الدكتور ناصيف حتّي*
انعقدت قمة منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في تركيا يومي السابع والثامن من هذا الشهر، في ثاني قمة يستضيفها هذا البلد منذ عام 2004. وجاء انعقادها في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة إلى أنقرة، التي تجد نفسها في قلب التحوّلات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط، بما يمنح موقعها الجغرافي ودورها الإقليمي أهمية متزايدة في مرحلةٍ تتشكّل فيها ملامح نظام إقليمي جديد، وإن كانت صورته النهائية لا تزال غير واضحة.
كما اكتسبت القمة أهمية خاصة بالنسبة إلى دول الحلف، ليس فقط بسبب الملفات المطروحة على جدول أعمالها، بل أيضًا نتيجة التباين المتزايد في أولويات الدول الأعضاء ومقارباتها للتحدّيات الأمنية والاستراتيجية. فاختلاف المواقع الجغرافية، وتفاوت المصالح الوطنية، وتباين القدرات العسكرية والسياسية التي توظّفها كل دولة، عوامل باتت تنعكس بصورةٍ أوضح على رؤيتها لدورها داخل الحلف ولطريقة التعامل مع الأزمات الدولية، وهو ما جعل القمة محطة لاختبار مدى قدرة “الناتو” على الحفاظ على تماسكه في ظلِّ بيئة دولية وإقليمية أكثر تعقيدًا.
ويبرز هذا التباين بوضوح في العلاقة بين إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب من جهة، والدول الأوروبية، أو ما يُعرف بـ”القارة العجوز”، من جهة أخرى، فضلًا عن اختلاف مقاربات الدول الأوروبية نفسها تجاه عدد من الملفات. وقد تجلّى ذلك بوضوح في الموقف من الحرب الأوكرانية، إذ رأى الأوروبيون مرارًا أنَّ ما وصفوه بـ”الغزل” الأميركي تجاه موسكو يمنحها هامشًا أوسع للتشدد في تعاملها مع الأزمة الأوكرانية، وفق الرؤية الغربية.
غير أنَّ ترامب، الذي اعتاد انتهاج ما يمكن وصفه بـ”سياسة الصدمات”، بعث خلال القمة بإشارات مغايرة، معتبرًا أنَّ الضربات الأوكرانية داخل الأراضي الروسية قد تُسرّع إنهاء الحرب. كما أعلن عزمه منح أوكرانيا ترخيصًا لإنتاج صواريخ “باتريوت”، في خطوةٍ حملت في طيّاتها رسالة سياسية وعسكرية إلى موسكو. ومع ذلك، يبقى نهج ترامب القائم على التعامل مع الملفات بصورة منفصلة، أو وفق مبدَإِ “التعاون بالقطعة”، نهجًا قابلًا للتبدّل في أيِّ لحظة، وهو ما لم يعد يثير كثيرًا من المفاجأة لدى حلفائه أو خصومه على حدٍّ سواء.
ورُغم ما بدا أنه تقاربٌ أميركي-أوروبي، أو على الأقل تضييق لهامش الخلاف، في الملف الأوكراني الذي شكّل أحد أبرز نقاط التباين بين الجانبين خلال المرحلة الماضية، فإنَّ ذلك لم يُنهِ الانتقادات الأميركية لحلفائها الأوروبيين. فقد واصلت واشنطن، ولا سيما الرئيس دونالد ترامب، مطالبة الدول الأوروبية بتقديم دعم أكبر للسياسات الأميركية، ليس فقط على الصعيد العسكري، بل أيضًا من خلال تبنّي مواقف أكثر تشدُّدًا حيال إيران، سواء في سياق المواجهة السياسية أو أي تصعيد محتمل.
وفي هذا الإطار، اختار ترامب عشية القمة أن يوجّه رسالة جديدة إلى حلفائه الأوروبيين، حملت دلالات تتجاوز توقيتها. فقد أعاد إثارة قضية غرينلاند، التابعة للدنمارك، مجدّدًا، مبرِّرًا ذلك بضرورات تعزيز الدور الأميركي في حماية أمن القطب الشمالي والمحيط الأطلسي، اللذين يعتبر، وفق رؤيته، جزءًا من المسؤولية الاستراتيجية للولايات المتحدة. وهي رسالة تعكس تمسُّك واشنطن بنظرتها الخاصة للأمن الأطلسي، كما تعكس في الوقت نفسه استمرار تباين الرؤى بينها وبين عدد من حلفائها الأوروبيين، رغم ما أظهرته القمة من مساعٍ لتقريب المواقف في ملفات أخرى.
