لبنان بين “التفاوض بالنار” و”التفاوُض للتفاوُض”

الدكتور ناصيف حتّي*

بعد سبع جولات من المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية، استضافت روما آخرها برعاية الولايات المتحدة الأميركية، لا يزال موعد الجولة الثامنة غير معلن، وإن كانت التقديرات تشير إلى إمكان انعقادها مطلع الشهر المقبل. وهذا التباطؤ يعكس حجم التحديات والعوائق الفعلية التي تواجه المسار التفاوضي، وفي مقدمها الشروط والأولويات التي تضعها إسرائيل على الطاولة.

فإسرائيل لا تفاوض بالديبلوماسية وحدها، بل تواصل بالتوازي ما يمكن وصفه بـ”التفاوض بالنار” على الأرض، بهدف خلق وقائع جديدة يمكن توظيفها لاحقًا لفرض شروطها وأولوياتها في “التفاوض حول الطاولة”.

ويظهر ذلك بوضوح في استمرار التصعيد العسكري الإسرائيلي واتساع نطاقه الجغرافي، وصولًا إلى البقاع الغربي، فضلًا عن ارتفاع وتيرة العمليات وكثافتها النارية. فالتصعيد لم يتوقف مع انطلاق المفاوضات، بل أصبح مواكبًا لها. ولا يعني ذلك أنَّ إسرائيل قادرة، في نهاية المطاف، على فرض كامل أولوياتها أو مقاربتها للمسار التفاوضي، لكنها باستمرار عملياتها العسكرية تُهدّد هذا المسار بصورة جدية وخطيرة.

ولا بدَّ هنا من التذكير بأنَّ التفاوض ليس غاية في ذاته، بل وسيلة ديبلوماسية وواقعية، على الرُغم مما يحيط بها من تحديات وصعوبات، للوصول إلى وقف العدوان، وتحرير الأرض اللبنانية بصورة كاملة، وإنهاء الحرب.

غير أنَّ الاستراتيجية الإسرائيلية، كما تظهر ميدانيًا، لا تقتصر على الضغط العسكري المباشر. فهي تقوم أيضًا على تجريف الأراضي، وإشعال النيران في الغابات والأراضي الزراعية، والتدمير الممنهج للقرى والمناطق السكنية، بما يجعل عودة الحياة إليها أكثر صعوبة حتى لو توقفت العمليات العسكرية غدًا.

ويتصل بذلك سعي إسرائيل إلى تعزيز ما تُسمّيه “الحزام الأمني” أو “المنطقة الآمنة” داخل الأراضي اللبنانية الواقعة تحت سيطرتها، ضمن إطار زمني مفتوح تقرره، وفق ما يردده مسؤولوها، من دون موعد واضح للانسحاب. وهنا تكمن خطورة تحوُّل الوقائع التي تُفرَض بالقوة إلى أمر واقع طويل الأمد يصعب التراجع عنه.

وفي موازاة “التفاوض بالنار”، تبدو استراتيجية إسرائيل على “الطاولة الديبلوماسية” أقرب إلى تقطيع الوقت وفق منطق “التفاوض من أجل التفاوض”. فهي تُبدي استعدادًا لتناول بعض العناوين، لكنها تبقى بعيدة من الدخول في مضامين ملفّات أساسية، وفي مقدمها مسألة الحدود.

وهنا يتمسك لبنان بموقف واضح: المطلوب تثبيت الحدود لا ترسيمها، لأنَّ الحدود الجنوبية للبنان معترف بها دوليًا، وهي الحدود اللبنانية-الفلسطينية التي رُسمت عام 1923. ومن هنا، فإنَّ إطالة المفاوضات من دون الانتقال من العناوين إلى المضامين تجعل “التفاوض للتفاوض” سمة ناظمة للمقاربة الإسرائيلية الحالية.

