العالم يستثمر في عُمان… وعُمان تستثمر في مستقبلها

محمد العارضي*

في عالم الاستثمار، ليست الأرقام الأكبر دائمًا هي الأكثر دلالة. ففي بعض الأحيان، يكشف رقمٌ أقل بريقًا عن تحوُّلٍ أعمق يجري بعيدًا من العناوين الرئيسية.

عندما نشر المركز الوطني للإحصاء والمعلومات في سلطنة عُمان البيانات الأولية للربع الأول في تموز (يوليو)، كان طبيعيًا أن يستحوذ رقم الاستثمار الأجنبي المباشر على معظم الاهتمام. فقد ارتفع بنسبة 8.7 في المئة على أساسٍ سنوي، ليصل إلى 83.7 مليار دولار بنهاية الربع الأول من عام 2026. وهي نتيجة مهمة تؤكد أنَّ المستثمرين الدوليين ما زالوا يرون في عُمان فرصًا واعدة، وتعكس استمرار الثقة في آفاقها الاقتصادية.

لكن رقمًا آخر استوقفني، رُغمَ أنه لم يحظَ بالاهتمام الإعلامي نفسه.

فخلال عام 2025، تضاعف تقريبًا إجمالي رؤوس أموال صناديق الاستثمار والعقارات الخاضعة للتنظيم في عُمان، ليبلغ نحو 3.1 مليارات دولار. والأكثر لفتًا للانتباه أنَّ رأس مال صناديق الاستثمار وحدها ارتفع بأكثر من 125 في المئة خلال عام واحد.

قد يبدو هذا الرقم متواضعًا إذا قورن بحجم الاستثمار الأجنبي المباشر، لكنه يروي قصة مختلفة، وربما أكثر عمقًا، عن التحوُّل الذي يشهده الاقتصاد العُماني.

فالاستثمار الأجنبي المباشر يعكسُ استمرارَ ثقة العالم في مستقبل عُمان، في حين يشير النمو السريع لصناديق الاستثمار إلى تطوُّرٍ آخر يجري بالتوازي: بناء قدرة أكبر داخل النظام المالي العُماني على تجميع رؤوس الأموال وإدارتها وتوجيهها نحو فرص الاستثمار.

والاقتصاد يحتاج إلى الأمرَين معًا.

فالاستثمار الأجنبي يظل ركيزة أساسية لأيِّ اقتصادٍ منفتح ومندمج في الاقتصاد العالمي. فهو لا يجلب رأس المال فحسب، بل يأتي أيضًا بالتكنولوجيا والخبرات والمعرفة وشبكات الوصول إلى الأسواق الدولية، فضلًا عن كونه مؤشرًا مهمًا إلى ثقة المستثمرين في استقرار الدولة ومصداقيتها وآفاقها المستقبلية.

غير أنَّ الاقتصادَ القوي والمرن لا يستطيع الاعتماد على قدرته على جذب الأموال من الخارج وحدها. فهو يحتاج، في الوقت نفسه، إلى مؤسسات مالية محلية قادرة على تعبئة المُدَّخرات، وتجميع رؤوس الأموال، وتخصيصها بكفاءة ومهنية، ثم توجيهها نحو الشركات والمشاريع التي تمتلك القدرة على النمو.

وهنا تحديدًا تكتسب أرقام صناديق الاستثمار في عُمان أهميتها.

فهي لا تعني بالضرورة أنَّ كل ريال أو دولار تديره هذه الصناديق مصدره داخل السلطنة. لكنها تعني أن حجمًا متزايدًا من رأس المال بات يُجمع ويُدار من خلال مؤسسات تتخذ من عُمان مقرًا لها وتعمل في إطارها التنظيمي. وبذلك يتشكّل مسارٌ إضافي يمكن من خلاله تمويل الشركات والمشاريع والطموحات الاقتصادية للبلاد.

قد لا يكون ذلك مثيرًا للعناوين بالقدر نفسه الذي تثيره صفقة استثمار أجنبي بمليارات الدولارات، لكنه لا يقل أهمية بالنسبة إلى بناء اقتصاد أكثر قدرة على تمويل نموه.

والسبب يتجاوز حجم الأموال المتاحة اليوم.

فرأس المال الدولي سيظل بطبيعته متأثرًا بعوامل لا تستطيع أي دولة التحكُّم فيها بالكامل. أسعار الفائدة تتغيّر، والتوترات الجيوسياسية تعيد رسم خرائط المخاطر، والمستثمرون يغيّرون أولوياتهم، والسيولة تتحرّك بين الأسواق بحثًا عن العائد والأمان.

وهذه حقيقة لا تخص عُمان وحدها، بل جميع الاقتصادات المنفتحة على العالم.

