باستيلُنا… في صناديق الاقتراع

الدكتورة إيمان درنيقة الكمالي*

في الرابع عشر من تموز (يوليو)، يحتفل الشعب الفرنسي بذكرى ثورته التاريخية التي اقتلعت جذور الاستبداد وغيّرت وجه الأرض. ورُغمَ أنَّ الحدث فرنسي، إلّا أنَّ قيم “الحرية والمساواة والإخاء” التي عُمِّدت بدماء الثوار تحوّلت إلى إرث إنساني يملكه كلّ شعب يرفض الذل ويأبى الركوع.

واليوم، من قعر الانهيار اللبناني، نضع واقعنا أمام مرآة هذا التاريخ لنسأل: إلى أي مدى يمكن إسقاط ثورة الباستيل على مأساتنا في لبنان؟ وهل تحرّرنا فعلًا كما ندّعي، أم أنّنا منذ عقود نرزح تحت نظام ملكي “مقنّع” يشبه ما ثار ضدّه الفرنسيون منذ أكثر من ثلاثة قرون؟

قبل عام 1789، كانت فرنسا ترزح تحت وطأة خرافة “الحق الإلهي للملوك”. كان السائد أنَّ الملك—صالحًا كان أم مستبدًّا—هو ظلّ الله على الأرض، لا يجوز التشكيك في سلطته. وفي وقت كان النبلاء ورجال الدين يشكّلون طبقة مخملية معفاة من الضرائب، تلتهم خيرات البلاد؛ كان عامة الشعب يرزحون تحت مقصلة ضرائب جائرة تصادر لقمة عيشهم. وعندما ضربت فرنسا أزمة اقتصادية خانقة شحّ معها الخبز، قيل للجائعين “اصبروا فهذا قضاء وقدر”. لكنّ الجوع كسر هيبة هذا المقدس الزائف، فانتفض الشعب ليدكّ حصون سجن الباستيل—رمز الطغيان—لا لتسقط الجدران فحسب، بل لتسقط معها منظومة الإقطاع والتبعية الفكرية. لقد أثبتت تلك الثورة للعالم أجمع أنَّ الشعوب ليست “قطيعًا” يُساق، وأنَّ الأنظمة المستبدّة ليست قدرًا محتومًا، بل هي “صنم” يصنعه الخوف ويهدمه الوعي.

وهنا تكمن المفارقة في واقعنا؛ نحن نعيش في لبنان في ظلّ نظام يُمارس “اسمياً” الجمهورية والبرلمانية والديموقراطية، ونملك سلاح الاقتراع، لكنّنا في عمق لاوَعيِنا الجماعي ما زلنا نكرّس بتبعية عمياء “الحق الإلهي” لزعمائنا. نذهب بكامل إرادتنا، وبمسيرات سيارات تطلق العنان لأبواقها حماسةً، لنبصم بالولاء للوجوه نفسها التي سرقتنا، ونعيد انتخاب الأسماء ذاتها التي أذلّتنا، وكأنّ “جينات” الحكم منزلةٌ عليهم من السماء ولا بديل منهم. ثم وبتناقضٍ صارخ يعكس نوعًا من “الشيزوفرينيا”، نجلس في المقاهي أو على وسائل التواصل الاجتماعي نبكي ونتباكى، نذم ونندب حالنا، متناسين أنّنا شركاء حقيقيون في انهيارٍ صنعناه بأنفسنا!

فكيف يُعقل أن يُعيدَ إنسانٌ واعٍ انتخابَ الشخص نفسه الذي نهب جنى عمره وبخّس رواتبه؟ وأيُّ وعي عبقري هذا الذي يقبل بـ”كرتونة إعاشة” أو بضعة دولارات انتخابية رخيصة تشتري صوته ليوم واحد، ليعيش بعدها أربع سنوات في فقرٍ مدقع وعتمة شاملة؟ ومتى نتخلّص من هذه “التبعية المخزية” التي تجعل شريحة واسعة من الناس تبصم لـ”زعيم طائفة” لمجرّد وهمٍ بأنه يحميها من الطائفة الأخرى؟

