لا تقتصر أهمية المفاوضات على ما يُتَّفق عليه، بل تمتد أيضًا إلى الخرائط التي تُحدّد كيفية تنفيذ الاتفاقات. فهل تُعتَمَد هذه الخرائط بعد تدقيقها فنيًا، أم تتحوّل إلى وثائق رسمية قبل إخضاعها للمراجعة اللازمة؟
السفير الدكتور بسام النعماني*
يثير مسار المفاوضات بين لبنان وإسرائيل سؤالًا لا يقل أهمية عن القضايا السياسية والأمنية المطروحة على طاولة البحث: هل حظيت الخرائط التي بُنيت عليها هذه الاتفاقات بما تستحقه من تدقيق ومراجعة قبل أن يعتمدها الوفد اللبناني؟
هذا السؤال لا يعني أنَّ لبنان يفتقر إلى الخبرات الفنية. فالجيش اللبناني يضمُّ مديرية للشؤون الجغرافية، كما توجد في وزارة الدفاع كفاءات متخصصة في الخرائط، إلى جانب مهندسي مساحة مدنيين وعسكريين يمتلكون الخبرة اللازمة لقراءة الخرائط العسكرية وتحليلها. لكن المشكلة، في تقديري، تكمن في إدارة هذا الملف على المستوى السياسي، حيث جرى التعامل مع الخرائط التي قدمها الإسرائيليون والأميركيون بكثير من الاستسهال، وكأن دور لبنان يقتصر على تلقي خرائط الانسحاب لا على تدقيقها وتمحيصها قبل الموافقة عليها.
فإذا أعلنت إسرائيل أنها ستنسحب من الأراضي اللبنانية، يُفتَرَض ألّا يقتصر النقاش على مبدَإِ الانسحاب، بل أن يشملَ أيضًا الخرائط التي تحدد نطاقه وحدوده. ولذلك كان من الطبيعي أن تُحال هذه الخرائط إلى الجهات اللبنانية المختصة لدراستها وسبر تفاصيلها قبل أن يوقع عليها الوفد اللبناني، لأنَّ اعتمادها يحوّلها إلى وثائق رسمية تعكس الموقف اللبناني، فيما قد نكون وافقنا على تفاصيل لم تخضع أصلًا للمراجعة الفنية اللازمة.
وهذا ما حصل، في رأيي، عند توقيع اتفاق وقف الأعمال العدائية في 26 تشرين الثاني (نوفمبر) 2024، حين وقع الأمين العام لمجلس الوزراء محمود مكية على الخريطة المُرفقة بالاتفاق، ثم وُزِّعَت على الوزراء من دون أن تُناقَش أو تُعرَض على المختصّين في قراءة الخرائط. وبذلك وافق لبنان على بقاء “مثلث يحمر” شمال نهر الليطاني ضمن المنطقة العسكرية العازلة التي طالبت بها إسرائيل جنوب الليطاني، إلى جانب أجزاءٍ من حاصبيا ومرجعيون.
وكان يُفتَرَض منذ ذلك الوقت التوقف عند هذه النقطة والتساؤل: لماذا أصرّت إسرائيل على إدراج “مثلث يحمر” ضمن هذه الخريطة؟ فالتطوّرات اللاحقة أظهرت أنَّ هذا الأمر مَهَّدَ للمطالبة بالإبقاء على مواقع أمنية شمال الليطاني، من بينها قلعة الشقيف، في وقتٍ كان المسؤولون الإسرائيليون يكرّرون أنَّ هدفهم يقتصر على الوصول إلى نهر الليطاني. فإذا كان الليطاني هو الهدف فعلًا، فلماذا يجري التقدُّم إلى مواقع تقع شماله؟ وما الذي يُفسّر هذا التناقض سوى أنَّ إسرائيل تتقدّم في كلِّ مرحلة بخرائط مختلفة، ثم لا تلتزم بها في نهاية المطاف؟
وانطلاقًا من هذه التجربة، درستُ خريطة “اتفاق الإطار” الثلاثي التي تمَّ التوصُّل إليها في واشنطن في 26 حزيران (يونيو) 2026، والتي نشرتها صحيفة “تايمز أوف إزرايل” (Times of Israel) في اليوم التالي، 27 حزيران (يونيو). وقد تناقلت مختلف وسائل الإعلام هذه الخريطة، ولم تُنشَر أيُّ خريطة أخرى بديلة منها. كما ظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في خطابٍ متلفز مساء الإعلان عن الاتفاق في 28 حزيران (يونيو)، وهو يشرح بنود الاتفاق مستخدمًا الخريطة نفسها التي كانت معروضة على الشاشة خلفه، ويشير إلى مختلف المناطق الواردة فيها. وانطلاقًا من ذلك، يمكن اعتبار أنَّ هذه هي الخريطة الرسمية التي سُلِّمَت إلى الوفد اللبناني في واشنطن.
