أمنُ الخليج ووَهمُ الاحتواء

السيد بدر البوسعيدي*

يعيشُ شعبُ عُمان وجيراننا في منطقة الخليج اليوم تداعيات حرب لم تكن ضرورية. ويحدوهم أمل كبير في أن تكون هذه بالفعل نهاية الحرب، لا مجرّد هدنة قصيرة تسبق جولة جديدة من القتال. ولكن حتى لو لم تضع الحرب أوزارها بعد، وأقدم طرف ما، بتهوُّر وحماقة، على استئناف الأعمال العدائية، فإنَّ من واجبنا أن نستخلص منها بعض الدروس. فبدلًا من الانشغال بالماضي القريب، بكلِّ ما حفل به من أخطاء وسوء تقدير، ينبغي أن نوجّه أنظارنا إلى المستقبل.

وهناك قضية تتطلب اهتمامًا عاجلًا. فكما أوردت تقارير عديدة، تُجرى حاليًا مشاورات معقدة بهدف التوصل إلى ترتيبات طويلة الأمد تكفل حرية الملاحة عبر مضيق هرمز. وباعتبار سلطنة عُمان إحدى الدولتين اللتين تمتد مياههما الإقليمية داخل المضيق، فإنَّ عليها مسؤولية خاصة للعمل مع إيران، الدولة الأخرى المطلة على المضيق، ومع المجتمع الدولي من مستخدمي هذا الممر البحري، من أجل التوصل إلى ترتيب عملي ومستدام ومتوافق مع القانون يضمن حرية الملاحة.

ويحتاج المجتمع الدولي إلى نجاح هذه المشاورات، لأنَّ حرية الملاحة عبر مضيق هرمز تمثل ركيزة أساسية للاقتصاد العالمي. وأودُّ هنا أن أنوّه بالدور البنّاء الذي تضطلع به فرنسا في هذه المناقشات.

غير أنَّ أهمية معالجة هذه القضية الآن لا ينبغي أن تحول دون النظر إلى الصورة الأشمل، وإدراك أنَّ مضيق هرمز ليس سوى جُزءٍ من مشهدٍ أوسع يستدعي اهتمامًا جادًا.

فمنذ عام 1979، قام أمن الخليج على ما كان يُعرف بسياسة “الاحتواء”. ووفقًا لمنطق هذه السياسة، الذي يقوم صراحة أيضًا على الاستبعاد، كان الهدف الرئيس للترتيبات الأمنية الإقليمية هو توفير الدفاع الفاعل عن الخليج العربي، وعن المصالح الغربية فيه، في مواجهة ما اعتُبر تهديدًا وجوديًا مصدره إيران.

غير أنَّ الخلل الجوهري في هذا المنطق يتمثّل في أنَّ إيران لم تكن، في الواقع، تمثّل مثل هذا التهديد الوجودي. وعلى هذا الأساس، جرى بناء منظومة أمنية قائمة على زيادة الإنفاق الدفاعي في المنطقة، وتوسيع القواعد الأميركية في الخليج، والإبقاء على وجود عسكري قادر على التدخُّل من خارج المنطقة، وكل ذلك بكلفة باهظة، من دون أن يحقق غاية حقيقية تبرّرُ تلك الكلفة.

لقد كشفت الحرب الأخيرة أنَّ سياسة “الاحتواء” لم تكن سوى وَهم، وهي حقيقة بات يقرّ بها اليوم حتى كثيرون ممن كانوا يرون، طوال أكثر من خمسة وأربعين عامًا، أنَّ هذه السياسة المكلفة كانت شرًا لا بد منه.

وبات واضحًا أيضًا أنَّ أخطر التهديدات لأمن الخليج لا تنبع من داخل المنطقة نفسها، بل من قرارات وإجراءات تُتخذ خارجها، وفي مقدمتها تلك الصادرة من تل أبيب.

