا وشرق المتوسط، وتربط مصادر الطاقة بمراكز الاستهلاك، ويمكن أن تعبرها التجارة والكهرباء والبيانات. لذلك قد تكمن القيمة الأكبر لبعض الاستثمارات المقبلة لا في حجم السوق التي تستضيفها، بل في قدرتها على الاتصال بأسواق أخرى.

ويقدّم العراق المثال الأوضح. فمشروع “طريق التنمية”، الممتد من ميناء الفاو الكبير شمالًا نحو تركيا ومنها إلى أوروبا، لا يقوم على توسيع شبكة النقل العراقية وحدها، بل على منح العراق وظيفة في حركة التجارة بين الخليج والأسواق الشمالية. وانضمام قطر والإمارات إلى العراق وتركيا في مذكرة التفاهم الرباعية الخاصة بالمشروع يضيف إلى هذه الفكرة بُعدًا خليجيًا واضحًا: الاستثمار المحتمل هنا لا يتوقف عند حدود العراق، بل يتعلق بالمسار الذي يستطيع العراق أن يفتحه خارجه.

وفي الوقت نفسه، يطرح الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC) تصوُّرًا آخر للربط، يبدأ من الهند ويمر بالخليج قبل أن يتجه عبر مسارات بحرية وبرية نحو أوروبا. ولا ينبغي التعامل مع المشروعين كما لو أنهما خطّان متكافئان أو أنَّ تنفيذهما محسوم؛ فهما يختلفان في الشركاء والمسارات ودرجة التقدّم والعقبات السياسية والأمنية. لكن وجودهما في الحسابات الإقليمية يكشف شيئًا أعمق: الممرات نفسها أصبحت مجالًا للاستثمار والمنافسة وإعادة توزيع الوظائف الاقتصادية.

وسوريا تملك، من حيث الموقع، إمكانية الدخول مجددًا في هذه الشبكات. فهي تصل العراق وتركيا بشرق المتوسط، وتملك ساحلًا وموانئ ومسارات تاريخية للطاقة والنقل. لكن السنوات الطويلة التي تعطّلت خلالها هذه الوظيفة سمحت بنشوء مسارات بديلة، ولذلك فإنَّ عودتها المحتملة لن تكون استعادة تلقائية لدورٍ قديم، بل دخولًا في خريطة تغيّرت خلال غيابها. وما بدأ يظهر من اهتمام بالموانئ والنقل والطاقة يعطي هذه المسألة بُعدًا عمليًا، لكنه لا يزال في طورٍ يحتاج إلى وقتٍ واستثمارات واتصالات إقليمية كي يتحوّل إلى وظيفة اقتصادية فعلية.

أما الأردن، فتأتي أهميته من موقعٍ مختلف. فهو يقع عند تقاطع الخليج والعراق وسوريا وفلسطين ومصر، ويمكن لمشاريع النقل والطاقة والربط الكهربائي أن تمنحه دورًا يتجاوز حجم اقتصاده المحلي. وفي اقتصاد الشبكات، لا يشترط أن تكون الدولة سوقًا ضخمة لكي تصبح عقدة مهمة؛ فقد تكمن قيمتها في ما تستطيع تمريره وربطه وتقديمه من خدمات.

حتى لبنان، الذي يبدو اليوم بعيدًا من المشاريع الكبرى للممرات، لا يمكن فصله عن هذا التحوُّل. فموقعه على شرق المتوسط ومرفأ بيروت وعلاقاته التجارية والمالية التاريخية تمنحه أصولًا يمكن أن تستعيد قيمتها إذا أصبح جُزءًا من شبكةٍ مشرقيّة أوسع. لكن قيمتها لن تأتي من التاريخ وحده، بل من قدرتها على الاتصال بالمسارات التي تتشكّل من حوله.

والأهم أنَّ الممر لا يصبح اقتصادًا بمجرّد رسمه على الخريطة. فالطريق أو السكة ينقلان البضائع، لكنَّ القيمة الأكبر تنشأ عندما تتجمّع حولهما مناطق صناعية ومخازن ومراكز توزيع وخدمات وطاقة واتصالات. عندها يصبح الاتصال نفسه جُزءًا من قيمة الاستثمار، وتزداد قيمة الميناء أو المنطقة الصناعية أو البنية الرقمية بقدر ما تتصل بأصول وأسواق خارج حدود الدولة.

