أول تماسّ إسرائيلي مع اتفاق مكة

محمّد قوّاص*

ما الخطر الداهم الذي استدعى قيام إسرائيل بشنّ غارات على مطار أبو الظهور العسكري، في ريف إدلب الشرقي؟ ضربت 8 غارات مدارج مطار متوقف عن الخدمة منذ سنوات لا يمثّل تهديدًا عسكريًا مباشرًا. وفيما تدين دمشق العدوان وتعتبره “من دون مبرّر”، يستعير المبعوث الأميركي الرئاسي إلى سوريا توم برّاك التعبير، فيُصدر بيانًا لا يدين ولا يستنكر، لكنه يعتبر الحدث “لا ضرورة له”.

برّاك، سفير بلاده في تركيا، فهم، كما دمشق أيضًا، أنَّ الضجيجَ سوريُّ المكان لكن الحجيج يذهب صوب تركيا. تبعث إسرائيل برسالة عاجلة إلى أنقرة بأنها متنبّهةٌ للحراك التركي العام في سوريا، ومراقبةً لما قيل إنه جلبة نقل معدات لوجستية وتركيب منظومات مراقبة في محيط “أبو الظهور” خلال الأسابيع الأخيرة. حدثت الغارات بعد زيارة وفد عسكري تركي للموقع في الأيام السابقة ضمن مساعٍ لإعادة تفعيله، وبعد مناورات جوية سورية محدودة في مطلع الشهر الجاري باستخدام مقاتلات ميغ-21، هي الأولى منذ سقوط نظام بشار الأسد.

ولئن تفضح الرسائل النارية الهلع من تمدُّد نفوذ تركي في البلاد بعد أيام من الإعلان عن تقلّص نفوذ روسيا، فإنَّ في التفصيل ما يَعِدُ بصولات وجولات تركية إسرائيلية مقبلة فوق الأراضي السورية.

تبدو إسرائيل مستفيدةً من حقبة “سماح” يسوّق داخلها بنيامين نتنياهو وحلفاؤه الحاجة إلى “تمرّد” على واشنطن لتيسير حملة انتخابات الكنيست المقبلة. الاستعصاء واضح في غزّة حتى لو بعثت واشنطن بصهر الرئيس، جاريد كوشنر، موفدًا إلى المنطقة. والاستعصاء أكثر وضوحًا في لبنان بحيث تبدو تلة “علي الطاهر” أم المعارك في تحدٍّ للضغوط بشأن المرونة والمناطق التجريبية والانسحاب.

وإذا ما تمسّ إسرائيل تمدُّدًا تركيا تمقته في سوريا، فإنَّ ذلك يُنفّذ بعد ساعات من اتصال جرى بين الرئيس رجب طبب أردوغان ونظيره الرئيس دونالد ترامب. تستفيد إسرائيل من الوقت الضائع. العالم “يتفّهّم” عدّة الشغل التي تستدعي أن يقف ترامب بالمرصاد ضد ما يهدد أمن إسرائيل، بشكل مباشر على الجبهات المحيطة أو من تلك التي يطلّ بها أردوغان وخطابه المتصاعد “المعادي للسامية”.

هكذا يقدم نتنياهو الأعداء وهكذا يستدرج أصوات اليمين واليمين المتطرّف غير مكترث لظهور أعراض ضمور في شعبيته تتسرّب من استطلاعات الرأي. والظاهر أنَّ المأزق يحتاج إلى استدعاء “قضايا” واستفزاز “أعداء” حتى لو أنَّ الأدوات “من دون مبرر.. ولا ضرورة لها”.

يُنقَل عن ترامب القول أنه من الأفضل ألّا يتدخّل في الانتخابات الإسرائيلية. يُنقل عنه أيضا أنه، مع ذلك، قد يدعم مرشحًا لها. تكاد الأعراض الأخيرة تبعث برسائل من نتنياهو بأنه لم يعد يعوّل على دعم ترامب ولا ينتظره وأنَّ من حقّه العبث بالساحات التي يريدها الرئيس الأميركي إنجازا يُحسَب له، سواء في غزّة أو لبنان أو سوريا طالما أنَّ يديه مُكبَّلتان في إيران.

وفيما يرحّب رجل أميركا القوي باتفاق مكة الدفاعي بين السعودية وباكستان وتركيا، فإنَّ في رسائل “أبو الظهور” ما يمسّ الاتفاق ومَن يدعمه. يصعب فصل المشهد عن ذلك الاتفاق الذي نصَّ على أنَّ أيَّ اعتداء على أحد أطرافه اعتداء على الجميع، على غرار المادة الخامسة لحلف شمال الأطلسي. يمنح التحالف الوليد، تركيا موقعًا مركزيًا بفضل صناعتها الدفاعية وجيشها الكبير، ويضيف إليه الردع النووي الباكستاني والثقل المالي السعودي.

لكن الاتفاق أعاد خلط الأوراق في حسابات إسرائيل التي لطالما ارتاحت إلى فراغ التوازنات العسكرية العربية. للاتفاق وهج قوة يَعِدُ بمواجهة تحديات أمنية استدعت إبرامه. وفيما تضاربت التحليلات بشأن مقاصد الاتفاق الإيرانية، غير أنَّ إسرائيل لم ترَ في تلك المقاصد إلّا جدارًا يرتفع ضدها يحدّ من طموحات لم يخفها نتنياهو في المنطقة.

ولئن اختارت إسرائيل تهديد طموحات تركية في مطار سوري، فإنَّ للضربة رسائل إلى الضلع التركي من ذلك الاتفاق الذي قد تتمدد أضلاعه لتشمل سوريا لا مطار “أبو الظهور” فقط.

Exit mobile version