هذا هو الواقع الذي بات جليًا اليوم. لكن ماذا يترتب على هذا الإدراك؟ وكيف يمكن التعامل مع الصورة الأشمل لأمن الخليج؟

هناك ثماني دول تطلُّ على الخليج: إلى جانب سلطنة عُمان وشركائها الخمسة في مجلس التعاون لدول الخليج العربية، هناك دولتان كانتا، في مراحل مختلفة، هدفًا لسياسات “الاحتواء” والتدخلات العسكرية، هما العراق وإيران. وأشير هنا، بطبيعة الحال، إلى أنَّ فرنسا تحلّت بالحكمة عندما اختارت عدم المشاركة في حرب العراق عام 2003.

إنَّ الدول الثماني جميعها لديها مصالح وطنية حيوية، كما تتحمّل مسؤوليات دولية مهمة، وإن بدرجات وأولويات متفاوتة، تجاه أمن الخليج الذي تتقاسمه. ولذلك، ينبغي أن تكون جميعها جُزءًا من أيِّ عملية تقود إلى ترتيبات أمنية جديدة، وأن تسهم وتشارك وتتقاسم مسؤولية إنجاحها.

وهذا يعني أنَّ المرحلة المقبلة ستتطلب حوارات جادة، وربما صعبة، حول المستقبل. فهناك أسئلة معقدة ينبغي طرحها، وقرارات عملية يتعيّن التروّي في بحثها.

ومن أهم هذه الحوارات، التي تستوجب التخلّي عن كثيرٍ من المسلّمات القديمة، ذلك المتعلّق بتحديد الشراكات التي يمكن أن تساعد دول الخليج الثماني بالفعل على تحقيق الأمن الذي تحتاج إليه، سواء لأمنها الوطني أو لخدمة المجتمع الدولي، في مقابل الشراكات التي قد تفرض عليها مواطن ضعف أو مخاطر غير مرغوب فيها.

وعلى أقل تقدير، يتطلب ذلك إجراء تقييم صريح للعلاقات مع الحلفاء والأصدقاء الأقوياء، وفي مقدمهم الولايات المتحدة. وليس المقصود التخلّي عن هذه العلاقات، التي تقوم على أسس تاريخية راسخة وتفتح آفاقًا واسعة للتعاون في المستقبل، وإنما ربما إعادة ضبطها بما يجعلها أكثر انسجامًا مع الواقع الاستراتيجي الذي كشفت عنه الحرب الأخيرة.

إذا كانت سياسة “الاحتواء” ستفسح المجال لسياسة “الإشراك” باعتبارها المبدأ الأساسي للتعاون الأمني الإقليمي، فما هو الدور الأمثل والأكثر بنّاءً الذي يمكن أن يؤديه الأصدقاء، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة؟

هذه، بطبيعة الحال، نقاشات خليجية تخصُّ دول الخليج. لكن الخليج لا يمكن النظر إليه بمعزل عن محيطه المباشر، فهناك حقائق جغرافية ولوجستية أخرى ينبغي أخذها في الاعتبار.

وثمّةُ مثال واحد، لم ينل حتى الآن ما يستحقه من اهتمام، يتمثل في الإقليم الأوسع لشمال غرب المحيط الهندي. فهذه المنطقة تضمُّ عددًا كبيرًا من الموانئ والممرات المائية ذات الأهمية الاستراتيجية، وترتبط بطرق متعددة بالبنية التحتية لمنطقة الخليج. ويكفي أن نتأمل مضيق باب المندب وطرق الوصول إلى البحر الأحمر وسواحله، وهي قضية أعادت الأزمة الأخيرة المرتبطة بمضيق هرمز تسليط الضوء عليها.

وسيستفيد جميع سكان هذه المنطقة الأوسع من تطبيقِ إطارٍ قانوني وعملي فاعل، من شأنه أن يوفّر بيئة مواتية لازدهار أوسع نطاقًا.

لقد كانت الحرب كارثة. فلم تصدر بشأنها أي ولاية من الأمم المتحدة، ولم تُحقّق أيًا من الأهداف التي قيل إنها شُنت من أجلها. ومع ذلك، فإذا كانت ستقود في نهاية المطاف إلى طي صفحة أسطورة “الاحتواء” في الخليج، فثمة ما يدعو إلى التفاؤل بإمكان بناء نهج أفضل يحلُّ محلّها، وتصحيح خطَإٍ استمرَّ قرابة نصف قرن.

Exit mobile version