خمس سنوات كانت كافية لكي يجمع قيس سعيّد معظم خيوط السلطة في يده. لكنها كانت كافية أيضًا لطرح السؤال الذي يصعب عليه تجنبه اليوم: ماذا تغيّر في حياة التونسيين؟
تونس – محمد سليم*
لم تكن العتمة التي خيّمت على أحياء تونسية في تموز (يوليو) الماضي مجرد أزمة كهرباء. فقد جاءت الانقطاعات المتكررة للتيار والمياه، في ذروة موجة حر قاربت معها درجات الحرارة 50 درجة مئوية في بعض المناطق، لتكشف عن أزمة أعمق: بعد خمس سنوات من تركيز السلطة في يد الرئيس قيس سعيّد، لم تتحول الدولة الأكثر مركزية إلى دولة أكثر قدرة على توفير أبسط الخدمات. وربطت تقارير محلية ما لا يقل عن خمس وفيات بانقطاع الكهرباء وتعطّل معدات طبية منزلية، بينها أجهزة أوكسجين، من دون أن تؤكد السلطات رسميًا هذه الحصيلة.
ولهذا اكتسبت التظاهرات التي شهدتها العاصمة في 25 تموز (يوليو) دلالة تتجاوز أزمة الخدمات. ففي اليوم الذي صادف مرور خمس سنوات على الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها سعيّد في 2021، خرج آلاف التونسيين إلى وسط العاصمة مطالبين برحيله، ومرددين شعارات أعادت إلى شارع الحبيب بورقيبة شيئًا من لغة 2011: الحرية والعمل والكرامة، وصولًا إلى شعار “الشعب يريد إسقاط النظام”. ولم يعد الاعتراض مقتصرًا على الأحزاب التقليدية؛ فقد اختلط الاحتجاج على تراجع الحريات بالغضب من غلاء المعيشة وتدهور الخدمات وعجز الدولة عن إدارة أزماتها اليومية.
المفارقة أنَّ هذا هو تقريبًا الامتحان الذي بنى عليه سعيّد شرعية مشروعه منذ البداية. ففي 25 تموز (يوليو) 2021، بدأ مسارًا أعاد من خلاله صياغة النظام السياسي وتركيز سلطات واسعة في الرئاسة. وكان تبريره أنَّ النظام الذي أفرزته الثورة أصبح عاجزًا عن الحكم، وأنَّ الصراعات الحزبية والفساد وشلل المؤسسات حالت دون معالجة أزمات التونسيين.
لم يكن ذلك التشخيص بلا جمهور. فبعد عشر سنين من الثورة التي أطاحت زين العابدين بن علي، كان قطاع واسع من التونسيين قد فقد ثقته بالطبقة السياسية وبنظام أنتج انتخابات حرة وتعددية حقيقية، لكنه أنتج أيضًا حكومات قصيرة العمر، وائتلافات متنازعة، وبرلمانًا غارقًا في الصدامات، فيما بقيت البطالة والتفاوت بين الساحل والداخل وضعف الخدمات العامة من المشكلات المزمنة التي لم تجد حلولًا مقنعة.
لهذا لم يُنظَر إلى إجراءات سعيّد في أيامها الأولى بالطريقة نفسها التي يُنظر إليها اليوم. بالنسبة إلى كثيرين، كان الرجل الذي جاء من خارج الأحزاب يعد بإعادة الدولة إلى الناس بعد سنوات من المساومات السياسية. وكان الرهان الضمني بسيطًا: إذا كانت الديموقراطية التونسية قد أخفقت في إنتاج حكومة فعالة، فربما تستطيع سلطة تنفيذية قوية أن تفعل ذلك.
بعد خمس سنوات، أصبح من الصعب فصل تقييم التجربة عن هذا الوعد الأصلي.
فالسلطة أصبحت أكثر تركيزًا بالفعل، لكنَّ الدولة لم تصبح بالضرورة أكثر فاعلية. تراجعت مراكز القوة التي كانت تستطيع تعطيل القرار الرئاسي، لكنَّ اختفاء بعضها لم يحل المشكلات الاقتصادية التي كانت وراء الغضب على النظام السابق. وما تزال البطالة مرتفعة، والدين العام ثقيلًا، والاستثمار أضعف من أن ينتج التحول الاقتصادي الذي انتظره التونسيون.