وهذا هو التحوُّل الذي قد يعيد رسم جانب من الخريطة الاقتصادية للمشرق: ليس بناء مشاريع متجاورة في دول متجاورة، بل ربط أصول موزّعة على أكثر من دولة بحيث تصبح قيمة كل منها مرتبطة بما يتصل بها خارج الحدود.

لكن هذه الشبكات لا تحتاج إلى المرور بكل مكان. ويمكنها أن تختار عقدًا وتتجاوز أخرى. وهنا يبدأ التنافس الحقيقي بين دول المشرق على الموقع الذي سيحجزه كلٌّ منها داخل الخريطة الجديدة.

كيف يختار رأس المال عقده؟

إذا كانت الشبكات تستطيع أن تختار عقدًا وتتجاوز أخرى، فإنَّ المنافسة بين دول المشرق لن تكون على اجتذاب أكبر قدر من المال فقط، بل على إقناع المستثمر بأنَّ وجوده في بلد معيّن يضيف قيمةً إلى استثماراته في أماكن أخرى.

من هذه الزاوية، لا تكفي الحاجة إلى الاستثمار، ولا الموقع الجغرافي وحده. فالمستثمر يقارن بين كلفة النقل، وسهولة العبور، والاتصال بالموانئ والأسواق، وإمكان التوسع، وحجم النشاط الذي يمكن أن ينشأ حول المشروع. وقد يكون الطريق الأقصر جغرافيًا أقل جاذبية اقتصاديًا إذا كان أكثر كلفة أو تعقيدًا، فيما يستطيع مسارٌ أطول أن يتقدّم إذا وفّر اتصالًا أفضل ودرجة أعلى من قابلية التشغيل.

ولهذا يكتسب “طريق التنمية” العراقي أهميته الحقيقية من سؤال يتجاوز إنشاء السكة والطريق: ماذا يمكن أن يتجمع حولهما؟ فإذا اقتصر المشروع على نقل الحاويات من ميناء الفاو إلى الحدود التركية، سيستفيد العراق من العبور والخدمات المرتبطة به. أما إذا جذب مناطق صناعية ومراكز لوجستية وشركات للتخزين والتجميع والتوزيع، فإنَّ كل استثمار جديد يمكن أن يرفع قيمة الاستثمارات الأخرى ويحوّل الممر إلى محور لنشاط اقتصادي أوسع.

وينطبق المنطق نفسه، وإن اختلفت الظروف، على سوريا. فالمستثمر الذي ينظر إلى ميناء أو طريق أو منطقة صناعية فيها لن يقيس قيمة الأصل السوري وحده، بل سيسأل عمّا يمكن أن يتّصل به: هل يصل إلى العراق؟ هل يخدم سوقًا أوسع؟ هل يمكن ربطه بتركيا أو المتوسط؟ وهل يصبح جُزءًا من سلسلة نقل أو إنتاج تمتد خارج الحدود؟ بهذا المعنى، لا تأتي قيمة سوريا للمستثمر من كونها تحتاج إلى إعادة إعمار واسعة، بل من الوظيفة التي تستطيع أصولها أن تؤدّيها داخل شبكة إقليمية.

أما الأردن، فقد تكون ميزته تحديدًا في القدرة على أداء وظيفة العقدة. فاقتصاده أصغر من الاقتصاد العراقي، لكنه يقع عند تقاطع مسارات وأسواق متعددة. وإذا استطاع أن يربط النقل والطاقة والخدمات اللوجستية بمحيطه، يمكن للمستثمر أن يرى فيه منصة اتصال، لا مجرّد سوق محلية.

ولبنان يواجه المعادلة من موقعٍ أكثر صعوبة. فرأس المال لا يمنح الأفضلية لبلد بسبب الدور الذي أداه في الماضي، ولا ينتظر عودة المراكز التقليدية إذا وجد بدائل أكثر كفاءة. لذلك فإنَّ قيمة مرفأ بيروت أو موقع لبنان على شرق المتوسط بالنسبة إلى المستثمر ستتحدد بما يمكن ربطهما به، لا بما كانا يمثلانه تاريخيًا. وكلما ترسخت مسارات بديلة من حوله، ازدادت كلفة بقائه خارج الشبكات الجديدة.