هذه العبودية الاختيارية هي التي قادتنا إلى قاع جحيمنا المعيشي. فقد شهدنا أكبر عملية “قرصنة” منظّمة في التاريخ الحديث، تبخّرت معها أموال المودعين، ليقف المواطن ذليلًا يتسوّل ماله على أبواب مصارف تلتهم كرامته. والأسوأ أنَّ ذلك تزامن مع تلاشي القيمة الشرائية للعملة الوطنية، وتحوّل الرواتب إلى “فتات” لا يكفي قوتًا ليومين. والمفارقة أنه في وقتٍ أُنفقت فيه المليارات على المحاصصات ووزارة الطاقة، دَفَعنا نحن الثمن مرّتين: عتمة تامة في المنازل، وفواتير حارقة تقصم الظهر لصالح مافيات المولّدات المحمية من أركان المنظومة نفسها. وأمام الفوضى وغياب القانون، هاجرت نخبنا وشبابنا من وطنٍ حوّلته السلطة—بتواطُئِنا الانتخابي—إلى مقبرةٍ للطموح.

إنَّ لبنان اليوم ليس بحاجة إلى “ثورة غوغائية” في الشوارع ضد زيادة “6 سنتات” على تطبيقٍ ذكي، ولا إلى ثورة ترفع شعارات برّاقة من نوع “كلُّن يعني كلُّن” لتبرئة الأنفس وإلقاء اللوم على الآخرين. أزمتنا الحقيقية، والتي يجب أن نواجهها بجرأة وبمسؤولية، هي ثقافتنا السياسية “المشوّهة” ومواطنتنا “المنقوصة”. نحن نحتاج إلى ثورة على “أنفسنا” أولًا؛ على أخطائنا القاتلة، وخياراتنا الانتحارية. إنها ثورة وعي عاتية في ضمير كلّ مواطن منّا قبل أن تصل إلى الصناديق؛ ثورةٌ تُدرك أنَّ الصوت الانتخابي أمانة، وحين نبيعه بالمال السياسي أو نرهنه لعصبية عمياء، فنحن لا ننتخب زعيمًا، بل نوقّع بأيدينا على صكّ عبوديتنا وذلّ عوائلنا. لذا، فإنَّ معركتنا اليوم هي ثورة وجودية ضد مسبّبات الفقر القابعة في تبعيتنا المطلقة وقلّة وعينا. إنها انتفاضة على “ديموقراطيتنا المقنّعة” التي حوّلناها بأيدينا إلى مسرحية هزلية نجدد فيها لجلّادينا، وصرخة غضب ضد ما اقترفناه—بكل طواعية—بحق أنفسنا، وأولادنا، ومستقبل وطننا!

لقد علّمتنا تجارب الدم والنار أنَّ المتاريس الطائفية والمذهبية، حين تتحوّل إلى أدوات لحشد العصبيات وتخويف اللبنانيين بعضهم من بعض، فهي لا تحمي طائفة أو دينًا، بل تدمّر السقف فوق رؤوس الجميع. الوطن لا تبنيه زمر خائفة ومستنفرة، بل تحميه المواطنة الحقيقية ودولة عادلة تطبق القانون بهراوة الحق على الجميع من دون تمييز. لقد دفعنا أثمانًا باهظة خلال الحرب الأهلية، وجاء اتفاق الطائف ليكون المظلّة الدستورية الوحيدة لإنهاء نزيف الدم. والإنقاذ اليوم لا يكمن في اختراع صيغ مشبوهة أو القفز فوق هذا الاتفاق، بل في امتلاك الشجاعة لتطبيقه كاملًا؛ بروحه ونصّه. هذا ليس مطلبًا فئويًا أو سياسيًا، بل هو الأوكسجين الوحيد المتبقّي لإعادة إحياء مفهوم الدولة ورفع الغطاء عن “المزارع الطائفية”.

ختامًا، في هذا الرابع عشر من تموز (يوليو)، وبقوة الصرخة التي دكّت عروش الطغاة قديمًا، نتوجّه إلى ضمير كلّ لبناني بكلمة واحدة: ثوروا!

ثوروا على أصنامكم، وارفعوا أنقاض الجهل والتبعية عن عقولكم المأسورة، وتحرّروا من الخوف الإرادي.

دمّروا “الباستيل” القابع في ذواتكم والذي يقيّد خياركم أمام صناديق الاقتراع! عسى نمتلك الشجاعة لنعبر أخيرًا من زواريب “دولة الطوائف” المتهالكة، إلى رحاب “دولة المواطنة” الحقة والكرامة الإنسانية!

Exit mobile version