لبنان وإسرائيل في روما… الاتفاق على النهاية والخلاف على الطريق

بول سالم*

انعقدت في روما هذا الأسبوع الجولة السادسة من المحادثات اللبنانية–الإسرائيلية برعاية الولايات المتحدة، بعد أسابيع من توقيع اتفاق الإطار في واشنطن، الذي وضع للمرة الأولى تصوُّرًا مشتركًا لما ينبغي أن تنتهي إليه العلاقة بين البلدين. فقد التزم الطرفان بالعمل على إنهاء الصراع، واحترام سيادة كل منهما وأمنه، وصولًا في نهاية المطاف إلى إقامة علاقات سلمية.

لكن الانتقال من اتفاق الإطار إلى طاولة روما كشف أنَّ التوافق على المبادئ لا يعني بالضرورة الاتفاق على آليات التنفيذ. فالمفاوضات دخلت الآن مرحلتها الأصعب، حيث برزت الخلافات حول ترتيب الخطوات والضمانات اللازمة للوصول إلى الأهداف المعلنة.

وتكتسب هذه المفاوضات أهمية إضافية لأنها تجري في لحظة تشهد فيها منطقة الشرق الأوسط تحوّلات جيوسياسية عميقة، قد تعيد رسم البيئة الأمنية المحيطة بلبنان. ومن هنا، يبرز تحدٍّ مزدوج أمام الدولة اللبنانية: استعادة سيادتها الكاملة على أراضيها وقرارها الأمني، وفي الوقت نفسه إعادة بناء استقلالية قرارها بعيدًا من صراعات المحاور الإقليمية التي أثقلت البلاد لعقود.

ورغم التباينات حول كيفية الوصول إلى هذه الغاية، فإنَّ اتفاق الإطار يعكس قدرًا غير مسبوق من التوافق على المبادئ الأساسية. فهو يقوم على احترام سيادة الدولتين وأمنهما وسلامة أراضيهما، وإقرار إسرائيل بعدم وجود مطالب إقليمية في لبنان ودعمها قيام دولة لبنانية ذات سيادة وقادرة، إلى جانب التوافق على أن تحتكر الدولة اللبنانية السلاح وقرار الحرب والسلم، بما يستلزم نزع سلاح “حزب الله”، فضلًا عن الالتزام بإنهاء حالة الحرب والعمل نحو إقامة علاقات سلمية، بدعم وضمانة أميركية.

وبذلك، فإنَّ الخلاف لم يعد يدور حول الصورة النهائية بقدر ما يتمحور حول الطريق المؤدي إليها. فالرؤية المشتركة تقوم على وجود دولتين تمارسان سيادتهما الكاملة على أراضيهما وتعيشان جنبًا إلى جنب في أمن وسلام، غير أنَّ ترتيب الخطوات اللازمة لتحقيق هذا الهدف لا يزال موضع خلاف جوهري.

ويبرز هذا الخلاف أولًا في مسألة التسلسل الزمني للإجراءات. فإسرائيل ترى أنَّ نزع سلاح “حزب الله” يجب أن يسبق وقف عملياتها العسكرية وانسحابها من الأراضي اللبنانية، بينما يتمسك لبنان بمقاربة مغايرة، تقوم على تزامن الانسحاب الإسرائيلي مع انتشار الجيش اللبناني ضمن عملية تدريجية تعزز سلطة الدولة وتتيح لها، مع مرور الوقت، بسط سيطرتها الكاملة وإضعاف نفوذ الحزب تمهيدًا لنزع سلاحه.

ومن هنا برزت فكرة “المناطق النموذجية”، أو “المناطق التجريبية، الواردة في اتفاق الإطار، باعتبارها محاولة للتوفيق بين المقاربتين. وقد دخل الوفد اللبناني إلى محادثات روما وهو يتطلع إلى إطلاق المنطقة النموذجية الأولى سريعًا، إلّا أنَّ الاتفاق ترك نطاق هذه المناطق وآليات تنفيذها من دون تحديد واضح، الأمر الذي جعلها أحد أبرز ملفات التفاوض.

