الدكتور ناصيف حتي*
يبدو أنَّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتجه نحو تصعيدٍ متزامن في ساحات المواجهة الثلاث: لبنان، والضفة الغربية، وقطاع غزة. ورُغمَ اختلاف المسارات العسكرية والسياسية لكلِّ جبهة، سواء من حيث الأهداف المعلنة أو تلك التي لا تعلنها الحكومة الإسرائيلية صراحة، فإنها تلتقي جميعها عند رؤيةٍ سياسية واحدة لا تخفى على مَن يُتابع طبيعة الخطاب الإسرائيلي والرسائل التي يحملها.
ولا يبدو هذا التصعيد منفصلًا عن الحسابات الداخلية الإسرائيلية، بل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بما يمكن وصفه بـ”المعركة الانتخابية” التي يخوضها نتنياهو، في انتظار موعد الانتخابات المقرر نهاية تشرين الأول (أكتوبر) المقبل. فكلّما اقترب خطابه من تبنّي مواقف اليمين الأكثر تشدُّدًا، دينيًا وسياسيًا، والمعبّر عن القوى المهيمنة داخل الائتلاف اليميني بمختلف مكوّناته التنظيمية والعقائدية، ازدادت حظوظه في استعادة رئاسة الحكومة على رأس حزب الليكود.
ويستند هذا الخطاب إلى منطقٍ يقوم على إنكار الآخر، ليس فقط باعتباره خصمًا سياسيًا، بل أيضًا من خلال نفي هويته الوطنية وحقوقه المشروعة التي تستند إلى التاريخ والقانون الدولي والقرارات الدولية ذات الصلة. وهو خطابٌ تحكمه أصولية دينية تقترن بحسابات استراتيجية، ضمن شبكة تحالفات إسرائيلية داخلية متحرّكة تخضع للاعتبارات السياسية التقليدية ولموازين القوى بين مكوّنات اليمين في كلِّ مرحلة. ويزداد هذا التوجُّه رسوخًا في ظلِّ غياب أيِّ رادعٍ دولي فاعل وذي مصداقية قادر على كبح السياسات الإسرائيلية أو الحدِّ من اندفاعها.
في قطاع غزة، يتواصل التوسُّع التدريجي لما يمكن وصفه بـ”الخط الأصفر”، حيث تضيق المساحة الجغرافية باستمرار، فيما يزداد الثقل الديموغرافي، بما يخلق واقعًا شديد الضغط على الأرض، قابلًا للانفجار في أيِّ لحظة، ويدفع مع مرور الوقت نحو مزيد من النزوح القسري للسكان.
والمشهد نفسه يتكرر، وإن بأدوات مختلفة، في الضفة الغربية، حيث تتسارع عملية تهويد الجغرافيا والديموغرافيا عبر التوسع الاستيطاني، بما يفرض وقائع جديدة على الأرض ويُنتج بيئة تزداد طردًا للسكان الفلسطينيين مع مرور الوقت. وإذا استمرّت هذه السياسات، فإنَّ تداعياتها لن تقتصر على الداخل الفلسطيني، بل ستمتد إلى دول الجوار القريب، وربما إلى الإقليم بأسره.
أما في لبنان، الذي كان على الدوام ساحة لصراعات الآخرين وحروبهم، مهما اختلفت عناوينها، فلا يمكن تجاهل مسؤولية اللبنانيين أنفسهم، بدرجات متفاوتة، عن الإسهام في تكريس هذا الواقع. غير أنَّ ذلك لا يغيّر حقيقة أساسية مفادها أن إسرائيل كانت، وما زالت، دولة عدوة ومصدر تهديد دائم للبنان.
وفي المقابل، لا يمكن أيضًا إغفال الدور الذي لعبته أطراف عديدة، في مراحل مختلفة، وتحت عناوين وأهداف متعددة، في إشعال “الجبهة اللبنانية” أو إبقائها ساحة مفتوحة للتوتر. فقد تداخلت استراتيجيات قوى إقليمية ودولية، حاملة لمشاريع سياسية أو عقائدية استقطبت مكوّنات لبنانية مختلفة، لتجعل من لبنان، على مدى عقود، صندوق بريد لتبادل الرسائل السياسية وساحة لتصفية حسابات النفوذ في المنطقة.
وساهم ضعف الدولة، أو شللها، أو غيابها عن الاضطلاع بمسؤوليتها الأساسية في إدارة الأمن الوطني، وفي مقدمها احتكار قرار الحرب والسلم، في تكريس هذا الدور. وهكذا تحوّل لبنان، لسنوات طويلة، إلى ساحة تُدار فيها صراعات النفوذ الإقليمية أكثر مما تُدار فيها مصالحه الوطنية. وكما يتكرر دائمًا، فإنَّ اللاعبين قد يتبدّلون، لكن قواعد اللعبة تبقى هي نفسها.
في المقابل، تواصل إسرائيل رفضها الالتزام بقرار وقف إطلاق النار منذ التوصل إلى الاتفاق في تشرين الثاني (نوفمبر) 2024، فيما تؤكد الوقائع الميدانية اليومية أنَّ الموقف الإسرائيلي لم يتغير، وأنَّ الانتهاكات لا تزال مستمرة رغم الاتفاق.
ويأتي ذلك على الرغم من التوصل إلى “اتفاق الإطار” الذي اضطلعت واشنطن بالدور الرئيس في بلورته، قبل أن تتولى رعاية المفاوضات المباشرة التي انطلقت في العاصمة الأميركية ثم انتقلت لاحقًا إلى روما. غير أنَّ هذا المسار التفاوضي لم ينجح حتى الآن في ترجمة التفاهمات السياسية إلى وقائع ميدانية ملزمة.
