يقف الأردن اليوم أمام مرحلةٍ مفصليّة تتجاوز إدارة تداعيات الأزمات الإقليمية إلى إعادة تعريف موقعه في شرق أوسط يتغيّر بسرعة. فهل تنجح المملكة الهاشمية في تحويل استقرارها وموقعها الجغرافي إلى مصدر قوة ونفوذ، أم تظلُّ رهينة الضغوط التي فرضتها عليها الجغرافيا لعقود؟
ليلى الشامي*
لم يعد الأردن اليوم مجرّد دولة تسعى إلى احتواء تداعيات الأزمات التي تعصف بجواره، بل أصبح أحد أكثر بلدان المنطقة تأثرًا بالتحوُّلات التي تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط. فمن الحرب في غزة، إلى التغيير السياسي في سوريا، مرورًا بتصاعد المواجهة بين إسرائيل وإيران، يجد الأردن نفسه في قلب بيئة إقليمية جديدة تفرض عليه إعادة تقييم أولوياته الأمنية والاقتصادية والسياسية، وتدفعه إلى البحث عن دور يتجاوز إدارة الأزمات نحو المساهمة في تشكيل توازنات المرحلة المقبلة.
ولم تكن هذه المرة الأولى التي يجد فيها الأردن نفسه في قلب تحوّلاتٍ إقليمية كبرى. فمنذ تأسيس المملكة، تعاملت الدولة مع تداعيات حرب 1948، وأحداث أيلول الأسود عام 1970، والحرب العراقية–الإيرانية، وحرب الخليج، واحتلال العراق عام 2003، ثم الحرب السورية، قبل أن تدخل المنطقة اليوم مرحلة جديدة تُعيدُ رَسمَ موازين القوى. وخلال هذه المحطات، اعتمد الأردن على مزيجٍ من المرونة السياسية، والتحالفات الإقليمية، والاستقرار المؤسّسي للحفاظ على تماسكه، رُغمَ محدودية موارده وتعقيدات موقعه الجغرافي.
وتنبع أهمية هذه المرحلة من أنَّ المملكة لا تواجه تحدّيات خارجية فحسب، بل تقف أيضًا أمام استحقاقات داخلية متراكمة تشمل تباطؤ النمو الاقتصادي، وارتفاع البطالة، وضغوط الموارد الطبيعية، واستمرار أعباء اللجوء، بالتوازي مع مشروع للتحديث السياسي والمؤسسي يسعى إلى تطوير نموذج الحكم وتعزيز المشاركة العامة. وهكذا، تتقاطع الجغرافيا السياسية مع مُتطلّبات الإصلاح الداخلي في لحظةٍ تبدو من أكثر اللحظات حساسية منذ عقود.
لكن موقع الأردن الجغرافي، الذي كان يُنظَرُ إليه طويلًا باعتباره مصدرًا للتحديات، قد يتحوّل في ظلَّ التحوُّلات الإقليمية الراهنة إلى أحد أهم عناصر قوته. فالمملكة تقع عند نقطة التقاء الخليج وسوريا والعراق، وتمتلك علاقات متوازنة مع القوى العربية والدولية، وتتمتع باستقرار مؤسّسي جعلها شريكًا موثوقًا في ملفات الأمن، والطاقة، والنقل، ومكافحة الإرهاب. ومن هنا، يبرز السؤال الأهم: هل يستطيع الأردن تحويل موقعه من دولة تُديرُ تداعيات الأزمات إلى دولةٍ تؤدّي دورًا محوريًا في شرق أوسط يعاد تشكيله؟
الأردن في قلب الشرق الأوسط الجديد
على امتداد عقود، ارتبطت أهمية الأردن بموقعه الجغرافي بوصفه دولة عازلة تفصل بين بؤر التوتر في المشرق العربي. غير أنَّ التحوّلات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة بدأت تُعيدُ تعريف هذا الدور بصورة أعمق. فالحرب في غزة، والتغيير السياسي في سوريا، والتنافس المتصاعد بين إيران وإسرائيل، إلى جانب تنامي مشاريع الربط الاقتصادي بين الخليج والمشرق العربي، جعلت المملكة الهاشمية تقع في قلب شبكة جديدة من المصالح الأمنية والاقتصادية، بدل أن تكون مجرّد خط دفاع أمام تداعيات الأزمات.
