بعد ربع قرن من التأخير، دخلت أول محطة إيرانية للطاقة الحرارية الأرضية الخدمة وسط أزمة كهرباء مزمنة. لكن بين الوعود الجيولوجية وواقع الشبكة المتعثرة، تبدو قدرة المشروع أصغر بكثير من حجم المشكلة.
أومود شُكري*
في الداخل الإيراني، لا تحمل صورة الكهرباء كثيرًا من المؤشرات المطمئنة. فالنقص المزمن في الإمدادات دفع الحكومة منذ فترة طويلة إلى إدارة العجز عبر انقطاعات مبرمجة للتيار، سواء بالفصل الكامل أو بخفض الجهد. لكن الأزمة بلغت مستوى باتت معه حتى مواعيد الانقطاع أقل قابلية للتنبؤ، بما يعكس اتساع الفجوة بين الطلب على الكهرباء وقدرة المنظومة على توفيرها بصورة مستقرة.
وقد يكون من السهل على المسؤولين الإيرانيين ربط تفاقم الوضع بالحرب وتداعياتها، لكن جذور أزمة الطاقة أقدم بكثير. فهي نتاج تراكمات تمتد سنوات، تشمل قصور الاستثمار، وتقادم أجزاء من البنية التحتية، وصعوبة الحصول على بعض التقنيات والمعدات في ظل العقوبات. وفي مواجهة هذه الضغوط، دأبت السلطات على الإعلان عن مشاريع جديدة باعتبارها مؤشرات إلى إحراز تقدم في معالجة الاختلالات. وكان أحدث هذه الإعلانات تدشين مشروع طال انتظاره: أول محطة إيرانية للطاقة الحرارية الأرضية (geothermal energy).
“مشكين شهر”… رهانٌ حراري في قلب أزمة الكهرباء
في تموز (يوليو) 2026، وبعد نحو ربع قرن من التأخير، ربطت إيران محطة “مشكين شهر” للطاقة الحرارية الأرضية بالشبكة الوطنية. وتبلغ القدرة الحالية للمحطة 5.4 ميغاواط، فيما بلغت كلفة المشروع نحو 11.5 مليون دولار. وتقع المنشأة عند جبل سبلان في محافظة أردبيل شمال غربي البلاد، وهي منطقة استقطبت منذ عقود اهتمام الجيولوجيين بسبب مواردها الحرارية الجوفية.
وتراهن طهران على إمكان توسيع المشروع مستقبلًا. فالتقديرات الإيرانية تشير إلى أنَّ المكامن في المنطقة قد تتيح قدرة تصل إلى 250 ميغاواط، بينما يقول المسؤولون إنَّ الآبار الموجودة حاليًا يمكن أن تدعم توليد نحو 30 ميغاواط. وإذا تحققت هذه التقديرات، فسيكون المشروع قابلًا للتوسع إلى ما يتجاوز قدرته الحالية بأشواط.
لكن تاريخ “مشكين شهر” نفسه يكشف مقدار المسافة التي تفصل بين الإمكانات النظرية وتحويلها إلى كهرباء فعلية. فالاستكشافات المرتبطة بالطاقة الحرارية الأرضية في المنطقة بدأت منذ سبعينيات القرن الماضي، إلّا أنَّ المشروع واجه على مدى عقود عقبات تقنية وسياسية ومالية. ومن بين المشكلات التي عرقلت عمليات الحفر طبيعة الصخور البركانية الصلبة، التي تسببت في أعطال للمعدات، فضلًا عن القيود التي فرضتها العقوبات الدولية منذ الثورة الإسلامية عام 1979 على قدرة إيران على الوصول إلى التكنولوجيا والخبرات الأجنبية.
ومن هنا، يحمل تشغيل المحطة قيمة رمزية وتقنية بالنسبة إلى إيران، لكنه لا يغيّر وحده معادلة الكهرباء في البلاد. فقدرة تبلغ 5.4 ميغاواط تبقى محدودة للغاية أمام حجم الطلب على الشبكة الوطنية والعجز الذي تعانيه. ولذلك فإنَّ الأهمية الفعلية للمشروع تتوقف على ما إذا كان يمثّل بداية لتطوير قطاع جديد قابل للتوسع، أم سيظل إنجازًا منفردًا أكبر في دلالته السياسية من تأثيره في ميزان الطاقة.