وتقودني القراءة الأولية لهذه الخريطة إلى استنتاجٍ أنَّ إسرائيل لا تنوي الانسحاب، لا من المناطق الواقعة شمال الليطاني ولا من جنوبه. كما توحي الخريطة، للأسف، بأنَّ الهدف الحقيقي ليس تنفيذ انسحاب سريع، بل إغراق المفاوضات في تفاصيل تقنية من خلال إنشاء لجان أميركية-لبنانية-إسرائيلية مشتركة، بما يؤدي تدريجيًا إلى توسيع إطار التعاون والتنسيق بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي بإشراف أميركي.
ولم يلبث هذا الانطباع أن بدأ يتجسّد في الجولة السادسة من مفاوضات الإطار، التي عقدت في روما يومي 14 و15 تموز (يوليو) 2026، حيث تحدثت المعلومات المُسَرَّبة عن اتفاقٍ مبدئي على تحديد منطقتين تجريبيتين لبدء تنفيذ الانسحاب الإسرائيلي، مع إبقاء القضايا الأكثر حساسية مُعلَّقة إلى جولات لاحقة، وعقد اجتماع عسكري تكميلي لإنشاء لجان مشتركة تتولى تحديد تلك المناطق التجريبية.
لماذا تثير هذه الخريطة شكوكي؟
لم أبنِ هذا الاستنتاج على الانطباعات، بل على قراءة أولية للخريطة نفسها، التي تثير سلسلة من الأسئلة الفنية التي يصعب تجاهلها.
أولى هذه الملاحظات أنَّ الخريطة، على الأرجح، مرسومة بمقياس يقارب 1:50,000، وهو المقياس الذي يفضله العسكريون عادة. غير أنَّ تكبيرها يكشف مشكلة أساسية، إذ تبدو معظم معالمها باهتة وغير واضحة، إلى درجة يصعب معها تحديد أسماء القرى والبلدات بدقة، إلّا لمن يعرف مواقعها مسبقًا من خرائط أخرى. ويطرح ذلك سؤالًا بديهيًا: لماذا تُقدَّم إلى الوفد اللبناني خريطة بهذا الحجم، لكنها تفتقر إلى الوضوح الذي يسمح بقراءة تفاصيلها؟
وفي المقابل، تبدو حدود المنطقة العازلة الصفراء والمنطقتين التجريبيتين مرسومة بخطوط واضحة جدًا فوق هذه الخلفية الباهتة. لكن كيف يمكن تحديد تفاصيل الانسحاب الإسرائيلي من القرى والبلدات استنادًا إلى حدود مرسومة على خريطة تفتقر أصلًا إلى الوضوح؟ وهل قدم الجانب الإسرائيلي خلال اجتماعات روما إلى العميد الركن الطيار المتقاعد زياد هيكل، المستشار العسكري في القصر الجمهوري، خرائط أكثر دقة ووضوحًا من تلك التي تسلمها الوفد اللبناني في واشنطن؟
وتزداد علامات الاستفهام عند التدقيق في طريقة رسم هذه الحدود. فالخطوط التي تحدد المنطقة العازلة تبدو سميكة ومتضخمة إلى درجة أنَّ عرضها، وفق مقياس الخريطة، يقارب 650 مترًا. ومن الناحية الهندسية، يصعب تصوُّر تطبيق مثل هذا الخط على الأرض. فإذا كان المقصود إقامة حاجز أو سياج فاصل، فمن غير المنطقي أن يمتد بعرض يقارب 650 مترًا بدل بضعة أمتار فقط. كما يطرح ذلك أسئلة عملية لا تقل أهمية: أين سيتمَوضع الجيشان اللبناني والإسرائيلي ضمن هذا الشريط؟ وهل يسمح للجيش اللبناني بالتحرُّك في وسطه، أي على عمق يقارب 325 مترًا؟ أم أنَّ المنطقة بأكملها ستصبح محظورة على أيِّ نشاط عسكري أو مدني؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل المقصود تحويلها إلى أرض خالية من السكان والحياة؟