وهنا يظهر فارقٌ أساسي بين جذب مشروع وجذب منظومة من الاستثمارات. فقد تنجح دولة في استقطاب ميناء أو محطة طاقة أو منطقة لوجستية، لكنَّ القيمة الأكبر تتحقق عندما يجذب الأصل الأول أصلًا ثانيًا، ثم ثالثًا، وتبدأ شبكة من الشركات والخدمات والأنشطة في التكوّن حوله. عندها يصبح الموقع أكثر جاذبية لأنه استقطب الاستثمار، ويأتي الاستثمار الجديد لأنَّ الموقع أصبح أكثر جاذبية.

وهذا تحديدًا ما يجعل المنافسة أكثر حدة. فالعقد الاقتصادية، متى ترسّخت، تستطيع أن تُراكم مزاياها، فيما يصبح على المواقع التي تأخّرت أن تقدّم أسبابًا أقوى كي تغيّر مسار رأس المال نحوها.

لذلك لن تتحدد الخريطة المقبلة وفق قاعدة بسيطة تقول إنَّ كل دولة ستحصل على حصة من الاستثمار تتناسب مع حجمها أو حاجتها. قد تستقطب بعض المواقع سلسلة من المشاريع المترابطة، فيما تحصل أخرى على استثمارات منفردة، وقد تتجاوز الشبكات مواقع ثالثة تمامًا.

ومن هنا يصبح السؤال بالنسبة إلى رأس المال الخليجي أكثر تحديدًا: ليس أيُّ دول المشرق تحتاج إليه أكثر، بل أيُّ عقدة تمنحه أفضل قدرة على الاتصال والتوسع وإضافة القيمة إلى شبكة استثماراته.

وحين يبدأ رأس المال في اختيار العقد والموانئ والمسارات التي يريد الارتباط بها لعقود، تظهر مسألة أخرى تتجاوز العائد المباشر: ماذا يحدث للعلاقة بين المستثمر والدولة عندما يصبح الاستثمار جُزءًا من البنية التي يقوم عليها اقتصادها؟

حين يصنع الاستثمار علاقة طويلة الأجل

عندما يدخل رأس المال في ميناء أو شبكة طاقة أو منطقة صناعية أو بنية لوجستية، تختلف العلاقة عن استثمار مالي يمكن التخارج منه بسرعة. فهذه أصول تُبنى لسنوات وتُدار أحيانًا لعقود، ويعتمد نجاحها على استمرار حركة التجارة والطاقة والخدمات وعلى بقاء الصلة بين المستثمر والاقتصاد المضيف.

ومن هنا ينشأ نوع من الاعتماد المتبادل. فالدولة تحتاج إلى رأس المال والخبرة والإدارة والوصول إلى شبكات أوسع، فيما يحتاج المستثمر إلى استمرار الأصل الذي استثمر فيه وقدرته على العمل والتوسع. وكلما ارتبط المشروع بأصول أخرى داخل المنطقة، أصبحت مصلحة الطرفين في استمراره أكبر.

والميناء مثالٌ واضح. فقيمته بالنسبة إلى الشركة التي تديره لا تأتي من الأرصفة والمنشآت وحدها، بل من حجم التجارة التي تمر عبره، والطرق التي تصله بالداخل، والمناطق الصناعية التي يمكن أن تنشأ حوله، والموانئ والأسواق الأخرى التي يرتبط بها. ولذلك يصبح نجاح المستثمر مرتبطًا، بدرجات متفاوتة، بنجاح البيئة الاقتصادية المحيطة بالمشروع.

لكنَّ العلاقة ليست أحادية الاتجاه. فالدولة المضيفة لا تقدّم للمستثمر فرصة تجارية فقط؛ إنها تقدّم أيضًا الموقع والوصول إلى السوق والاتصال بالجغرافيا المحيطة. وإذا أصبح أصلٌ ما حلقة مهمة داخل شبكة أوسع، ازدادت قيمته بالنسبة إلى المستثمر، واكتسب البلد المضيف بدوره ورقة تفاوضية أكبر.

وهنا يبدأ الاستثمار في إنتاج أثر يتجاوز عائده المباشر. فالعقود الطويلة والمصالح المتشابكة تخلق قنوات مستمرة بين الحكومات والشركات والمؤسسات، وتجعل القرارات الاقتصادية في بلدٍ ما ذات أثر على مصالح موجودة في بلد آخر. ومع تراكم هذه العلاقات، يصبح رأس المال جزءًا من شبكة المصالح الإقليمية، لا مجرّد تدفُّقٍ مالي بين مستثمر وسوق.