وتؤكد الجهات الإيرانية وجود إمكانات للطاقة الحرارية الأرضية في مناطق متعددة، تمتد من سبلان وسهند في الشمال إلى مكران في الجنوب. غير أنَّ وجود موارد حرارية جوفية لا يعني بالضرورة إمكان تحويلها اقتصاديًا إلى كهرباء على نطاق واسع.
فهنا تظهر مشكلة جيولوجية أساسية: المكامن ذات درجات الحرارة المرتفعة والقابلة للاستغلال بكفاءة في توليد الكهرباء تبدو محدودة، فيما يقع جزء كبير من الموارد التي جرى تحديدها ضمن نطاقات حرارية متوسطة أو منخفضة المحتوى الحراري (enthalpy) هذه الموارد قد تكون مفيدة في تطبيقات حرارية مباشرة، لكنها أقل جدوى، وفق التقنيات التقليدية، عندما يتعلق الأمر بإنتاج الكهرباء.
وهكذا، تبدو محطة “مشكين شهر” في آنٍ واحد إنجازًا تأخّر طويلًا واختبارًا لحدود الرهان الإيراني على الطاقة الحرارية الأرضية. فهي تضيف مصدرًا جديدًا إلى مزيج الطاقة، لكنها تطرح أيضًا السؤال الأهم: هل تستطيع إيران تحويل ثروتها الحرارية الكامنة إلى قطاع كهربائي ذي وزن، أم أنَّ أزمة الكهرباء أكبر بكثير من أن تعالجها مشاريع محدودة القدرة مهما كانت رمزية؟
طاقة مستقرة… لكن هل تستطيع إنقاذ الشبكة؟
ومع ذلك، لا ينبغي التقليل من إحدى أهم مزايا الطاقة الحرارية الأرضية: الاستقرار. فعلى خلاف الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، اللتين يرتبط إنتاجهما بتوافر الشمس وحركة الرياح ما لم تتوافر تقنيات تخزين كافية، تستطيع المحطات الحرارية الأرضية المُدارة بكفاءة العمل بصورة شبه متواصلة، بمعدلات تشغيل قد تراوح بين 70 و90 في المئة من قدرتها الإنتاجية. وهذا يجعلها مصدرًا مناسبًا لتوفير “الحمل الأساسي”، ويساعد في الوقت نفسه على استقرار الشبكات التي ترتفع فيها حصة مصادر الطاقة المتجددة المتقطعة.
لكن هذه الميزة تأتي بكلفة مرتفعة ومخاطر لا يمكن تجاهلها. فالاستثمار في الطاقة الحرارية الأرضية يبدأ قبل معرفة ما إذا كان المشروع سيحقق العائد المتوقع أصلًا. وقد تستهلك عمليات الحفر مبالغ كبيرة، فيما يمكن لبئر غير ناجحة أو مكمن أقل إنتاجية من التقديرات أن يحوّل جزءًا مهمًا من رأس المال المستثمر إلى خسارة قبل توليد أول ميغاواط من الكهرباء.
وهنا تتمتع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بأفضلية واضحة. فمشاريعهما أسرع في التطوير، ولا تواجه الدرجة نفسها من عدم اليقين الجيولوجي، كما ازدادت قدرتهما التنافسية مع الانخفاض المستمر في أسعار المعدات. وبالنسبة إلى إيران، التي تعتمد بصورة كبيرة على الغاز الطبيعي لتلبية احتياجاتها من الطاقة، يمكن للمصدرين أن يضيفا قدرات إنتاجية مهمة، وإن ظلت طبيعتهما المتقطعة تستدعي مصادر مساندة أو حلولًا للتخزين.