ويكتسب هذا التحوُّل أهمية خاصة في ظل الحديث المتزايد عن إعادة بناء البنية التحتية الإقليمية، سواء من خلال مشاريع النقل والسكك الحديدية، أو الربط الكهربائي، أو شبكات الطاقة والتجارة التي تهدف إلى تعزيز التكامل الاقتصادي العربي. وفي جميع هذه المشاريع، يحتل الأردن موقعًا جغرافيًا يصعب تجاوزه، إذ يشكّل نقطة التقاء طبيعية بين دول الخليج والمشرق العربي، كما يوفر منفذًا لوجستيًا يمكن أن يربط الأسواق العربية بموانئ البحر الأبيض المتوسط. ويظهر ذلك في مشاريع الربط الكهربائي مع العراق، وخطط تطوير الممرات البرية التي تربط الخليج بالمشرق العربي، إضافة إلى الحديث المتزايد عن دور الأردن في أيِّ منظومة نقل إقليمية تربط موانئ الخليج بشرق البحر المتوسط.
وتزداد أهمية هذا الموقع مع بدء مرحلة جديدة في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، إذ يمكن للأردن أن يؤدي دورًا محوريًا في إعادة تنشيط حركة التجارة البرية، وتأمين خطوط الإمداد، والمساهمة في جهود إعادة الإعمار عندما تتوافر الظروف السياسية والأمنية المناسبة. كما إنَّ استقرار المملكة ومؤسساتها يجعلها مرشَّحَّة لتكون منصّة إقليمية للشركات والاستثمارات التي تتطلع إلى المشاركة في إعادة بناء الاقتصاد السوري وربط أسواق المشرق العربي من جديد.
غير أنَّ الاستفادة من هذه الفرص لا تعتمد على الموقع الجغرافي وحده، بل على قدرة الأردن على تعزيز تنافسيته الاقتصادية. فالدولة التي نجحت في بناء مؤسسات مستقرة وقطاع مصرفي متماسك، مُطالَبة اليوم بتطوير بُنيتها اللوجستية، وتحسين بيئة الاستثمار، وتوسيع مساهمة القطاع الخاص، بما يسمح بتحويل موقعها إلى مصدرٍ للنمو الاقتصادي، لا مجرّد عاملٍ يمنحها أهمية سياسية.
ومن هنا، يصبح الاقتصاد جُزءًا لا يتجزّأ من الأمن الوطني. فكلما ازدادت قدرة الأردن على جذب الاستثمارات، وتطوير قطاعات النقل والطاقة والخدمات، وتعزيز اندماجه في المشاريع الإقليمية، ارتفعت قدرته على مواجهة الضغوط السياسية والأمنية المحيطة به. والعكس صحيح؛ إذ إنَّ استمرارَ الاختلالات الاقتصادية سيحدُّ من قدرة المملكة على استثمار التحوّلات الإقليمية، مهما بلغت أهمية موقعها الجغرافي.
ولهذا، لا يمكن فصل النقاش حول الدور الإقليمي للأردن عن التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهه في الداخل، إذ إنَّ نجاحَ المملكة في أداء دورها الجديد سيظل مرهونًا بقدرتها على بناء اقتصاد أكثر إنتاجية، وتوفير فرص عمل تستجيب لتطلُّعات مجتمع شاب يشكل المورد الحقيقي لأيِّ مشروعٍ تنموي أو استراتيجي في المستقبل.
الاقتصاد والمجتمع… هل يواكب الداخل التحوّلات الإقليمية؟
إذا كان الموقع الجغرافي يمنح الأردن فرصة لتعزيز دوره الإقليمي، فإنَّ نجاحه في استثمار هذه الفرصة سيظل مرهونًا بقدرة الاقتصاد الوطني على مواكبة التحوُّلات الجارية. فالدول لا تبني مكانتها الاستراتيجية على الجغرافيا وحدها، بل على قوة اقتصاداتها، وكفاءة مؤسساتها، وقدرتها على تحويل موقعها إلى مصدر للنمو والاستثمار.
