“باسم الشعب اللبناني”

زياد شبيب*

تصدر الأحكام والقرارات القضائية “باسم الشعب اللبناني”، عملًا بالمادة العشرين من الدستور. وهي عبارة تختصر فلسفة السلطة وهي أنَّ مصدرها هو الشعب. ولئن كان الشعب مصدر السلطات إلّا أنَّ ممارسة القضاء تبقى مستقلة عنه وعن السلطات الأخرى، بدليل أنَّ المادة نفسها جمعت بين استقلال القضاة وبين صدور الأحكام وتنفيذها باسم الشعب اللبناني.

هكذا إنَّ الحكم باسم الشعب، لا يعني الحكم وفق ما ينتظره الجمهور. فالشعب بالمعنى الدستوري هو صاحب السيادة ومصدر السلطات، كما تقول مقدمة الدستور، لكنه يمارس هذه السيادة عبر المؤسسات. أما الجمهور فهو حالة متحرّكة خارج المؤسسات وعلى حسابها أحيانًا، ينفعل ويهدأ، ويتأثر بخبر وصورة وتسريب، وغالبًا ما يصدر حكمه قبل أن يصل الملف إلى القاضي.

لهذا ليس من شأن المحاكم أن تستطلع رأي الناس، بل أنَّ تطبق القانون باسمهم. لا بل إنَّ وظيفة للقاضي قد تكون أحيانًا أن يحمي إنسانًا من غضب الجمهور، باسم الشعب نفسه، عبر تطبيق الضمانات القضائية التي تحدّث عنها الدستور أيضًأ.

الضمانات القضائية التي أرادها الدستور للقضاة والمُتقاضين على السواء، ما هي إلّا نتاج تراكم الخبرة البشرية عبر الأجيال وصولّا إلى أصول المحاكمات التي تضمن حقّ الدفاع والوجاهية والعلنية في المحاكمات، لكن الميل البشري الفردي أو الجماعي ينحو أحيانًا إلى الانتقام وطلب الحكم المباشر الفوري والإطاحة بالضمانات.

التاريخ مليء بالمحاكمات غير العادلة. محاكمة يسوع أمام بيلاطس، من منظار أحداثها البشرية، هي محاكمة غير عادلة انتهت إلى الحكم على بريء بالإعدام صلبًا. لأنَّ الحاكم الروماني رضخ للجموع المطالبة بصلب يسوع البريء وإطلاق المجرم باراباس، بتحريض رؤساء الكهنة.

وفي فرنسا نهاية القرن التاسع عشر، قضيّة ألفرد دريفوس الشهيرة المحكوم بالخيانة وسط مناخ قومي وإعلامي مشحون، وبسبب ضغط الرأي العام استغرق الأمر سنوات طويلة قبل أن تسقط الإدانة ويُعاد الاعتبار إلى دريفوس سنة 1906.

لقد وضع الدستور استقلال القاضي وضمانات المتقاضين على المستوى نفسه من الأهمية، لأنَّ غياب إحدى هاتين القيمتين يترتّب عليه اختلال ميزان العدالة وبالتالي وقوع الظلم. وفي الأدب تجد صفتَين اثنتين للقاضي، العادل أو الظالم. أما صفة النزيه والمستقلّ، على أهميّتها، فهي أقلّ حضورًا لأنَّ التاريخ وضمير المجتمع لا يحمل معه إلّا نتائج هذه وتلك، وهي الظلم.

الشعبويّة تسرّبت إلى العدالة. وأصبح بعض القرارات يُتَّخَذ محبّةًً بالتصفيق والوصف بالشجاعة أو خشية الاتهام بالتساهل. في هذا المناخ تتحوّل البراءة إلى موقف غير شعبي، ويصبح احترام القاعدة الإجرائية كأنه تعطيل للعدالة، فيسهُل التشدد كمرادف للنزاهة.

شعبوية القضاء أخطر من الشعبوية السياسية، لأنَّ السياسي يستطيع أن يقول ما يشاء ويحاسب في الانتخابات، لكن الظلم القضائي قد يسلب إنسانًا حريته وسمعته، وتمرُّ سنوات قبل أن يتبيّن أنه لم يكن يستحق ما وقع عليه.

إنَّ أصول المحاكمات ليست شكليات يمكن تجاوزها وفق الظروف. وعندما يشترط القانون حضور الشخص قبل اتخاذ إجراء معين بحقه، فحضوره جزء من العدالة. وعندما يعطيه حق الدفاع والطعن ضمن أصول ومهل محددة، فإنَّ تمكينه من ذلك ليس منّة قضائية. والحرية الشخصية مصونة بنصِّ المادة الثامنة من الدستور، ولا يجوز حجزها إلّا وفق القانون.

أمام التفتيش القضائي اليوم شكاوى تثير مسائل من هذا النوع. ليس المطلوب أن يصبح التفتيش محكمة فوق المحاكم. لكن مسؤوليته أن يقيم التمييز بين الاجتهاد وتجاوز الأصول، وبين الخطأ القانوني وإهدار ضمانة أساسية، وبين السلطة الاستنسابية والسلطة الاعتباطية. وأن يُعيدَ للعدالة معناها ويقيم لها بيتًا يسكن إليه اللبنانيّون.

↑
Exit mobile version