وهذا لا يعني أنَّ كلَّ استثمار استراتيجي يتحوّل تلقائيًا إلى أداةٍ سياسية، أو أنَّ المستثمر يستطيع بامتلاكه حصّة في أصلٍ مهم أن يفرض خياراته على الدولة. فالمصالح التجارية والسياسية ليست شيئًا واحدًا، كما إنَّ الدول المضيفة تحتفظ بحساباتها وقدرتها على التفاوض. لكن يصعب، في الوقت نفسه، افتراض أنَّ استثمارات بمليارات الدولارات في أصولٍ حيوية تمتد لعقود لن تنتج وزنًا في العلاقة بين الطرفين.

ولعلَّ الأهم بالنسبة إلى المشرق أنَّ هذا النوع من العلاقة يقوم على منطقٍ مختلف عن المساعدة. فالدولة التي تتلقى منحة تبقى في موقع المتلقّي، أما الدولة التي تملك موقعًا أو أصلًا يحتاج إليه المستثمر فتدخل العلاقة بما تستطيع أن تقدمه هي أيضًا. وكلما ازدادت أهمية موقعها داخل الشبكة، أصبحت الشراكة أقرب إلى تبادل المصالح منها إلى انتقال المال في اتجاه واحد.

وهنا تحديدًا يمكن أن تتغير طبيعة العلاقة الاقتصادية بين الخليج والمشرق. فبدل أن يكون الأول مصدر رأس المال والثاني مساحة للحاجة، يمكن أن تنشأ علاقة تقوم على معادلة أكثر تعقيدًا: الخليج يملك رأس المال والشركات والخبرة في قطاعات متعددة، والمشرق يملك الأسواق والمواقع والمسارات والفرص التي تستطيع أن توسّع الشبكات الخليجية نفسها.

لكنَّ هذه المصالح الطويلة الأجل تحتاج إلى قدر من الاستقرار كي تحتفظ بقيمتها. فالميناء لا يحقق عائده إذا تعطلت التجارة، والطريق يفقد جدواه إذا أُغلق، والمنطقة الصناعية لا تجذب الشركات إذا أصبح استمرار العمل فيها موضع شك.

وهنا نصل إلى الحد الذي لا يستطيع رأس المال تجاوزه وحده: يستطيع الاستثمار أن يخلق مصلحة في الاستقرار، لكن هل يستطيع أن يساعد على تثبيته؟

هل يستطيع الاستثمار أن يدعم الاستقرار؟

تنشئ الاستثمارات طويلة الأجل مصلحة واضحة في الاستقرار، لكنها لا تصنعه من الصفر. وهذه نقطة أساسية في فهم حدود الدور الذي يمكن أن يؤدّيه رأس المال الخليجي في المشرق. فالمستثمر يستطيع أن يربط مصالحه ببقاء ميناء مفتوحًا أو طريق عاملًا أو منطقة صناعية منتجة، لكنه لا يستطيع وحده إزالة الأسباب التي قد تعطّلها.

مع ذلك، تتغير الحسابات عندما تتسع دائرة المستفيدين من استمرار المشروع. فالميناء الذي ترتبط به شركات ومناطق صناعية وعمّال وموردون، والطريق الذي تعتمد عليه تجارة أكثر من دولة، وشبكة الطاقة التي تصل أسواقًا متجاورة، تنشئ مصالح اقتصادية تتضرّر جميعها من التعطيل. وكلما اتسعت هذه المصالح، ارتفعت كلفة الاضطراب على عدد أكبر من الأطراف.

وتكتسب المشاريع العابرة للحدود أهمية خاصة في هذا السياق. فـ”طريق التنمية”، إذا اكتمل واتسعت الأنشطة المحيطة به، لن تكون المصلحة في استمراره عراقية وحدها. ستكون لتركيا مصلحة في تدفق التجارة، ولدول الخليج المشاركة مصلحة في الوصول إلى الأسواق، وللشركات التي تستثمر على امتداده مصلحة في بقاء المسار عاملًا. وينطبق المنطق نفسه على شبكات الكهرباء والطاقة والنقل التي تعتمد قيمتها على استمرار الاتصال بين أكثر من دولة.

لكنَّ الاعتماد المتبادل ليس ضمانة ضد الأزمات. فقد تتحوّل البنية التحتية نفسها في أوقات التوتر إلى نقطة ضعف: يتعطل الطريق، أو تتراجع التجارة، أو تتوقف الطاقة، أو يؤجل المستثمر مشروعًا كان مستعدًا لتنفيذه. لذلك لا ينبغي تحميل الاقتصاد وظيفة لا يستطيع أداءها، أو افتراض أنَّ المصالح التجارية قادرة وحدها على تجاوز الصراعات السياسية والأمنية.

