الإعلام السعودي… صناعةٌ جديدة تَبحَثُ عن مكانها بين الاقتصاد والقوّة الناعمة (1 من 3)

لم يَعُد الإعلامُ مجرّد وسيلة لنقل الأخبار، بل أصبح صناعة اقتصادية وركيزة من ركائز القوة الناعمة في العالم. وفي السعودية، يتجاوز التحوُّل الجاري تحديث المؤسسات الإعلامية إلى محاولة بناء اقتصاد إبداعي جديد، يطرح أسئلة تتعلق بالمنافسة والاستدامة والتأثير. في هذه السلسلة، (من 3 حلقات)، تقرأ “أسواق العرب” هذا التحوّل في سياقه العربي والدولي، بعيدًا من الانطباعات والأحكام المسبقة.

وزير الإعلام السعودي سلمان يوسف الدوسري: “إعلامنا الأقوى والأكثر تأثيرًا وانتشارًا عربيًا”.

الحلقة الأولى

الإعلامُ السعودي… من إدارة الخبر إلى اقتصادِ المحتوى

 

راغب الشيباني*

قلّما يحظى الإعلامُ بمكانة متقدِّمة في الخطط الاقتصادية للدول، لكن المملكة العربية السعودية اختارت أن تجعله أحد محرّكات اقتصادها الجديد.

عندما أُطلقت رؤية السعودية 2030 في ربيع عام 2016، انشغل معظم المراقبين بما حملته من وعود اقتصادية تتعلّق بتنويع مصادر الدخل، وتقليص الاعتماد على النفط، وتوسيع دور القطاع الخاص. لكن خلف تلك العناوين الكبرى كان ثمة تحوُّل آخر، أقل صخبًا وأكثر عمقًا، يتعلّق بإعادة تعريف الإعلام نفسه. فبعد أن ظلَّ لعقود يُعامَل بوصفه قطاعًا خدميًا يقتصر دوره على نقل الأخبار وإدارة الخطاب العام، بدأ يتحوَّل تدريجًا إلى صناعةٍ اقتصادية وثقافية، وإلى أحد مكوِّنات ما يُعرَف اليوم بـ”الاقتصاد الإبداعي”.

هذا التحوُّل لم يكن مجرّد تعديل إداري أو تغيير في الهيكل التنظيمي للمؤسسات الإعلامية، بل جاء انعكاسًا لتغيُّر عالمي في مفهوم الإعلام. ففي القرن الحادي والعشرين، لم يعد الإعلام صناعة منفصلة عن الاقتصاد أو التكنولوجيا، بل أصبح نقطة التقاء بينهما. فمنصّات البث الرقمي، وشركات الألعاب الإلكترونية، وصناعة السينما، والإعلان الرقمي، والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، كلها باتت تنتمي إلى المنظومة الإعلامية الجديدة، التي أصبحت من أسرع القطاعات نموًّا في الاقتصادات المتقدّمة.

ومن هنا، فإنَّ السؤال لم يعد: كيف تدير الدولة وسائل الإعلام؟ بل أصبح: كيف تبني صناعة إعلامية قادرة على إنتاج القيمة الاقتصادية والثقافية في آنٍ واحد؟

في هذا السياق، تبدو التجربة السعودية واحدة من أكثر التجارب العربية طموحًا. فهي لا تحاول تحديث وسائل الإعلام التقليدية فحسب، وإنما تسعى إلى بناء منظومة إعلامية جديدة، ترتبط بالاستثمار، والتقنية، والإبداع، وتنافس على مكان في سوق عالمية تتغيّر قواعدها بوتيرة غير مسبوقة.

الإعلام في عصر المنصّات

شهدت صناعة الإعلام خلال العقدين الأخيرين تحوُّلًا جذريًا غيَّرَ معايير نجاحها. فعدد الصحف والقنوات لم يعد المؤشر الحاسم، بعدما أصبحت القيمة الحقيقية تُقاس بقدرة المؤسسات على إنتاج المحتوى، وإدارة البيانات، وتطوير الملكية الفكرية، والوصول إلى الجمهور عبر المنصات الرقمية. وبذلك انتقل الإعلام من كونه قطاعًا تقليديًا إلى صناعةٍ تتقاطع فيها التكنولوجيا والاقتصاد والإبداع.

فالإعلام العالمي يعيش منذ سنوات ثورة غير مسبوقة، دفعت مؤسسات عريقة إلى إعادة تعريف نفسها بالكامل. صحيفة مثل “نيويورك تايمز” لم تعد تُعرّف نفسها بأنها صحيفة، بل شركة محتوى رقمي. وشركات مثل “نتفليكس” و”ديزني” لم تعد مجرد منصات ترفيه، بل مؤسسات إعلامية تعتمد على البيانات والذكاء الاصطناعي وتحليل سلوك الجمهور بقدر اعتمادها على الإنتاج الفني.