وهنا تكمن المسألة التي تجعل الحالة التونسية أهم من أزمة حكومة أو رئيس. فالتجربة التي بدأت بعد 2011 كانت محاولة عربية نادرة للإجابة عن سؤال: هل تستطيع دولة خرجت من الاستبداد بناء نظام تعددي يحافظ في الوقت نفسه على تماسكها؟ أما تجربة سعيّد منذ 2021 فتطرح السؤال المعاكس: هل يؤدي التخلص من القيود والتوازنات الديموقراطية إلى استعادة قدرة الدولة على الحكم؟
حتى الآن، تبدو الإجابة أكثر تعقيدًا مما وعد به الطرفان.
فالديموقراطية التونسية لم تسقط لأنها كانت عاجزة عن إجراء الانتخابات أو تداول السلطة. على العكس، نجحت بعد الثورة في تجاوز أزمات سياسية خطيرة من خلال التفاوض والتسويات، ووصل هذا المسار إلى ذروته مع “الرباعي الراعي للحوار الوطني” الذي حصل على جائزة نوبل للسلام في 2015. لكنَّ النظام أخفق في تحويل التسوية السياسية إلى إصلاح اقتصادي بالسرعة والعمق اللذين انتظرهما المواطنون. وبقيت مناطق الداخل أقل استفادة من التنمية، وظلت البطالة مرتفعة، واستمرت الدولة في حمل أعباء مؤسسات عامة وخدمات وبيروقراطية لم تستطع إصلاحها.
ثم جاء سعيّد ليقلب المعادلة. فبدل إصلاح نظام التوازنات، أضعف الكثير منها. ومنذ 2021 اتسعت سلطات الرئاسة، وتراجعت استقلالية مؤسسات كانت تشكل قيودًا عليها، فيما تعرّض معارضون وصحافيون ونشطاء للملاحقة والسجن. ويقول سعيّد إن إجراءاته قانونية وضرورية لمكافحة الفساد وحماية الدولة، بينما ترى المعارضة ومنظمات حقوقية أنها أسست لنظام أكثر تسلطًا وأضيق مساحة للاعتراض.
والأحداث الأحدث تؤكد أن المسألة لم تنتهِ مع تظاهرة 25 تموز (يوليو). ففي 20 آب (أغسطس) خرجت احتجاجات جديدة في العاصمة مطالبة برحيل سعيّد واستعادة المسار الديموقراطي، وسط استمرار الغضب من الأوضاع الاقتصادية والخدمات ونقص بعض الاحتياجات الأساسية. وهذا مهم لأنه يوحي بأنَّ أزمة تموز (يوليو) لم تكن انفجارًا عابرًا سببه الحر وانقطاع الكهرباء، بل لحظة كشفت عن تراكم سياسي واجتماعي أوسع.
من أزمة الديموقراطية إلى أزمة الحكم
ثمة اعتراف بدأ يظهر حتى لدى شخصيات كانت في قلب النظام قبل انقلاب المعادلة في 2021. فقد قال رئيس الحكومة السابق هشام المشيشي، الذي أقاله سعيّد عندما جمّد البرلمان واستأثر بالسلطة التنفيذية، إنَّ أحد أكبر أخطاء المرحلة السابقة كان عدم إعطاء الاقتصاد ما يستحقه من أولوية.
وهذه المراجعة المتأخرة تختصر المأزق الذي ورثه سعيّد: فجوة واسعة بين المكاسب السياسية التي حققتها الثورة والكرامة الاقتصادية التي ظل كثير من التونسيين ينتظرونها.
كان سعيّد، أستاذ القانون الدستوري الآتي من خارج المنظومة الحزبية، التعبير الأكثر وضوحًا عن هذا السخط. انتُخِب بوصفه نقيضًا للطبقة السياسية أكثر منه امتدادًا لها، وقدم نفسه رجلًا نظيف اليد يريد محاربة الفساد وإعادة السلطة إلى القاعدة ومعالجة مطالب العمل والكرامة. لذلك كان نجاحه في البداية قائمًا على مفارقة: جاء إلى الحكم عبر واحدة من أهم منجزات الديموقراطية التونسية، ثم استخدم انهيار الثقة بمؤسسات تلك الديموقراطية لإعادة بناء النظام حول الرئاسة.
ومنذ 25 تموز (يوليو) 2021، لم تعد المسألة مجرد خلاف حول صلاحيات الرئيس. ففي غضون عام كان سعيّد قد جمّد البرلمان ثم حلّه، وأقال الحكومة، وحل المجلس الأعلى للقضاء، وأعفى عشرات القضاة، قبل أن يدفع بدستور جديد وسّع بصورة كبيرة صلاحيات الرئاسة. وبعد ذلك اتسعت الملاحقات لتشمل سياسيين ومحامين وصحافيين ونشطاء وشخصيات كانت جزءًا من الحياة العامة في مرحلة ما بعد الثورة. وترى الباحثة في مركز كارنيغي سارة يركيس أنَّ المحصّلة بعد خمس سنوات لم تكن إصلاح الديموقراطية المتعثرة، بل تفكيك جزء كبير من التقدم الديموقراطي الذي تحقق خلال العقد السابق.