ومن هذه الزاوية، يواجه الأردن تحدّيات هيكلية تراكمت على مدى سنوات، أبرزها تباطؤ النمو الاقتصادي، وارتفاع معدّلات البطالة، واتساع الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل. ورغم حفاظ الاقتصاد على معدلات نمو إيجابية، فإنها بقيت دون المستوى اللازم لاستيعاب عشرات الآلاف من الشباب الذين يدخلون سوق العمل سنويًا. كما لا تزال البطالة، ولا سيما بين الشباب والنساء، تمثل أحد أكبر التحديات الاقتصادية والاجتماعية، بما تحمله من انعكاسات على مستويات الدخل والاستقرار الاجتماعي.
والسؤال الذي يفرض نفسه هو ما إذا كان الاقتصاد الأردني قادرًا على الانتقال من نموذج يعتمد بدرجة كبيرة على المساعدات والخدمات إلى نموذج يقوده الاستثمار والإنتاج والابتكار، بما يتيح للمملكة الاستفادة من موقعها الجغرافي بدل الاكتفاء بإدارة كلفة هذا الموقع.
ويُضافُ إلى ذلك أنَّ الأردن يواصل تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، يهدف إلى تعزيز الاستقرار المالي، وخفض الدين العام، وتحسين بيئة الاستثمار. غير أنَّ هذه الإصلاحات تضع الحكومات المتعاقبة أمام معادلة دقيقة؛ فمن جهة، تفرض الحاجة إلى ضبط المالية العامة اتخاذ إجراءات قد تكون غير شعبية، ومن جهة أخرى، يتطلّب الحفاظ على التماسك الاجتماعي حماية الفئات الأكثر تأثرًا بارتفاع كلفة المعيشة، وتوفير فرص عمل حقيقية بدل الاعتماد على التوظيف الحكومي الذي لم يعد قادرًا على استيعاب الطلب المتزايد.
ولا تقتصر الضغوط على المؤشرات الاقتصادية، بل تمتد إلى الموارد الطبيعية والبنية التحتية. فالأردن من أكثر دول العالم شحًا في المياه، في وقت تتزايد فيه الضغوط السكانية نتيجة النمو الطبيعي واستضافة أعداد كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين والسوريين، الأمر الذي يفرض أعباءً متواصلة على قطاعات التعليم والصحة والإسكان والخدمات العامة. وقد نجحت الدولة خلال السنوات الماضية في إدارة هذه الضغوط بكفاءة نسبية، إلّا أنَّ استمرارها يتطلّب استثمارات كبيرة في البنية التحتية، وإدارة أكثر كفاءة للموارد المحدودة.
وفي المقابل، يمتلك الأردن عناصر قوة يمكن البناء عليها. فقد أسهم الاستقرار المؤسسي، وتطوُّر القطاع المصرفي، وارتفاع مستويات التعليم، في الحفاظ على بيئة اقتصادية أكثر استقرارًا مقارنة بعدد من دول الجوار. كما يشكّلُ الاقتصاد الرقمي، والخدمات اللوجستية، والطاقة المتجددة، والسياحة العلاجية، قطاعات واعدة يمكن أن تفتح آفاقًا جديدة للنمو إذا ما اقترنت بإصلاحات تشريعية وإدارية تُعزّز ثقة المستثمرين وترفع تنافسية الاقتصاد.
ومن هنا، تبدو القضية الأساسية أبعد من تحقيق نمو اقتصادي أعلى فحسب؛ فهي تتعلق ببناء نموذج تنموي قادر على تحويل الموقع الجغرافي للأردن إلى قيمة مضافة حقيقية. فكلما نجحت المملكة في تطوير اقتصاد أكثر إنتاجية وابتكارًا، ازدادت قدرتها على أداء دورها الإقليمي الجديد، وأصبح الاستقرار السياسي الذي تميّزت به طوال العقود الماضية عنصرًا جاذبًا للاستثمار، لا مجرد وسيلة لاحتواء الأزمات.