وتقدّم غزة الحالة الأكثر قسوة لهذه المعادلة. فحجم الدمار يجعل إعادة البناء حاجة هائلة، وقد يكون لرأس المال الخليجي والعربي دور أساسي فيها، لكنَّ المال وحده لا يستطيع تحويل الإعمار إلى اقتصاد قابل للحياة ما لم تتوافر للفلسطينيين قدرة فعلية على الحركة والتجارة والإنتاج والاتصال بالأسواق. فإعادة بناء المساكن والمنشآت شيء، وإعادة بناء اقتصاد يستطيع أن يعيش وينمو شيء آخر. وفي غزة تحديدًا، تظهر حدود الاستثمار بأوضح صورها: يمكن لرأس المال أن يعيد بناء ما هُدم، لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع الشروط السياسية والأمنية التي تمنع هدمه مرة أخرى.

ما يستطيع رأس المال فعله بصورة أكثر واقعية هو مكافأة الاستقرار. فحين يقارن المستثمر بين مشروعين متشابهين، لا يدخل في حساباته العائد المتوقع وحده، بل أيضًا احتمال التعطيل، واستمرارية التشغيل، والقدرة على الوصول إلى الأسواق، وإمكان التوسع، والكلفة التي قد يفرضها تغير الظروف. وهكذا يمكن لخفض المخاطر أن يتحوّل بحد ذاته إلى ميزة تنافسية في اجتذاب الاستثمار.

وهذه المعادلة مهمة بالنسبة إلى المشرق لأنَّ المنافسة على رأس المال لا تجري بين دوله وحدها. فالصناديق السيادية والشركات الخليجية تستطيع الاستثمار في آسيا وأفريقيا وأوروبا وأميركا اللاتينية، ولا يوجد ما يلزمها بتوجيه أموالها إلى بلد لمجرد قربه الجغرافي أو حاجته الكبيرة إلى إعادة البناء. ولذلك فإنَّ كلَّ مشروع مشرقي ينافس، بصورة أو بأخرى، فرصًا استثمارية موجودة في أماكن أخرى من العالم.

ومن هنا تظهر حدود فكرة أنَّ رأس المال الخليجي سيأتي تلقائيًا لأنَّ المشرق يحتاج إليه. الحاجة لا تصنع فرصة استثمارية، والدمار لا يضمن تدفق أموال إعادة البناء. ما يجذب رأس المال طويل الأجل هو القدرة على الجمع بين العائد والاتصال وإمكان النمو ومستوى من المخاطر يستطيع المستثمر تحمله.

وفي المقابل، يمكن للاستثمار حين يصل أن يعزّز هذه الحلقة. فالمشروع الناجح يُقلّل من صورة المخاطر، ويجذب شركات أخرى، ويوسع النشاط المحيط به، ويزيد عدد المستفيدين من استمراره. وبذلك قد ينشأ مسار تراكمي: الاستثمار يكافئ الاستقرار، والاستقرار يجذب مزيدًا من الاستثمار، واتساع المصالح الاقتصادية يرفع بدوره كلفة العودة إلى التعطيل.

لكنَّ النتيجة ليست حتمية. فقد تدخل مليارات الدولارات إلى بلد من دون أن تنتقل آثارها بعيدًا من المشروع الذي استقبلها. وهنا نصل إلى الاختبار الأخير والأهم في هذه الحلقة: ليس مقدار رأس المال الذي يستطيع المشرق اجتذابه، بل مقدار القيمة التي يستطيع الاحتفاظ بها بعد وصوله.

من رأس المال إلى اقتصاد جديد

في النهاية، لن يُقاس أثر رأس المال الخليجي في المشرق بحجم الأموال التي تدخل إليه، ولا بعدد الاتفاقات التي تُوقَّع أو المشاريع التي تُعلَن. المعيار الأهم هو مقدار القيمة التي تبقى في الاقتصاد بعد وصول الاستثمار: كم يخلق من نشاط جديد، وكم يربط من شركات محلية بسلاسل إنتاج أوسع، وكم ينقل من معرفة ومهارات، وكم يفتح من أسواق أمام ما ينتجه البلد نفسه.