وتكتسب هذه الرسالة أهمية إضافية لأنها تؤكد أنَّ التباينات داخل الحلف الأطلسي لم تُطوَ بعد، على الرُغم من الإجماع الذي أبداه الأعضاء مجددًا بشأن زيادة الإنفاق الدفاعي، وهو المطلب الذي دأب الرئيس الأميركي دونالد ترامب على طرحه بإلحاح. فقد تعهدت الدول الأعضاء برفع هذا الإنفاق تدريجيًا ليصل إلى خمسة في المئة من الدخل القومي بحلول عام 2035، في خطوة تعكس إدراكًا مشتركًا لحجم التحديات الأمنية التي تواجه “البيت الأطلسي”، حتى وإن اختلفت مقاربات التعامل معها.
كما اتفق الحلفاء على إدخال تعديلات تشريعية وتنظيمية من شأنها تسهيل التعاون عبر الأطلسي في مجال الصناعات الدفاعية، إلَّا أنَّ ترجمة هذه التفاهمات إلى خطوات عملية ستظل مرهونة بمسار العلاقات داخل الحلف نفسه. فاختلاف الأولويات الوطنية، وتزايد الضغوط الداخلية التي تواجهها الدول الأعضاء، قد يحدّان من سرعة تنفيذ مثل هذه القرارات أو يفرضان عليها إيقاعًا أبطأ مما هو مأمول.
ومن هنا، يبقى التساؤل مطروحًا حول مدى قدرة الحلف على تحويل أجواء التوافق التي سادت القمة إلى سياسات تعاونية وتكاملية في الملفات الاستراتيجية الكبرى، ولا سيما في ظل ما اعتبره البعض بداية لتقليص الفجوة بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين. فنجاح هذه المرحلة لن يقاس بما صدر عن القمة من بيانات أو تعهدات، بل بقدرة الحلف على الحفاظ على هذا التوافق في مواجهة الأزمات المقبلة، خصوصًا أنَّ السياسة الأميركية في عهد ترامب ما زالت تتسم بنزعةٍ أحادية وصدامية في بعض الملفات، الأمر الذي يبقي احتمالات التوتر مع الحلفاء قائمة كلما تباينت المصالح أو اختلفت الأولويات.
في المحصّلة، جاءت استضافة تركيا للقمة في لحظةٍ بالغة الأهمية بالنسبة إلى أنقرة، في ظلِّ التحوّلات العميقة التي يشهدها الشرق الأوسط، والتي يُفترض أن تفضي، عاجلًا أم آجلًا، إلى ولادة نظام إقليمي جديد. ورغم أنَّ ملامح هذا النظام لم تتبلور بعد، كما إنَّ موعد تشكُّله لا يزال غير معروف، فإنَّ التطوّرات المتسارعة في المنطقة تعزز أهمية الدور التركي بوصفه أحد أبرز الفاعلين في رسم التوازنات الإقليمية الجديدة.
ويبرز هذا الدور بصورة أوضح بعد التحوّلات التي شهدتها سوريا وما رافقها من تبدّلات في موازين القوى، إذ تسعى أنقرة إلى توسيع حضورها في مختلف ملفات المنطقة، سواء من خلال تحركاتها المنفردة أو عبر التعاون مع قوى إقليمية أخرى ضمن صيغ متعددة، هدفها احتواء الأزمات المتفاقمة والحد من تداعياتها على الأمن والاستقرار الإقليميين.
وفي هذا السياق، تبدو العلاقة بين البُعدَين الأطلسي والإقليمي في السياسة التركية أكثر ترابطًا من أيِّ وقتٍ مضى. فعضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي تمنحها أوراق قوة إضافية في الشرق الأوسط، فيما يعزز حضورها الإقليمي المتنامي مكانتها داخل “البيت الأطلسي”. ومن هنا، فإنَّ قدرة أنقرة على الموازنة بين هذين البُعدَين ستبقى أحد العوامل المؤثرة في دورها الإقليمي، كما في موقعها داخل الحلف، خلال المرحلة المقبلة.
- الدكتور ناصيف يوسف حتّي هو أكاديمي، مُحلِّل سياسي، ديبلوماسي متقاعد، ووزير خارجية لبنان الأسبق. كان سابقًا المُتَحدِّث الرسمي باسم جامعة الدول العربية ولاحقًا رئيس بعثتها في فرنسا والفاتيكان وإيطاليا، والمندوب المراقب الدائم لها لدى منظمة اليونسكو.