وفي المقابل، تبدو الرؤية الإسرائيلية أكثر تحفظًا. فهي لا تبدي استعدادًا للموافقة إلّا على عددٍ محدود من “المناطق النموذجية”، أو “المناطق التجريبية”، تقع بمعظمها خارج المنطقة العازلة التي أعلنتها إسرائيل من جانب واحد داخل الأراضي اللبنانية المحتلة. أما لبنان، فينظر إلى هذه المناطق باعتبارها مجرد بداية لمسار أوسع؛ فإذا أثبت الجيش اللبناني قدرته على تنفيذ التزاماته الأمنية في المرحلة الأولى، ينبغي أن يمتد التطبيق تدريجيًا إلى مناطق أخرى، ولا سيما تلك التي لا تزال خاضعة للاحتلال الإسرائيلي.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة بالنسبة إلى بيروت، لأنَّ نجاح المسار التفاوضي سيمنحها دليلًا ملموسًا على أنَّ الديبلوماسية قادرة على استعادة الأراضي وإعادة السكان تدريجيًا إلى الجنوب. أما تعثره، فسيضعف موقف الدولة في أيِّ مواجهة سياسية مع “حزب الله”، الذي طالما استند إلى استمرار الاحتلال لتبرير احتفاظه بالسلاح.

لكن الخلاف بين الطرفين لا يقتصر على ترتيب الخطوات الميدانية، بل يمتد أيضًا إلى الرؤية الإقليمية التي تتحرك في إطارها هذه المفاوضات.

فمن المنظور اللبناني، تنحصر العملية التفاوضية في تحقيق أهداف محددة: إنهاء المواجهات المتكررة مع إسرائيل، وضمان انسحابها الكامل من الأراضي اللبنانية، وتعزيز قدرة الدولة على بسط سيادتها واحتكارها للسلاح، تمهيدًا لإقامة علاقات آمنة يمكن أن تتطور لاحقًا إلى علاقات سلمية.

أما إسرائيل، فعلى الرغم من تقاطعها مع لبنان في عدد من هذه الأهداف، فإنها تنظر إلى المفاوضات باعتبارها جزءًا من مشروع إقليمي أوسع، تسعى من خلاله إلى توظيف تفوقها السياسي والعسكري لإدماج لبنان في شبكة التحالفات التي تعمل على بنائها في شرق البحر المتوسط.

ويعكس الإصرار الإسرائيلي على عقد المفاوضات في روما، بدلًا من واشنطن، هذا البُعد الإقليمي. فإسرائيل تعمل منذ سنوات على تعزيز شراكاتها مع قبرص واليونان وإيطاليا ضمن رؤية استراتيجية تعتبر شرق المتوسط ساحة تنافس طويلة الأمد مع تركيا، وترى في انضمام لبنان إلى هذا الإطار مكسبًا سياسيًا واستراتيجيًا إضافيًا.

وفي هذا السياق، لم تقتصر محادثات روما، على الأرجح، على مناقشة ترتيبات الانسحاب والإجراءات الأمنية، بل تناولت أيضًا المادة الثانية عشرة من الاتفاق الإطاري، التي تنص على بدء البحث في تفاصيل اتفاق سلام نهائي. ومن المرجح أن تكون إسرائيل قد دفعت نحو تشكيل لجان فنية تتولى مناقشة الملفات التي ستشكل أساس هذا الاتفاق، بما يسمح بفتح مسار تفاوضي طويل الأجل حول قضايا تتجاوز الترتيبات الأمنية الآنية.