لهذا تنظر طهران إلى الطاقة الحرارية الأرضية باعتبارها جزءًا من معالجة أزمة كهرباء أوسع، لا مجرد إضافة جديدة إلى قائمة مصادر الطاقة. فمحطات حرارية متقادمة لا تزال تعمل بكفاءة منخفضة، فيما يؤدي النقص الموسمي في الغاز الطبيعي إلى اللجوء أحيانًا إلى زيت الوقود، بما يفرض ضغوطًا إضافية على البنية التحتية ويرفع مستويات الانبعاثات. وفي أشهر الصيف، ومع بلوغ الاستهلاك ذروته، تجاوز العجز في إمدادات الكهرباء 10 جيغاواط في بعض الفترات.
وفي مثل هذه الظروف، يمكن للطاقة الحرارية الأرضية أن تؤدي دورًا مفيدًا من خلال توفير كهرباء مستقرة للحمل الأساسي، وخصوصًا في المناطق الجبلية في شمال غربي إيران. لكن الفارق بين هذا الدور وبين تقديم حل لأزمة الكهرباء الإيرانية يبقى كبيرًا.
وتوضّح التجربة التركية حدود هذا الرهان. فقد سمح الدعم السياسي والاستثماري لأنقرة برفع قدرات الطاقة الحرارية الأرضية إلى نحو 1.7-1.8 جيغاواط موزَّعة على قرابة 70 محطة. ومع ذلك، لا تزال مساهمة هذا القطاع في توليد الكهرباء في تركيا في حدود 3 في المئة فقط. وإذا كانت دولة نجحت في بناء قطاع حراري أرضي بهذا الحجم لا تحصل منه إلّا على نسبة محدودة من كهربائها، فإنَّ توقع مساهمة مماثلة سريعًا في إيران يبدو أكثر صعوبة.
وفوق ذلك، تواجه المشاريع الإيرانية عقبات مالية وتقنية وبيئية. فالحفر مرتفع الكلفة، وبعض المشاريع يحتاج إلى كميات كبيرة من المياه، فيما تثير المخاطر الزلزالية وانبعاثات كبريتيد الهيدروجين مخاوف بيئية واستثمارية. وتزداد هذه التحديات في الحالة الإيرانية مع ضعف الشفافية في الأطر التنظيمية وإجراءات الترخيص ونظم الإتاوات، وهي عوامل لا تساعد على جذب رأس المال الخاص إلى قطاعٍ ينطوي أصلًا على درجة مرتفعة من المخاطر.
لذلك، من المرجح أن يبقى إنتاج “مشكين شهر” محدودًا في المستقبل المنظور، وأن تظل مساهمة الطاقة الحرارية الأرضية في مزيج الكهرباء الإيراني أدنى بكثير حتى من نسبة الـ3 في المئة التي حققتها تركيا. ويمكن للمواقع الأفضل جودة أن توفر كهرباء محلية مستقرة، فضلًا عن استخدام الحرارة مباشرة في الصناعة والزراعة وتطبيقات أخرى، لكنها لن تكون بديلًا من الغاز والنفط في منظومة الطاقة الإيرانية.
وهنا تظهر المفارقة بين القيمة الحقيقية للمشروع وحجم التوقعات المعلقة عليه. فمحطة “مشكين شهر” ليست مشروعًا بلا جدوى، وقد تكون بداية مفيدة لتنويع مصادر الطاقة الإيرانية. لكنها، حتى في أكثر السيناريوهات تفاؤلًا، أصغر بكثير من حجم الأزمة التي يفترض أن تساعد في علاجها.
وبالنسبة إلى الإيرانيين الذين يعيشون مع انقطاعات الكهرباء واضطراب الإمدادات، تبقى المسألة أكثر بساطة: الطاقة الحرارية الأرضية قد تضيف قدرًا من الاستقرار إلى الشبكة، لكنها لن توقف بمفردها دوامة التراجع التي تعانيها منظومة الكهرباء.
- أومود شُكري هو خبير استراتيجي في مجال الطاقة ومستشار للسياسة الخارجية مقيم في واشنطن، ويتمتع بخبرة تزيد عن عقدين في مجالات أمن الطاقة، وسياسات المناخ، وتحولات الطاقة العالمية.