ويزيد من تعقيد المشهد التصعيد السياسي الداخلي في إسرائيل مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية في نهاية تشرين الأول (أكتوبر) المقبل. فبنيامين نتنياهو وحلفاؤه وخصومه يخوضون جميعًا معاركهم السياسية والانتخابية على ثلاثة “مسارح”: غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان. ومن الصعب، في ظل ذلك، فصل الحسابات العسكرية والتفاوضية عن حسابات الداخل الإسرائيلي.

وفي هذا السياق، لا بد من التذكير بالمقاربة التي طرحها الرئيس جوزيف عون لمسألة سلاح “حزب الله” خلال كلمته في عشاء السفارة اللبنانية في واشنطن في 22 تموز (يوليو). وهي مقاربة تقوم على الواقعية والتدرّج والشمولية، وتأخذ في الاعتبار تجارب مشابهة للحالة اللبنانية، من بينها تجربة الجيش الجمهوري الإيرلندي والقوات المسلحة الثورية في كولومبيا.

وتشكّل هذه المقاربة خريطة طريق لتنفيذ قرار حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية، وكذلك حصرية قرار الحرب والسلم. والتدرُّج هنا لا يجعل الهدف أقل إلحاحًا، بل يجعل الأسلوب المؤدي إليه أكثر أهمية، بما يساعد على عودة الدولة إلى دورها الطبيعي والكامل في كل ما يتعلق بالأمن الوطني وعلى كامل الأراضي اللبنانية.

ومن هنا، فإنَّ المطلوب اليوم، لإنقاذ المفاوضات من التباطؤ أو التعثر أو احتمال الفشل، وفق توصيف كل طرف لمسارها، هو توفير دعم فعلي من الأطراف الدولية والإقليمية المؤثرة، وفي طليعتها الولايات المتحدة بوصفها الراعي والمهندس الأساسي لهذه المفاوضات.

وهذا الدعم لا ينبغي أن يقتصر على إدارة الجولات أو المساعي الديبلوماسية، بل أن يتحوّل إلى دفع فعلي نحو تحقيق المطالب اللبنانية الأساسية، وفي مقدمها تثبيت وقف إطلاق النار. فلا يمكن بناء مسار تفاوضي فاعل فيما يستمر “التفاوض تحت النار”، بالتوازي مع عمليات التدمير والتجريف الممنهج التي تهدد بتغيير الواقع كليًا في الجنوب في اليوم التالي لانتهاء الحرب، متى انتهت.

ولا يقل أهمية وضع جدول زمني واضح للانسحاب الإسرائيلي الكامل، وانتشار الجيش اللبناني وبسط سيطرته على المنطقة الممتدة من جنوب الليطاني إلى الحدود الدولية للبنان، مع تثبيت هذه الحدود، كما سبقت الإشارة، وتفعيل اتفاقية الهدنة وتطويرها إذا اقتضى الأمر.

إنَّ استقرار لبنان، عبر إنهاء الاحتلال الإسرائيلي على “الجبهة الجنوبية” وبسط سيطرة الدولة على كامل أراضيها، شرط أساسي لإطلاق مسار “العودة إلى الدولة”. وهذه العودة هي بدورها شرط ضروري للإنماء الوطني الشامل، بأبعاده المتعددة والمترابطة، كما إنها ضرورة تتجاوز المصلحة اللبنانية المباشرة إلى الإسهام في استقرار إقليم شرق أوسطي يعيش تحولات ونزاعات وحروبًا متعددة، تؤثر بعضها في بعض بأشكال ودرجات مختلفة.

وهكذا، لا تنفصل معركة إنهاء الاحتلال عن مسار استعادة الدولة. فنجاح المفاوضات ينبغي أن يُقاس، في نهاية المطاف، بقدرتها على تحقيق الغاية الأساسية: إنهاء الاحتلال، وتحرير الأرض، وعودة الدولة اللبنانية إلى ممارسة سيادتها الكاملة عليها.

Exit mobile version