والملاحظة نفسها تنطبق على حدود المنطقتين التجريبيتين، التي يبلغ عرضها، وفق تقديري، نحو 300 متر. فهل يستطيع الجيش اللبناني التقدُّم داخل هذا الشريط لمسافة تقارب 150 مترًا، أم يتوجب عليه الوقوف خارجه؟ هذه الأسئلة لا تقدم الخريطة أي إجابة عنها، رغم أنها تمسُّ جوهر آلية تنفيذ أيّ انسحابٍ مُحتمل.
ولهذا أجد صعوبة في التعامل مع هذه الحدود باعتبارها خطوطًا قابلة للتطبيق ميدانيًا. فهي تبدو أقرب إلى رسم نظري منها إلى مخطط عمليات عسكرية يمكن تنفيذه على الأرض. ومن هنا يساورني الشك في أنَّ الغاية من رسمها ليست التحضير لانسحابٍ فعلي، بل الإيحاء بوجود خطة جاهزة، في حين أنَّ تنفيذها العملي يواجه إشكالات يصعب تجاوزها.
وتزداد هذه الشكوك مع وجود خطوط فاصلة غير واضحة على ضفاف نهر الليطاني، أو نهر القاسمية بدقة أكبر، ضمن حدود المنطقة الصفراء العازلة بين شمال النهر وجنوبه. فهل يعني ذلك أنَّ إسرائيل تسعى إلى الفصل بين التفاوض على المناطق الواقعة شمال الليطاني وتلك الواقعة جنوبه؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما الغاية من هذا الفصل؟ إنَّ الخريطة لا تُقدّم تفسيرًا واضحًا لهذه النقطة، ما يجعلها من المسائل التي تستوجب توضيحًا.
وهذا يقود إلى سؤال آخر: لماذا وافق لبنان أصلًا، في واشنطن في 26 حزيران (يونيو) 2026، على تسلُّم خريطة لا توضِّحُ بصورة كافية كيفية ترسيم المنطقة العازلة، ولا سيما في النقاط المحيطة بنهر الليطاني؟ كان بالإمكان، بكل بساطة، إعادة الخريطة إلى الجانب الأميركي أو الإسرائيلي والمطالبة بإيضاحات إضافية قبل اعتمادها.
ويلاحظ أيضًا أنَّ المنطقتين التجريبيتين (Pilot Zones)، كما وصفهما عدد من العسكريين والإعلاميين والمراقبين، تتمتعان بتركيبة لافتة. فالمنطقة الأولى تقع شرق المنطقة الصفراء، خارج نطاق السيطرة العسكرية الإسرائيلية، وتشمل صريفا، وغندورية، وضهر السياد، ومعروب، ونيحا، وبرج قلاوية وفرون. أما المنطقة الثانية فتقع شمال الليطاني، بحيث يتداخل جُزءٌ منها مع المنطقة الصفراء، ويضم الشمرية والزقية، بينما يمتد الجزء الآخر إلى شمال المنطقة العازلة، ويشمل زوطر الغربية، ومشتى أبو شامي، وأرض الأبيض، ومرنابا، وهي مناطق لا تحتلها القوات الإسرائيلية أصلًا.
