شكسبير: إِكشِف لنا أَسرارَك العشرة (الحلقة الأَخيرة: 10 من 10)

بنجامين جونسون مُعاصر شكسبير

هنري زغيب*

فترةً بعد فترة، يتَّضح أَنَّ وليم شكسبير (1564-1616) لا شبيهَ له ولا مثيل: فهو أَشهرُ كاتب عالمي على الإِطلاق في جميع اللغات. ومسرحياتُه هي الأَكثرُ تمثيلًا وتنفيذًا بين جميع الكتَّاب المسرحيين في العالم. سوى أَنَّ مَن يعرفون أَعماله، لا يعرفون الكثير عن حياته الخاصة والشخصية. لذا أَنشأْتُ هذه السلسلة من 10 حلقات، لأَكشفَ صفحات مطويَّةً من سيرته الشخصية. 

في الحلقات السابقة سردتُ لمحة عن نشأَته، وأَحوال أُسرته، وأَوضاعها في البيئة الدينية، وكارثة الإِفلاس التي وقَع فيها والده، ونحو سبع سنوات ضائعة من سيرته، وانكسار حياته الزوجية، ومآسٍ عائلية أَطلع منها روائع مسرحية، والشك في كونه هو كاتب مسرحياته، وتأْثيره على مفردات اللغة الإِنكليزية، ما كان لمسرحياته من تمثيلها في لهجات مختلفة، وأَهمية مسرحياته في عصره كأَهمية أَفلام هوليوود اليوم.  

في هذه الحلقة الأَخيرة، سؤَال أَخير: هل ما نعرفه اليوم عن شكسبير، يشبه ما كانه شكسبير؟

دوق شاندوس

شكوك في حياته

معلوماتُنا المتواترة إِلينا اليوم عن شكسبير، كأَشهر كاتب باللغة الإِنكليزية في جميع العصور، قد لا تُكوِّن عنه صورة تاريخية حقيقية كاملة. ففي حياته ملامح وعناصر ما زالت موضع جدل عَميق وتدقيق عُمقيّ بين الخبراء والمؤَرخين والمدقِّقين، مع أَنهم يُجمعون، في معظمهم، على كونه هو كاتب مسرحياته، لا كما ادَّعى البعض عبر السنوات أَنه ليس هو كاتبها.

تاريخ ميلاده

من تلك العناصر المبهمة في حياته: ميلاده المعروف المتداول، يوم 23 نيسان/أبريل، إنما ليس من دليل حسي تاريخي على هذا التاريخ. الثابت أَن تنصيره كان يوم 26 نيسان/أبريل 1564، ولا دليل ثابتًا كم كان عمر الطفل يومها، لأَن العادة فترتئذ لم تكن تنصير الأَطفال فور ولادتهم.

وواقعُ أَنه وُلِدَ صبيًّا لوالِدَيْن فقَدَا قبل ولادته ابنتَين بُعَيْد ولادتهما، قد يشير إِلى أَن والدَيه تمهَّلا في تنصيره حتى يتأَكَّدا من أَنه سيعيش. والذين رجَّحوا ولادته في 23 نيسان/أبريل، ربما اعتبروا أَن كبير كُتَّاب اللغة الإِنكليزية يجْمُلُ أَن يؤَرَّخ بعيد وطني كبير (القديس جاورجيوس). وبما أَن تاريخ وفاته موثَّقٌ في 23 نيسان/أبريل، وجَدوا أَن يقيموا تلازُمًا محبَّبًا بين تاريخ ولادته وتاريخ وفاته.

جيرارد جونسون ينحت تمثال شكسبير

كتابة اسمه المتعددة

أَمرٌ جدليٌّ آخر: هل وليم شكسبير هو فعلًا اسمه الحقيقي كما وصَلَنا بحروف اسمه ولفظها؟ هنا أَيضًا جدل حول اسمه الحقيقي. فالكتابة عصرئذٍ كانت من دون ضوابط، وتعدَّدت اللهجات وكتابة الأَسماء وفْق اللهجة المحلية أَحيانًا، لا وفْق تسمية عامة ولهجة ثابتة وكتابة موحدة. المهم أَن يفهمها الناس المحليون. وسُجلَت في عصره وعلى حياته ستُّ طرُق لكتابة اسمه بخطه. واسمه على شاهدة قبره مكتوبٌ بطريقة مغايرة عما هو على شاهدة قبر زوجته.

أَما صورته التي نعرفها والمنتشرة في جميع المواقع والمراجع، فتختلف في مواقع أُخرى ومراجع أُخرى، لكنَّ فيها عناصر مشتركة: اللحية، الطوق، الصلَع، الأُذن المثقوبة. وجميعها مرسومة بعد وفاته، ولا صورة واحدة له موثَّقَة على أَنها قبل وفاته.

هل رسمه حقيقيّ؟

أَقدم رسم معروف له وضعه، بعد وفاته، النحات والحفار الشهير في عصره مارتن دْروشاوْتْ (1601-1650) وظهر سنة 1623 على الجزء الأَول من مؤَلفاته، وفيه قصيدة لمعاصره الكاتب المسرحي بِنْجامين جونسون (1572-1637) وهو عرف شكسبير جيدًا، ويؤَكِّد على الصحة في ملامح رسم دْروشاوْتْ، ما يعطي رسمَ هذا الأَخير مصداقيةً مباشرة.

ملمح آخر: تمثاله النصفي على قبره عند كنيسة الثالوث الأَقدس في ستراتفورد. وهو للنحات جيرارد جونسون بتكليف من صهر شكسبير. ولا بدَّ أَن زوجته آنَّا هاثاواي شاهدتْه ووافقَت على صحة ملامحه، هي التي أَوصت أَن تُدفنَ إِلى جانبه في ذاك الضريح.

يبقى النص ويذهب صاحبه

وثمة رسمان، الأَول لدى جيمس بْريدْجِز دوق شاندوس (1673-1744) يقال إِنه موضوع على حياة شكسبير، لكنه غيرُ موثَّق، والآخَر رسمٌ لدى أُسقف دابْلِن تشارلز كوبّ (1686-1765) ويقال كذلك إِنه موضوع على أَيام شكسبير (1610) لكنه أَيضًا غير موثَّق. ويرجِّح البعض أَن يكون مارتن دْروشاوْتْ استوحى الملامح من هذين الرسمين الأَخيرين ليركِّب منهما رسم شكسبير بعد وفاته. وحتى رسم دْروشاوْتْ موضع شك لأَنه قد يكون، كما يرجِّح دارسون، رسم توماس أُوفربوري، وهو شاعر من ستراتفورد، وكان كذلك ملتحيًا وأَصلع.

ختامًا: أَين شكسبير من جميع هذه الشكوك والتخمينات والتقديرات؟

يذهب صاحب النص ويبقى النص، وهو الأَبقى على الزمان أَيًّا تكن التقديرات والتخمينات عن صاحب النص على حياته.

Exit mobile version