كيف يدير الأردن شبكة علاقاته في شرق أوسط مُتغيِّر؟
تكمن إحدى أبرز نقاط القوة في السياسة الخارجية الأردنية في قدرتها على الحفاظ على شبكة واسعة من العلاقات المتوازنة، رُغمَ التحوُّلات الحادة التي شهدتها المنطقة خلال العقدين الماضيين. فقد نجحت عَمَّان في تجنُّب الانخراط في سياسة المحاور، مع الاحتفاظ بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة ودول الخليج، وفي الوقت نفسه المحافظة على قنوات تواصل مع مختلف الأطراف الإقليمية، وهو ما منحها هامشًا من المرونة في التعامل مع الأزمات المتلاحقة.
وتظلُّ الولايات المتحدة الشريك الأمني والدفاعي الأهم للمملكة، سواء من خلال التعاون العسكري والاستخباراتي أو عبر برامج الدعم الاقتصادي والتنمية. وقد أسهم هذا التعاون في تعزيز قدرات القوات المسلحة الأردنية وأجهزة الأمن، وجعل الأردن أحد أبرز شركاء واشنطن في مكافحة الإرهاب وحماية الاستقرار الإقليمي. غير أنَّ التجارب الأخيرة أظهرت أيضًا أهمية تنويع الشراكات الاقتصادية، بحيث لا يبقى النمو الاقتصادي مرهونًا بالمساعدات الخارجية وحدها، بل يقوم بصورةٍ مُتزايدة على الاستثمار والإنتاج والتكامل الإقليمي.
وفي الوقت نفسه، تمثّلُ العلاقات مع دول مجلس التعاون الخليجي أحد الأعمدة الرئيسة للسياسة الأردنية. فهذه العلاقة لم تَعُد تقتصر على الدعم المالي التقليدي، بل اتجهت تدريجيًا نحو شراكات طويلة الأجل في مجالات الاستثمار، والطاقة، والنقل، والأمن الغذائي، والتعاون العسكري. كما يظلُّ الأردن مصدرًا مهمًّا للكوادر البشرية المؤهّلة، وشريكًا أمنيًا يحظى بثقة دول الخليج، في ظل خبرته الطويلة في مجالات التدريب العسكري، ومكافحة الإرهاب، والعمل الاستخباراتي.
ولا تقتصر أهمية هذه الشراكة على بُعدِها الأمني، بل تتزايد أيضًا في ضوء المشاريع الاقتصادية الإقليمية التي يجري العمل عليها. فالأردن مُرشَّح للاضطلاع بدورٍ مهم في ربط اقتصادات الخليج بالمشرق العربي، سواء عبر مشاريع النقل البري والسكك الحديدية، أو شبكات الربط الكهربائي والطاقة، أو سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية. كما إنَّ استقرار المملكة وموقعها الجغرافي يجعلانها بيئة جاذبة للاستثمارات الخليجية، ليس فقط في قطاعات العقارات والسياحة، بل أيضًا في الصناعات والخدمات والبنية التحتية، بما يعزّز المصالح المشتركة بين الجانبين على المدى الطويل.
أما العلاقة مع إسرائيل، فتبقى الأكثر تعقيدًا وحساسية. فمنذ توقيع معاهدة وادي عربة عام 1994، حافظ البلدان على إطارٍ رسمي للتعاون في ملفات المياه والطاقة والأمن، إلّا أنَّ الحرب في غزة، وتصاعد التوتر في الضفة الغربية، والإجراءات الإسرائيلية في القدس، وضعت هذه العلاقة أمام اختبار غير مسبوق. ويتمسّك الأردن بموقفٍ واضح يقوم على رفض أي محاولات لتهجير الفلسطينيين أو تقويض حل الدولتين، انطلاقًا من اعتبارات تتعلق بأمنه الوطني، وبالوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، التي تشكل أحد أهم مرتكزات دوره الإقليمي وشرعيته التاريخية. وفي هذا السياق، لا تنظر عمّان إلى القضية الفلسطينية بوصفها ملفًا خارجيًا فحسب، بل باعتبارها قضية ترتبط مباشرة باستقرار المملكة ومستقبلها السياسي.