فمن الممكن أن تمتلك دولة ميناء حديثًا من دون أن تصبح مركزًا تجاريًا، أو طريقًا دوليًا من دون أن تنشأ حوله صناعة، أو منطقة لوجستية ضخمة لا تتجاوز وظيفتها تخزين البضائع العابرة. كما يمكن لاستثمار ناجح جدًا بمعايير المستثمر أن يظل محدود الأثر على الاقتصاد الذي يستضيفه. فنجاح المشروع ونجاح الاقتصاد ليسا دائمًا الشيء نفسه.

وهنا يظهر الاختبار الحقيقي لدول المشرق. فالقيمة الكبرى لا تأتي من جذب الأصل الأول فقط، بل من القدرة على بناء نشاط حوله. الميناء يحتاج إلى طرق ومخازن وشركات وخدمات ومناطق إنتاج، والطريق تزداد قيمته عندما تنشأ على جانبيه أعمال جديدة، والاستثمار الأجنبي يصبح أكثر أثرًا عندما تدخل الشركات المحلية في سلاسل توريده وتكتسب منه الخبرة والقدرة على الوصول إلى أسواق جديدة.

وبهذا المعنى، لا ينبغي أن يكون هدف المشرق الحصول على حصة من رأس المال الخليجي بقدر ما ينبغي أن يكون استخدام هذا الرأس المال لتوسيع قدرته الاقتصادية. فالفارق كبير بين اقتصاد يستضيف استثمارات، واقتصاد يستخدم الاستثمار لكي ينتج ويصدّر ويتصل بغيره.

ويقع على المستثمر الخليجي جزء من هذه المعادلة أيضًا. فإذا اقتصر دخوله إلى المشرق على الأصول الأكثر ربحًا، يمكن أن يحقق عوائد كبيرة من دون أن يغيّر كثيرًا في الاقتصادات المحيطة بها. أما إذا توسعت العلاقة إلى شراكات مع الشركات المحلية، ونقل المعرفة، وبناء سلاسل توريد، وربط الإنتاج بالأسواق التي تستطيع الشركات الخليجية الوصول إليها، فإنَّ الاستثمار يكتسب أثرًا يتجاوز المشروع نفسه.

لذلك ربما لا تكون الإجابة عن سؤال “مَن سيبني المشرق العربي؟” اسم دولة أو صندوق سيادي أو مجموعة من الشركات. فدول الخليج تستطيع توفير رأس المال والخبرة وشبكات الوصول إلى الأسواق، ودول المشرق تستطيع توفير المواقع والأسواق والموارد والفرص. لكنَّ البناء يبدأ عندما تتحول هذه العناصر من صفقة بين طرفين إلى اقتصاد يولّد قيمة جديدة للطرفين.

وهنا تكمن الفرصة التي تفتحها المرحلة الراهنة. فبعد عقود كانت فيها العلاقة الاقتصادية بين الخليج وأجزاء واسعة من المشرق تقوم على انتقال العمالة في اتجاه، والتحويلات والمساعدات ورؤوس الأموال في الاتجاه الآخر، يمكن أن تنشأ علاقة مختلفة تقوم على الاستثمار والإنتاج والربط بين الأسواق والبنية التحتية.

لكنَّ المخاطرة قائمة أيضًا: أن تنجح المشاريع ماليًا، فيما تبقى الاقتصادات التي تستضيفها عاجزة عن التقاط القيمة التي تولدها. وعندها سيكون المشرق قد استضاف الخريطة الجديدة من دون أن يصبح شريكًا حقيقيًا في صناعتها.

فالمال يستطيع أن يبني الطريق، لكنَّ قيمة الطريق يحددها ما ينشأ على جانبيه.

ولهذا يستطيع الخليج أن يكون شريكًا رئيسيًا في بناء المشرق الجديد، لكنه لا يستطيع أن يبنيه بدلًا منه. وما سيحدد النتيجة في النهاية ليس مقدار رأس المال المتاح وحده، بل قدرة دول المشرق على تحويل الاستثمار إلى إنتاج، والموقع إلى اتصال، والاتصال إلى قيمة تبقى داخل اقتصاداتها.

وعند هذه النقطة يظهر سؤال يتجاوز رأس المال نفسه: كيف وصل المشرق، الذي كان يومًا أحد مراكز التجارة والسياسة والثقافة في المنطقة، إلى مرحلة أصبح فيها يتنافس على استعادة موقعه داخل شبكات تُعاد صياغتها من حوله؟

ذلك هو السؤال الذي تبدأ منه الحلقة الرابعة: “المشرق العربي… كيف خسر مركزه؟”.

Exit mobile version