غير أنَّ لبنان يتعامل بحذر مع هذا الطرح لاعتبارين رئيسين. أولهما، أنَّ الانقسام السياسي الداخلي يجعل من الصعب تقديم التزامات بعيدة المدى بشأن اتفاق سلام شامل، ولا سيما في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الأراضي اللبنانية. وثانيهما، أنَّ بيروت، رغم التزامها بإقامة علاقات آمنة وسلمية مع إسرائيل بعد استكمال الانسحاب، لا ترغب في أن يتحول هذا المسار إلى مدخل لاصطفاف إقليمي قد يضعها في مواجهة مع سوريا أو تركيا، أو مع قوى إقليمية أخرى ترتبط بعلاقات وثيقة مع هاتين الدولتين.

وتزداد هذه الحساسية في ضوء سعي بيروت ودمشق إلى إعادة بناء علاقتهما على أسس جديدة بعد سنوات طويلة من التوتر. كما إنَّ السلطات السورية الجديدة تقيم علاقات وثيقة مع تركيا، إلى جانب المملكة العربية السعودية وعدد من القوى الإقليمية المؤثرة. ومن ثم، فإنَّ لبنان، الذي دفع أثمانًا باهظة نتيجة تحوله لعقود إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، لا يبدو مستعدًا للدخول في محور جديد يكون أحد أهدافه الرئيسية مواجهة تركيا أو أي طرف إقليمي آخر.

وفي هذا السياق، لم يكن هدف لبنان في محادثات روما استعادة سيادته على أراضيه فحسب، بل أيضًا استعادة استقلالية قراره الوطني. فالاتفاق الإطاري لم يقتصر على فتح مسار لإنهاء الصراع مع إسرائيل، بل أسهم أيضًا في الحد من فرص عودة النفوذ الإيراني إلى الساحة اللبنانية، وفي الوقت نفسه منح بيروت فرصة لإعادة بناء سياسة خارجية أكثر استقلالًا، بعيدًا من استبدال نفوذ إقليمي بآخر.

ومن هنا، تبرز أهمية الدور الأميركي. فإدارة الرئيس دونالد ترامب ليست مجرد وسيط بين لبنان وإسرائيل، بل شريك في الاتفاق الإطاري، وصاحبة الدور الأكثر تأثيرًا في دعم مؤسسات الدولة اللبنانية، والضغط باتجاه الانسحاب الإسرائيلي، ومواكبة تنفيذ التفاهمات الأمنية. وهذا يفرض على واشنطن أن تميّز بين الأهداف المشتركة للطرفين وبين الرؤى الإقليمية المتباينة، وأن تركز، في هذه المرحلة، على الخطوات القادرة على تحقيق مكاسب متبادلة وبناء الثقة اللازمة لاستمرار العملية التفاوضية.

وفي هذا الإطار، تبدو “المناطق النموذجية” أو “المناطق التجريبية” المسار الأكثر واقعية لبدء التنفيذ. فنجاح التجربة في المناطق الأولى من شأنه أن يوفر نموذجًا عمليًا يمكن البناء عليه، ويفتح الباب أمام توسيعها تدريجيًا لتشمل مناطق أخرى في الجنوب، بما فيها المناطق التي لا تزال خاضعة للاحتلال الإسرائيلي. فالتقدم التدريجي، إذا اقترن بنتائج ملموسة على الأرض، قد يكون أكثر قدرة على ترسيخ الاستقرار من السعي إلى تسويات شاملة يصعب تحقيقها دفعة واحدة.

ولا يقل الدور العربي أهمية عن الدور الأميركي. فعدد من الدول العربية يدعم بوضوح حق الدولة اللبنانية في استعادة سيادتها الكاملة واحتكارها للسلاح، كما يؤيد في الوقت نفسه حرص بيروت على تجنب الانخراط في محاور إقليمية جديدة قد تضعها في مواجهة مع جيرانها أو مع قوى إقليمية رئيسة. وبفضل علاقاتها الوثيقة بواشنطن وما تمتلكه من أدوات سياسية واقتصادية، تستطيع هذه الدول الإسهام في توفير الغطاء اللازم لإنجاح المسار التفاوضي، بما يساعد لبنان على استعادة سيادته، وفي الوقت نفسه ترسيخ استقلالية قراره السياسي والخارجي.

Exit mobile version