وفي الشمال، تفتح التحوّلات التي تشهدها سوريا آفاقًا جديدة، لكنها في الوقت نفسه تفرض تحديات إضافية. فاستعادة الحركة التجارية البرية، والمشاركة في مشاريع إعادة الإعمار، وتعزيز الربط الاقتصادي بين الخليج وسوريا ولبنان، تمثل فرصًا واعدة للأردن. غير أنَّ استمرار المخاطر الأمنية، وشبكات تهريب المخدرات والسلاح، يفرضان على المملكة مواصلة الاستثمار في أمن الحدود، والتنسيق مع السلطات السورية الجديدة، لضمان أن تتحوّل الحدود الشمالية من مصدر تهديد إلى بوابة للتعاون الاقتصادي.
وفي ضوءِ هذه المعطيات، يبدو أنَّ الأردن لم يعد يؤدّي دور “الدولة العازلة” بالمعنى التقليدي، بل يتجه تدريجيًا إلى ترسيخ موقعه بوصفه دولة ربط إقليمي. فالجغرافيا التي كانت لعقود مصدرًا للضغوط، يمكن أن تتحوّلَ إلى مصدرٍ للنفوذ إذا نجحت المملكة في استثمار موقعها ضمن مشاريع النقل والطاقة والربط التجاري التي يجري العمل عليها في المشرق العربي. وسيعتمد نجاح هذا التحوُّل على قدرة الأردن على الجمع بين استقراره الداخلي، وشبكة تحالفاته الإقليمية، ورؤية اقتصادية تجعل من موقعه الجغرافي رافعة للتنمية، لا مجرّد عاملٍ يُفرَضُ عليه تحمُّل أعباء الصراعات.
الاستقرار لم يعد كافيًا… وحان وقت بناء الدور
تكشف التحوّلات التي تشهدها المنطقة أنَّ الأردن يقف أمام لحظة استراتيجية تختلف عن معظم المراحل التي مرَّ بها منذ تأسيس الدولة. فالمملكة التي اعتادت إدارة تداعيات الأزمات الإقليمية تجد نفسها اليوم أمام فرصة لإعادة تعريف موقعها في ظلِّ نظامٍ إقليمي جديد يتبلور سياسيًا واقتصاديًا. ولم يعد نجاحها يقاس فقط بقدرتها على تجنب الاضطرابات التي تعصف بجوارها، بل أيضًا بقدرتها على استثمار موقعها الجغرافي، وتعزيز تنافسية اقتصادها، وترسيخ مكانتها بوصفها شريكًا موثوقًا في الأمن والاستثمار والربط الإقليمي.
غير أنَّ تحقيق هذا الهدف يتطلب أكثر من المحافظة على معادلة الاستقرار التي نجحت طوال العقود الماضية. فالمتغيّرات الجديدة تفرض تطوير نموذج اقتصادي أكثر إنتاجية، وتسريع وتيرة الإصلاح المؤسسي، وتوسيع المشاركة السياسية، بما يسمح بتحويل الاستقرار من غايةٍ بحدِّ ذاته إلى قاعدة للانطلاق نحو مرحلة جديدة من التنمية والنمو.
وفي الوقت نفسه، تمنح البيئة الإقليمية المتغيّرة الأردن فرصةً لتعزيز دوره بوصفه حلقة وصل بين الخليج وسوريا ولبنان والعراق، ومنصّة لمشاريع النقل والطاقة والاستثمار، وربما شريكًا رئيسيًا في جهود إعادة إعمار سوريا عندما تتوافر الظروف المناسبة. وإذا نجحت المملكة في الجمع بين الإصلاح الداخلي، واستثمار موقعها الجغرافي، والحفاظ على شبكة تحالفاتها الإقليمية والدولية، فإنها لن تكون مجرد دولة نجحت في تجاوز الأزمات، بل دولة استطاعت تحويل الجغرافيا من عبءٍ استراتيجي إلى مصدرِ نفوذٍ وفُرَص.
ولعلَّ هذا هو التحدّي الحقيقي الذي يواجه الأردن في السنوات المقبلة: الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة الفُرَص، ومن الحفاظ على الاستقرار إلى توظيفه لبناءِ دورٍ إقليمي أكثر تأثيرًا في شرق أوسط لا يزال يُعيدُ رَسمَ ملامحه.
- ليلى الشامي هي صحافية لبنانية ومراسلة “أسواق العرب” في عَمّان.