حين يصبح القانون أداة لضبط المجال العام
شكّل المرسوم 54، الصادر في 2022 والمتعلق بجرائم أنظمة المعلومات والاتصال، إحدى أهم أدوات هذا التحول. فقد قُدّم في إطار مكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال، لكنَّ الفصل 24 منه يفرض عقوبة تصل إلى خمس سنوات على استخدام شبكات الاتصال لنشر أخبار أو بيانات كاذبة، وتُضاعف العقوبة عندما يكون المستهدف موظفًا عامًا أو مَن في الحكم. ومع اتساع تطبيقه، أصبح سياسيون وصحافيون ومحامون ومعلقون ونشطاء عرضة للملاحقة بسبب تصريحات أو منشورات اعتبرتها السلطات مخالفة للقانون.
ولم تعد المسألة تتعلق بحالات معزولة. فقد وثقت منظمات حقوقية استخدام المرسوم ضد عدد متزايد من الأصوات المنتقدة، فيما استمرت الملاحقات خلال 2026؛ ففي حزيران (يونيو)، مثلًا، صدر حكم غيابي بالسجن أربع سنوات على الصحافية خولة بو كريم بموجب المرسوم 54. وتقول منظمات حقوقية إنَّ النتيجة لم تكن فقط سجن منتقدين، بل إنتاج أثر أوسع من الرقابة الذاتية داخل الإعلام والمجتمع المدني.
وهذا مهم لأنَّ النظام الذي نشأ بعد الثورة لم يكن قائمًا على الانتخابات وحدها. فقد لعب الإعلام والنقابات والمحامون والمنظمات الحقوقية والجمعيات دورًا في مراقبة السلطة وفي إجبار القوى السياسية على التسوية عندما وصلت خلافاتها إلى طريق مسدود. ولذلك فإنَّ إضعاف هذه المساحات لا يقل أثرًا عن تغيير الدستور أو حل البرلمان؛ إنه يقلص الآليات التي يستطيع المجتمع من خلالها اكتشاف إخفاق الدولة والضغط لمعالجته.
راشد الغنوشي، رئيس البرلمان السابق وزعيم حركة “النهضة”، أصبح أبرز رموز هذه المرحلة من الاعتقالات، لكنه ليس الوحيد. فقد طالت الإجراءات شخصيات من اتجاهات إيديولوجية متعارضة، بما فيها خصومٌ ل”النهضة” نفسها. وهذا التفصيل مهم، لأنَّ القمع لم يعد يُقرأ بسهولة بوصفه مواجهة بين سعيّد والإسلاميين، بل أصبح جزءًا من إعادة تضييق المجال السياسي في مجموعه. وتقول منظمات حقوقية إنَّ الاعتقالات والملاحقات امتدت إلى سياسيين ومحامين وصحافيين ونشطاء ومنظمات تعمل في ملفات الهجرة والحقوق المدنية.
ويرفض سعيّد هذه الصورة. فهو يؤكد أنَّ الحريات مضمونة وأنَّ القضاء يطبق القانون، ويقدم المواجهة باعتبارها حربًا على الفساد وشبكات المصالح التي أضعفت الدولة. كما إنَّ أنصاره يستطيعون الإشارة، عن حق، إلى أنَّ المشكلات الاقتصادية التي تعانيها تونس لم تبدأ في 2021: النمو الضعيف، والمديونية، وضعف الاستثمار، والبطالة، والتفاوت الجهوي كلها سبقت وصول سعيّد إلى الرئاسة.
لكنَّ هذه الحجة تصبح أضعف كلما طال بقاؤه في السلطة. فمن الممكن تحميل الحكومات السابقة مسؤولية الإرث الذي تسلمه، لكن يصعب بعد خمس سنوات تفسير كل إخفاق بالإرث نفسه، ولا سيما بعدما أزال الرئيس معظم مراكز المعارضة المؤسسية التي كان يتهمها بتعطيل الإصلاح.
الاقتصاد الذي لم ينقذه الحكم الفردي
هنا يعود الاقتصاد إلى قلب القصة.