ويثير هذا التداخل سؤالًا مشروعًا حول الأسس التي اعتمدها الجانب الإسرائيلي في رسم هذه المناطق. فهل يستند إلى اعتبارات أمنية معقدة لم تُشرَح بعد؟ وإذا كان الأمر كذلك، فمن حق الجانب اللبناني أن يطلب تفسيرًا واضحًا لها. أما إذا لم يكن هناك تفسيرٌ مقنع، فإنَّ هذا التشابك لا يؤدّي إلّا إلى زيادة تعقيد المفاوضات وإطالة أمدها.
ويبقى السؤال الأكثر أهمية: ماذا تعني عمليًا عبارة “منطقة تجريبية”، ولا سيما المنطقة الأولى الواقعة أصلًا خارج منطقة الاحتلال الإسرائيلي؟ فمَن هي الجهة التي ستتولى التحقق من خلوها من عناصر “حزب الله” أو من إزالة بنيته التحتية العسكرية؟ وهل ستُناط هذه المهمة بقوة دولية جديدة، أم ستُمنح إسرائيل حق الدخول إليها لإجراء عمليات التفتيش؟ إنَّ الخريطة لا تُقدّم جوابًا عن هذه الأسئلة أيضًا، رُغم أنها تمسُّ مباشرة آلية تنفيذ الاتفاق وحدود الصلاحيات الممنوحة لكل طرف.
وفي محاولة للتحقق من هذه الملاحظات، قمت بتجربة أخيرة تمثلت في نقل خطوط المنطقة العازلة والمنطقتين التجريبيتين (أعلاه) إلى خريطة أكثر وضوحًا وتفصيلًا (أدناه). ولم تغير هذه المحاولة من الاستنتاجات التي توصلت إليها، بل أكدتها. فقد بقيت المناطق متداخلة، والحدود الفاصلة غير واضحة، والمنطق الاستراتيجي الذي يحكم توزيعها غير مفهوم، فيما بقيت الإشكالات الهندسية نفسها قائمة، بما يجعل تطبيق هذه الخرائط على أرض الواقع موضع تساؤل.
ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: هل تريد إسرائيل فعلًا الانسحاب من جنوب لبنان، أم أن هذه الخرائط ليست سوى إطار تفاوضي فضفاض يتيح لها إطالة أمد المفاوضات وتأجيل أي انسحاب فعلي؟
وفي جميع الأحوال، لا ينبغي أن يكون الموقف اللبناني مجرد تلقي الخرائط والتوقيع عليها. فالحد الأدنى الذي تقتضيه أصول التفاوض هو أن يتسلم الوفد اللبناني أي خرائط جديدة، ثم يحيلها إلى مديرية الشؤون الجغرافية في الجيش وإلى اللجان الفنية المختصة لدراستها وتحليلها، قبل إبلاغ الجانب الآخر بالموقف اللبناني منها.
فالخرائط ليست مرفقات تقنية تُرفق بالاتفاقات، بل هي في جوهرها وثائق تفاوضية قد ترتب التزامات سياسية وعسكرية وقانونية على الدولة اللبنانية. ولهذا، فإن التعامل معها يجب أن يبدأ بالدراسة والتحليل والتدقيق، لا بالتوقيع عليها ثم اكتشاف ما تتضمنه لاحقًا.
- السفير الدكتور بسام عبد القادر النعماني هو ديبلوماسي لبناني بارز، شغل منصب سفير لبنان في دول عدة منها باكستان، السعودية، الكويت، وتونس، وعمل في بعثات واشنطن ولندن. تولى منصب الأمين العام لوزارة الخارجية اللبنانية بالوكالة (2007) وشارك في ملفات الحدود اللبنانية، وهو خبير سياسي يكتب ويحاضر في قضايا الحدود والديبلوماسية.