لذلك، كلما أصبحت القاعدة الاستثمارية المحلية أعمق وأكثر تنوُّعًا، ازدادت قدرة الاقتصاد على الوصول إلى مصادر تمويل متعددة عبر مختلف الدورات الاقتصادية. فالهدف ليس الاستعاضة عن رأس المال الأجنبي برأس المال المحلي، بل بناء منظومة تستطيع الاستفادة من الاثنين معًا.

وهنا، في رأيي، تكمن الدلالة الأهم وراء الرقم الأصغر. فالمؤسسات المحلية تتمتع أيضًا بميزة القرب من السوق، بما يمنحها فهمًا أعمق للشركات والأولويات الاقتصادية، وقد يجعلها أكثر استعدادًا للدخول مبكرًا في المشاريع، فتوفّر بذلك قاعدة من الثقة تشجع رؤوس الأموال الدولية على المشاركة.

لكن ذلك لا يعني أن رأس المال المحلي أفضل بطبيعته؛ فالقرب لا يضمن دقة التقدير، كما إنَّ الأموال المُدارة محليًا تحتاج بدورها إلى حوكمة قوية وقرارات استثمارية سليمة.

فرأس المال الأجنبي يتبع مؤشرات الثقة، بينما يستطيع رأس المال المحلي أن يساهم في تعزيزها. وتُقدّم عُمان نموذجًا واضحًا على تكامل الاثنين.

في تموز (يوليو)، أعلن “صندوق المستقبل العُماني” عن 105 مشاريع واستثمارات بقيمة 1.74 مليار دولار، منها نحو 585 مليون دولار من رأس مال الصندوق، ونحو 458 مليون دولار من مستثمرين محليين، موزَّعة على قطاعات تشمل الطاقة المتجددة والتصنيع والسياحة والرعاية الصحية والتكنولوجيا وإنتاج الغذاء.

ويظهر هذا التكامل بوضوح في مشروع مصنع “يونايتد سولار” (United Solar) لإنتاج البولي سيليكون في صحار، البالغة تكلفته 1.6 مليار دولار. فقد استثمر “صندوق المستقبل العُماني” قرابة 260 مليون دولار، ليصبح “جهاز الاستثمار العُماني”، عبر الصندوق، أكبر مساهم في المشروع. ثم تولّت “مؤسسة التمويل الدولية” وشركاؤها ترتيب وتعبئة أكثر من 30 في المئة من إجمالي رأس المال المُجمّع، بما في ذلك استثمار نهائي في الأسهم بقيمة 50 مليون دولار استكمل عملية التمويل. ومن المتوقع أن يوفر المشروع نحو 3000 فرصة عمل.

هنا، لم يزاحم رأس المال المحلي نظيره الأجنبي أو يحل محله، بل ساعد على تهيئة الظروف التي شجعت المؤسسات الدولية على المشاركة والاستثمار. وما تظهره هذه التجربة في عُمان يعكس، بدرجات متفاوتة، تحولًا أوسع تشهده اقتصادات الخليج.

فقد أظهر استطلاع حديث أجرته شركتا “كونسولوم” (Consulum) و”هاريس إكس”  (HarrisX)، وشمل أكثر من 2000 مستثمر في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا والصين، أنَّ 82 في المئة منهم متفائلون بالمستقبل الاقتصادي للمنطقة.

لكن بينما يحظى نجاح الخليج في استقطاب رؤوس الأموال العالمية باهتمام واسع، يقلُّ التركيز أحيانًا على المؤسسات التي يجري بناؤها محليًا لتعبئة رأس المال وتوجيهه نحو الشركات والفرص الاستثمارية. وهذه البنية المالية ستكون عاملًا مهمًّا في تحديد حجم التحوُّل الاقتصادي الذي تستطيع المنطقة تمويله وفق أولوياتها ورؤيتها.

ولا يعني ذلك دعوة إلى الانغلاق. فقد كان انفتاح الخليج على رؤوس الأموال والشراكات العالمية ركيزة أساسية لنجاحه الاقتصادي، واستفادت عُمان كثيرًا من هذا الانفتاح. لكن الانفتاح لا يعني الاعتماد الكامل على الخارج؛ فالاقتصاد المفرط في اعتماده على التمويل الأجنبي يبقى عرضة لقرارات وتحوّلات تقع في أسواق بعيدة، فيما يؤدي الانكفاء على الداخل إلى الحد من الوصول إلى رأس المال والفرص العالمية.

القوة تكمن في الجمع بين الاثنين: اقتصادٌ مفتوح أمام رأس المال الدولي، وفي الوقت نفسه يستند إلى مؤسسات قادرة على حشد الاستثمار محليًا.

نعم، العالم يستثمر في مستقبل عُمان، لكن بُناة هذا المستقبل يعملون أيضًا على تشكيله من الداخل.

Exit mobile version