رفض سعيّد في 2023 المضي في برنامج كان مطروحًا مع صندوق النقد الدولي بقيمة تقارب 1.9 مليار دولار، معترضًا على الشروط المرتبطة به ومعتبرًا أنَّ بعض الوصفات المفروضة من الخارج يمكن أن تهدد السلم الاجتماعي والسيادة الوطنية. ولم يكن رفض إجراءات مؤلمة اجتماعيًا موقفًا بلا أساس سياسي؛ فتقليص الدعم وإعادة هيكلة المؤسسات العامة كانا يحملان كلفة كبيرة على مجتمع يعاني أصلًا من تراجع القدرة الشرائية.
لكنَّ رفض البرنامج لم يترافق مع نموذج اقتصادي بديل قادر على معالجة الاختلالات نفسها. وبدل العودة الواسعة إلى أسواق التمويل الخارجية، ازداد اعتماد الدولة على الموارد الداخلية والتمويل المحلي، فيما بقي الاستثمار منخفضًا والقدرة على تمويل تحول اقتصادي واسع محدودة.
وتظهر الأرقام صورة أكثر تعقيدًا من القول إنَّ الاقتصاد ينهار ببساطة. فقد نما الناتج المحلي الحقيقي 2.5 في المئة في 2025، بعد نمو بلغ 1.6 في المئة في 2024 وشبه ركود في 2023. وتراجع التضخم من ذروته التي تجاوزت 10 في المئة في 2023 إلى متوسط يقارب 5.7 في المئة في 2025. كما تحسنت السياحة والتحويلات. لكنَّ هذه المؤشرات الإيجابية لم تُنهِ المشكلات الهيكلية: بقيت البطالة عند نحو 15.1 في المئة، والدين العام عند أكثر من 82 في المئة من الناتج، فيما ظل الاستثمار الأجنبي المباشر الصافي محدودًا، عند نحو 1.6 في المئة من الناتج في 2025 وفق تقديرات البنك الدولي.
وهذا التمييز ضروري. فأزمة تونس ليست أنَّ كل المؤشرات تتحرك في الاتجاه الخطأ، بل أنَّ التحسُّن المحدود لم يتحوّل بعد إلى تغيير يشعر به المواطن في نوعية الخدمات وفرص العمل والقدرة الشرائية. وموجة الحر وانقطاعات الكهرباء والمياه جعلت هذا الانفصال بين أرقام الاقتصاد وقدرة الدولة على الأداء ملموسًا بصورة يومية.
ومن هنا تبدو المفارقة أشد وضوحًا: سعيّد نجح في إزالة الكثير من القيود على سلطته، لكنه لم ينجح حتى الآن في إزالة القيود التي تكبّل الاقتصاد.
دولة أكثر مركزية… ولكن هل هي أقوى؟
ربما يكون هذا هو السؤال الذي تختبره تونس اليوم. فالسلطة والدولة ليستا الشيء نفسه. يستطيع الرئيس أن يجمع في يده قدرة أكبر على إصدار القرار، من دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى رفع قدرة الإدارة على تنفيذه، أو شركة الكهرباء على تحديث شبكتها، أو منظومة المياه على مواجهة الجفاف، أو الاقتصاد على خلق الوظائف.
بل إنَّ تركيز القرار قد ينتج مشكلة معاكسة إذا أضعف المؤسسات القادرة على تصحيح الخطأ. فحين تصبح كلفة الاعتراض مرتفعة، ويضعف الإعلام، ويتراجع استقلال القضاء، وتضيق مساحة المجتمع المدني، لا تختفي المشكلات؛ قد تختفي فقط بعض القنوات التي تنقلها إلى السلطة قبل أن تتحول إلى أزمة.
وهذا ما أعطى انقطاعات الصيف معناها السياسي. فالتونسي الذي كان يُقال له قبل خمس سنوات إنَّ البرلمان المتنازع والأحزاب الفاسدة هما سبب العجز يستطيع اليوم أن يسأل: مَن المسؤول بعدما أصبحت السلطة أكثر تركيزًا مما كانت عليه في أي وقت منذ الثورة؟
ولا يعني ذلك أنَّ تونس تقف بالضرورة على أبواب ثورة جديدة. فالقياس على 2011 قد يكون مضللًا بقدر ما هو مغرٍ.
لماذا لن تكون 2026 نسخة من 2011؟
الكثير من المظالم التي فجرت الثورة الأولى عاد إلى الواجهة: البطالة، وتفاوت التنمية بين المناطق، والغضب من السلطة، والشعور بانسداد الأفق. لكنَّ البيئة السياسية التي تتحرك فيها هذه المظالم تغيرت.
