هنري زغيب*
لا أَكتُب عنها، ميّ الريحاني، إِلَّا منحازًا إِلى لبنانها.. وهو لبنانُ اللبنانيُّ الْـلايُكَنّى إِلَّا به، والْلا تُستعار له صفةٌ إِلَّا منه.. إِنه هُوَ ذاته من أَوَّل الزمان: لا يقاس بجغرافياهُ ولا بديموغرافياهُ، بل بإِبداعوغرافيا عباقرته الخالدين، وهم عنوانُه لكُلِّ مكانٍ وزمان..
إِلى هذا اللبنان نذَرَتْ ميّ الريحاني سيرتها ومسيرتها. ولا تزال مترسِّلَةً له، متَنَسِّكةً في محرابه، راصدةً له جهودها السياسية النقية والاجتماعية السخية والأَدبية البهية..
وها اليوم شاهدٌ على كلِّ هذا الأَعلاه: كتابُها الجديد “من أَوراقي” (160 صفحة، قطعًا وسَطًا – منشورات “دار سائر المشرق”-2026).. في عنوانه الفرعيّ أَنه “إِبداعٌ ثقافيّ وتحدياتٌ سياسية”.. وتاليًا قِسْمَاهُ يندرجان ثقافيًّا في 18 مقطوعة عن عبدالحليم كركلَّا وسعيد عقل وشارل مالك وأُنسي الحاج ومصطفى فروخ وأَمين الريحاني وآخرين، ويندرجُ القسْم الآخر سياسيًا في 11 مقطوعة تتناول واقعًا سياسيًا في لبنان، أَمسِه وحاضرِه..
في مقدمته للكتاب يرى الدكتور فيليب سالم أَنَّ “مي الريحاني أَميرة الانتشار اللبناني في العالم.. يجمعُني بها حبُّنا وطنَنا لبنان، وإِيمانُنا العميقُ بعظَمة حضارته، ومشوارُنا الطويل من قريتَيْن صغيرتَيْن (بطرَّام والفريكة) في لبنان، إِلى مدينتَيْن كبيرتَيْن في الولايات المتحدة (هيوستن وواشنطن).. كانت ميّ أَولَ امرأَة في تاريخ لبنان تترشَّح جِدِّيًّا لرئاسة جمهوريَّته.. صحيح أَنها لم تَصِل، لكنها أَصبحت نموذجًا حضاريًّا جديدًا.. لم تكُن واحدةً من سياسيِّي لبنان، لكنها أَصبحت مثالًا أَعلى لكلٍّ منهم”..
وهي هكذا، فعلًا، ميّ.. بأَيِّما أَناقةٍ تكتُب.. وبأَيِّما إِيمان.. باكرًا غادرَتْ لبنان ذاتَ يومٍ، لكنَّ لبنان لم يغادِرْها ولا أَيَّ يوم.. لذا هي في واشنطن تعيش، وهي في لبنان تحيا.. يسكُنها لبنان، فتحملُه إِلى حيثُما تحطُّ، كي تعملَ من أَجله..
من الناس مَن يُحبُّون وطنَهم ويَعملُون فيه، ومنهم مَن يحبُّونه ويَعملُون له.. هي اختارت أَن تبتعدَ عنه كي ترى أَوضح، وإِذا برؤْيتها تُعينُها على أَن تقتربَ منه عن بُعد، وأَن تضمَّه إِلى خفَقات وجدانها فتتكرَّس له..
لبنانُ في قلبها.. وهي، من حيثُما تكون، في قلب لبنان.. وإِذا عمُّها الريحاني الكبير أَمين، جال ميدانيًّا في قرًى ومدُنٍ ومعالِمَ من لبنانه، فهي جالت في لبنانها من خلال والدٍ فَذٍ: أَلْبِرْت الريحاني، الشَغوف هو الآخَر بلبنان الفكْر والأَدب والثقافة، ناشرًا ثمارَ أَعلامه المكرَّسين.. وكم كانت تجول معه إِلى جلسات كان يَشهدها صالون بيته في بيروت، أَو في بيت الفريكة وعلى شرفته..
النصوصُ في كتابها تتهادلُ على ما يتجلَّى في لبنان من إِشعاعات ثقافية وأَدبية وفنية.. وتغوص فيه إِلى حلولٍ لأَزماته، مزوَّدةً بِخبرتها الطويلة في التربية والتعليم والإِدارة والقيادة السياسة وعلاقاتها الدولية وشبكة اتصالاتها الواسعة..
وإِنها هكذا من يومِ عرفْتُها: ديناميةٌ لا تهدأ، طموحٌ لا يلتوي، ونظرةٌ إِلى وطنها نقيَّةُ الوضوح ولو خَلَل الدُخان الأَسوَد.. لذا تُطلُّ عليه من شُرفتها في واشنطن تُناديه صباحًا بشَغَفها، كما كان عمُّها الأَمين الكبير يقف بشَغَفِهِ صباحًا على شرفة الفريكة، ويتلو ابتهالَ مقطوعته “النجوى”.. من دُون هذا الشغَف، لا حُبَّ ولا تَكَرُّس..
جديدُها “من أَوراقي” شهادةٌ ساطعة لِلُبنانيَّةٍ واعيةٍ أَنَّ وطنها ليس “بلَدًا” عاديًّا ذا مواصفات عادية كمعظم البلدان، بل هو منارٌ يقاس بامتداد إِشعاعه شرقًا وغربًا، يُشكِّل إِشعاعَهُ أَعلامٌ فيه مباركون يجعلونه عنوانًا أَوَّلَ على جبين الصفحة الأُولى من سفْر التاريخ..
هنيئًا للُبنانَ بقلَمها الأَنيق.. وهنيئًا لنا بإِيمانها، تبوح به وتبني عليه وتعمل له من أَجل لبنان..
مي الريحاني، مرصودةٌ على هذا البوح.. وفي بَوَاحها نورٌ لِعتمة الطريق.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
- يَصدُرُ هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار” (بيروت).
