ابراهيم حيدر*
في الخطاب الأخير للأمين العام ل”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم وَرَدَ “إن المقاومة مُستمرّة حتى “التحرير الكامل” وهي التي نجحت في منع إسرائيل من تحقيق أهدافها في القضاء على المقاومة”. يختصر هذا الكلام رواية “حزب الله” عن سنتين من الحرب التي لم تنتهِ بعدَ إسنادَين كانت نتائجهما احتلال في الجنوب لنحو 7 في المئة من مساحة لبنان، وأدّت إلى سقوط آلاف الضحايا ودمار هائل في القرى المتاخمة للحدود ومئات آلاف النازحين. أما “حزب الله”، فقد خسر الأمينَين العامين السيد حسن نصرالله وهاشم صفي الدين ومعظم قيادات الصف الأول والثاني، وحتى الثالث، وسقوط آلاف المقاتلين، إلى تدمير مواقع وأنفاق كان يتخذها نقاطًا ضمن استراتيجيته في المواجهة.
الحرب أيضًا رتّبت على لبنان أعباء كبرى، فعدا عن الخسائر التي تُقدَّر بـ20 مليار دولار، تعرّضت قطاعات عدة لأضرار، خصوصًا القطاع التربوي الذي يُعاني اضطرابات في التعليم مع بقاء أكثر من 70 مدرسة وثانوية مراكز إيواء، فيما تعرّضت بُنى اجتماعية للتفكّك بعدما عاد الوضع الجنوبي ومعه لبنان إلى مرحلة ما قبل 2000، وبأوضاعٍ أقسى من السابق.
بعد سنتين على حرب 2024 وما تلاها في حرب 2026 والاحتلال، لم يجد الأمين العام لـ”حزب الله” إلّا فشل إسرائيل في القضاء على “الحزب”، فيما تجاوز ما حلّ بالبلاد وما رتبته حروب الإسناد من دمار وخسائر كارثية على لبنان وعلى بنية الحزب ذاتها، فالمهم أنَّ إسرائيل مُنِعَت من تحقيق أهدافها الأساسية في كسر قدرات المقاومة العسكرية، وكأنَّ الاحتلال تفصيل والتفريط بالأرض مسألة يمكن تعويضها، باستعادة معزوفة النصر وأنَّ الحزب لا يمكن أن يُهزَم وسيستمر.
المشكلة الأساسية في ما يتجاوز قراءة مسؤولي الحزب الذين يصرّون على أن تراجُعَهُ تكتيكي، أنَّ التقييم الذي أُجري لم يرقَ إلى مستوى الكارثة، ولذا يواصل “حزب الله” ممارساته ذاتها ورهاناته انطلاقًا من سياسات تأتمر بمرجعية إيران والتي أدت إلى ما وصل إليه البلد من نكبات وأزمات، فيتصرّف كطرفٍ أهلي لا يزال يمتلك فائض قوة، وسلاح أُخرِجَ في الأصل من مقاومة إسرائيل ووظيفته تغيّرت في ظل الاختلال في موازين القوى، إذ أنَّ السلاح المقاوم يأخذ بالاعتبار مصالح البلد واللبنانيين وليس ما يقرره الخارج.
ليس الأمر أنَّ إسرائيل قضت على سلاح الحزب، انما الحقيقة التي لا يعترف بها في تقييمه أنه مُني بهزيمة قاسية، وتعرّضت بُنيته لأفدح الأضرار وهجرت بيئته ودُمِّرَت مواقعه، فيما شعاراته التي استند إليها خلال العشرين عامًا الماضية من “توازن الردع” والقوة الإقليمية، والتي يستعيدها اليوم، لم تعد تصلح بعدما تبيَّن أنها قائمة على أوهام، إضافة إلى التغيّرات التي حدثت في المنطقة.
“حزب الله” يُدارُ اليوم من مرجعيته الإيرانية مباشرة، حيث يتولّى الحرس الثوري الإيراني إعادة بناء قدراته وتنظيم وضعه، وهو أمرٌ لا تخفيه قيادة الحزب التي تقول أنها أخضعت بُنيتها لمراجعة شاملة، وتغييرات في القيادة، لكنها تتشبّث بكلِّ الخيارات والممارسات السابقة، تدافع عن حروب الإسناد كتكليف شرعي، فلا تكترث لبيئتها ولا لمصلحة البلد الوطنية.
يبقى السؤال، هل انتهى “حزب الله” أو قُضِيَ عليه؟ لم ينتهِ الحزب كطرفٍ أهلي يريد الحفاظ على مكاسبه، لكن حضوره يستمدّه من مرجعيته الإيرانية، ومن خلالها يعلن الاحتفاظ بسلاحه الذي يرفض تسليمه إلى الدولة أو يغلّب مصالح البلد على الحسابات الخارجية.
قد يكون الحزب رمم بنيته التنظيمية وأعاد هيكلتها، لكنه بات قوة مأزومة بلا حاضنة لبنانية، وها هو اليوم مكشوف أمام الجموح الإسرائيلي ومشاريعه الأمنية والذي يحاصر البلد من دون أن يقدم الحزب أقله على الاعتراف بما أصابه، ويواصل إعلان نصره على حساب البيئة الشيعية ومستقبلها.
- الدكتور إبراهيم حيدر هو أكاديمي، صحافي ومحلّل سياسي لبناني. يمكن متابعته عبر منصة “إكس” على حسابه: @ihaidar62.
- يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) توازيًا مع صدوره في صحيفة “النهار” (بيروت).