في 2011، كان سقوط بن علي يفتح مجالًا سياسيًا لم تكن القوى الاجتماعية تعرف مسبقًا شكله. أما اليوم، فإنَّ التونسيين يحملون أيضًا ذاكرة خمسة عشر عامًا مما جاء بعد سقوطه: الانتخابات والتحالفات والأزمات الحكومية، ثم خيبة الأمل من الطبقة السياسية، وصولًا إلى صعود سعيّد نفسه. لذلك فإنَّ رفض الرئيس لا يعني تلقائيًا الحنين إلى النظام الذي سبقه.
كما إنَّ المعارضة الحالية أكثر تشتتًا، والمجتمع المدني تعرّض لضغوط أكبر، وعدد من أبرز الشخصيات السياسية إما في السجن أو الخارج، فيما بقيت المؤسسة العسكرية أكثر حضورًا في الحياة العامة مما كانت عليه قبل عقد ونصف. ولهذا يرى الباحث شاران غريوال أنَّ الظروف التي تستطيع إنتاج احتجاجات واسعة موجودة مجددًا، لكنَّ أي انتفاضة جديدة ستكون مختلفة جذريًا عن ثورة 2011.
وهنا تكمن قوة سعيّد وضعفه في آن واحد. قوته أنَّه لا يواجه حتى الآن بديلًا سياسيًا موحَّدًا قادرًا على تحويل الاستياء الاجتماعي إلى مشروع حكم. وتشير تحليلات حديثة إلى أنَّ المعارضة، رغم عودة الاحتجاجات، ما زالت مجزَّأة وأنَّ النظام يحتفظ بما يكفي من أدوات السيطرة والاستقرار لمنع الغضب من التحول سريعًا إلى تهديدٍ وجودي.
أما ضعفه، فهو أنَّ الحجة التي أوصلته إلى هذه الدرجة من السلطة بدأت تعمل ضده.
فقد طلب سعيّد من التونسيين الحكم عليه بمعيار مختلف عن السياسيين الذين سبقوه: لا بمعيار التوافقات والمؤسسات، بل بمعيار القدرة على الفعل. وكلما تعطلت الكهرباء والمياه، واستمرت البطالة، وضعف الاستثمار، وتراجعت الخدمات، يصبح من الصعب فصل هذه النتائج عن النظام الذي جعل الرئيس مركز القرار.
المشكلة التي بقيت بعد سقوط الديموقراطية
لهذا قد لا يكون السؤال الأكثر أهمية اليوم ما إذا كانت تونس ستشهد “ربيعًا عربيًا” ثانيًا، ولا ما إذا كان سعيّد قادرًا على البقاء في قصر قرطاج. السؤال الأعمق هو ماذا تعلّمَ التونسيون من تجربتين متتاليتين: ديموقراطية امتلكت شرعية انتخابية لكنها عجزت عن إصلاح الاقتصاد، ورئاسة امتلكت سلطة شبه مطلقة لكنها لم تستطع حتى الآن بناء دولة أكثر كفاءة.
الأولى أثبتت أنَّ الحرية السياسية لا تكفي إذا لم تستطع الدولة تحويلها إلى عمل وكرامة وخدمات. والثانية تكشف أنَّ تركيز السلطة لا يعالج تلقائيًا العجز الذي فشلت الديموقراطية في معالجته.
وهنا ربما تكمن المُعضِلة التونسية الحقيقية بعد خمسة عشر عامًا على الثورة: المشكلة لم تكن يومًا في نقص السلطة وحده، ولا في كثرة الديموقراطية وحدها، بل في دولة لم تنجح النخب المتعاقبة في إصلاح قدرتها على الحكم والإنفاق والاستثمار وتقديم الخدمات وخلق الفرص.
لذلك تحمل احتجاجات هذا الصيف معنى أكبر من عدد المشاركين فيها. فهي لا تعلن بالضرورة بداية نهاية سعيّد، لكنها تكشف عن تآكل أهم وعد سياسي قام عليه مشروعه: أنَّ إزالة القيود عن الرئيس ستزيل القيود عن الدولة.
بعد خمس سنوات، أصبحت تونس تملك رئيسًا أقوى بكثير من ذلك الذي عرفته بعد الثورة. لكنَّ السؤال الذي يعود من الشارع، مع كل انقطاع للكهرباء أو المياه وكل فرصة عمل مفقودة، أبسط وأصعب في الوقت نفسه:
هل أصبحت تونس نفسها أقوى؟
- محمد سليم هو صحافي لبناني من أسرة “أسواق العرب”.