وأيًا تكن المواقف المتباينة من خيار المفاوضات المباشرة، أو من كيفية إدارتها والسعي إلى تحسين شروطها، فإنَّ الأولوية تبقى في حسن توظيف الأوراق المتاحة لتعزيز الموقف اللبناني، بما يخدم هدفًا يتجاوز تفاصيل التفاوض نفسها.
ويتمثل هذا الهدف في إعادة الاعتبار إلى الدولة اللبنانية واستعادة دورها الكامل في تحمُّل مسؤولياتها الوطنية، ولا سيما في ما يتعلق بالأمن الوطني وقرار الحرب والسلم، بما يضع حدًا لمنطق التسويات أو التفاهمات المؤقتة التي حكمت هذا الملف على مدى سنوات.
فالتفاهمات التي تفضي إلى وقف إطلاق النار، أو إلى هُدَنٍ مؤقتة، أو إلى خفض مستوى المواجهة العسكرية أو تجميدها، تبقى بطبيعتها ترتيبات مرحلية تنتهي بانتهاء الغاية التي تخدمها بالنسبة إلى أيٍّ من الأطراف المتواجهة والممسكة بالوقائع الميدانية. ولعلَّ التجربة اللبنانية تقدم أمثلة واضحة على ذلك، بدءًا من تفاهم نيسان (أبريل) 1996 قبل التحرير، مرورًا بالتفاهمات غير المكتوبة التي أعقبت حرب تموز (يوليو) 2006، وصولًا إلى سقوطها مع اندلاع حرب إسناد غزة.
ومن هنا، فإنَّ الانتقال من منطق التسويات المؤقتة، مهما طال عمرها، إلى مسار أكثر استقرارًا، يبدأ أولًا بمنح المفاوضات الحد الأدنى من المصداقية منذ انطلاقها، لأنَّ أيَّ عملية تفاوضية يصعب أن تحقّق أهدافها إذا بقيت الوقائع على الأرض تناقض الأسس التي قامت عليها.
يكون ذلك عبر احترام إسرائيل كليًا لوقف إطلاق النار والتوقف منذ اليوم الأول كما نشهد عن إغراق مسار المناطق التجريبية او النموذجية في “الرمال المتحركة” للشروط والتعقيدات المتزايدة لما يفترض ان يكون انسحابًا تدريجيًا مقابل انتشار تدريجي للجيش اللبناني .
لعبة الوقت والعمل على خلق واقع جديد على الأرض ورفع سقف الشروط التعجيزية التي تكررها إسرائيل كلامًا وفعلًا لن تساعد على انطلاقة فعلية وفعاّلة للمفاوضات .
وانطلاقًا من ذلك، تقع المسؤولية على عاتق الشريك والراعي للمفاوضات، أو ما يسميه البعض “المهندس الأميركي” لهذا المسار، لاتخاذ موقف أكثر حزمًا عبر ممارسة ضغط فعلي على إسرائيل لإلزامها بالاحترام الكامل لوقف إطلاق النار، ووضع حدٍّ لحربها المستمرة، والشروع في تنفيذ انسحاب كامل لا جُزئي أو انتقائي من الأراضي اللبنانية.
ويتطلّب ذلك، بالتوازي، توفير الدعم العسكري اللازم، بل والضروري، لتمكين الجيش اللبناني من بسط سيطرته الكاملة على المنطقة الممتدة من جنوب نهر الليطاني حتى الحدود الدولية للبنان، بدءًا من خط الهدنة الذي نصت عليه اتفاقية الهدنة لعام 1949، والتي لا تملك إسرائيل حق إسقاطها، وصولًا إلى تثبيت الحدود الدولية للبنان مع إسرائيل، وهي الحدود التي رُسمت مع فلسطين عام 1923.
وفي هذا السياق، تتحمّل واشنطن مسؤولية خاصة، باعتبارها الطرف الذي صاغ الإطار التفاوضي ويتولى رعاية مساره، كما تتحمّل الدول الصديقة للبنان، وسائر الدول المعنية باستقرار المنطقة، مسؤولية الدفع نحو إنجاح هذا المسار، انطلاقًا من إدراكها أنَّ الجبهة اللبنانيةـالإسرائيلية تبقى واحدة من أكثر بؤر التوتر قابلية للانفجار في أيِّ لحظة.
ويتطلب ذلك ممارسة ضغط مباشر وفعّال على إسرائيل، تقوده الولايات المتحدة بالدرجة الأولى، بمساندة العواصم الدولية الأخرى التي تمتلك أدوات تأثير يمكن توظيفها في هذا الاتجاه. فنجاح هذا المسار لا يخدم الاستقرار على مستوى الجبهة اللبنانيةـالإسرائيلية فحسب، بل يشكل أيضًا مصلحة إقليمية أوسع، في منطقة لا تزال تعيش على وقع أزمات متداخلة وقابلة للتصعيد في أيِّ وقت.
- الدكتور ناصيف يوسف حتّي هو أكاديمي، مُحلِّل سياسي، ديبلوماسي متقاعد، ووزير خارجية لبنان الأسبق. كان سابقًا المُتَحدِّث الرسمي باسم جامعة الدول العربية ولاحقًا رئيس بعثتها في فرنسا والفاتيكان وإيطاليا، والمندوب المراقب الدائم لها لدى منظمة اليونسكو.