وتشير تقارير “برايس ووترهاوس كوبرز” (PricewaterhouseCoopers) إلى أنَّ قطاع الإعلام والترفيه العالمي سيواصل النمو خلال السنوات المقبلة، مدفوعًا بالتحوُّل الرقمي، والإعلانات القائمة على البيانات، وصناعة الألعاب الإلكترونية، ومنصات البث عند الطلب. وهذا يعني أنَّ المنافسة لم تعد بين صحيفة وأخرى أو قناة وأخرى، بل بين منظومات متكاملة تنتج المحتوى، وتوزّعه، وتبيعه، وتُعيد تدويره عبر عشرات المنصات.

السعودية قرأت هذه التحوُّلات مبكرًا. ولهذا لم تعد تتعامل مع الإعلام بوصفه قطاعًا خدميًا، بل باعتباره استثمارًا طويل الأجل في الاقتصاد وفي صورة الدولة معًا.

عندما يصبح الإعلام جُزءًا من الاقتصاد

ربما يكون أكثر ما يلفت الانتباه في تقرير “حالة الإعلام في السعودية وفرص الاستثمار 2025” أنه لا يبدأ بالحديث عن الصحافة أو التلفزيون، وإنما بالحديث عن الاقتصاد.

فالتقرير يضع الإعلام ضمن منظومة الاقتصاد الإبداعي، ويقدّر أن ترتفع مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي من نحو 16 مليار ريال في عام 2024 إلى 47 مليار ريال بحلول عام 2030، مع توفير نحو 150 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة. كما يتوقع أن يصل حجم السوق الإعلامية إلى نحو 41 مليار ريال خلال الفترة نفسها، مدفوعًا بالنمو الرقمي، والاستثمار، وارتفاع الطلب على المحتوى المحلي.

هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات مالية، بل تعكس تغيُّرًا في فلسفة الدولة تجاه الإعلام.

فالقطاع لم يعد يُنظر إليه بوصفه مستهلكًا للإنفاق الحكومي، بل باعتباره قطاعًا إنتاجيًا يمكن أن يضيف قيمة اقتصادية، ويولّد الوظائف، ويجذب رؤوس الأموال، تمامًا كما تفعل قطاعات السياحة أو التقنية أو الخدمات اللوجستية.

وهذه المقاربة ليست سعودية فقط، بل أصبحت اتجاهًا عالميًا. فوفق منظمة اليونسكو، أصبحت الصناعات الثقافية والإبداعية من أسرع القطاعات نموًّا، وتسهم بأكثر من 3 في المئة من الناتج الاقتصادي العالمي، فيما يعمل فيها عشرات الملايين من الأشخاص حول العالم.

لكن الفرق أنَّ السعودية تحاول بناء هذه الصناعة في فترة زمنية قصيرة نسبيًا، بينما احتاجت تجارب أخرى إلى عقود طويلة حتى وصلت إلى ما هي عليه اليوم.

لماذا الآن؟

السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا اختارت المملكة هذا التوقيت تحديدًا لتضع الإعلام ضمن أولوياتها الاقتصادية؟

الجواب يرتبط بثلاثة عوامل متداخلة.

العامل الأول ديموغرافي. فالمملكة تمتلك واحدًا من أكثر المجتمعات شبابًا في المنطقة، إذ يُشكّل مَن هم دون الخامسة والثلاثين نحو 71 في المئة من السكان، وهي شريحة تُعد الأكثر استهلاكًا للمحتوى الرقمي، والأكثر تفاعُلًا مع المنصّات الجديدة.

العامل الثاني تقني. فالسعودية تتمتّع بمعدّلات مرتفعة في استخدام الإنترنت والهواتف الذكية، ما جعلها واحدة من أكبر الأسواق الرقمية في الشرق الأوسط. ولم يعد المواطن ينتظر نشرة الأخبار المسائية أو الصحيفة الصباحية؛ بل يعيش داخل تدفُّق متواصل من المحتوى عبر الهاتف المحمول.

أما العامل الثالث فهو اقتصادي. فتنويع مصادر الدخل يتطلّب بناء قطاعات جديدة قادرة على النمو خارج الاقتصاد النفطي، والإعلام أحد هذه القطاعات، ليس فقط بسبب حجمه، وإنما أيضًا بسبب تأثيره في قطاعات أخرى، مثل السياحة، والترفيه، والتعليم، والتقنية، والإعلان.

الاستثمار في المحتوى… لا في المباني

خلال السنوات الأخيرة، استثمرت المملكة في بناء استوديوهات، ومناطق إنتاج، ودور سينما، ومنصات رقمية، ومهرجانات إعلامية، وشراكات مع شركات عالمية.

لكن التجارب الدولية تؤكد أنَّ البنية التحتية، مهما بلغت جودتها، ليست سوى بداية الطريق. فالاقتصاد الإعلامي لا يقوم على المباني، بل على المحتوى.

ولعل أفضل مثال على ذلك شركات مثل “نتفليكس” (Netflix) أو “ديزني” (Disney) أو “وورنر براذرز ديسكفري” (Warner Bros. Discovery)، التي لا تُقاس قيمتها بعدد الاستوديوهات التي تمتلكها، بل بحجم مكتبتها من الأعمال، وما تملكه من حقوق ملكية فكرية قادرة على تحقيق الإيرادات لعقود.

ومن هنا، يصبح السؤال الحقيقي: هل يستطيع الإعلام السعودي إنتاج محتوى يعيش خارج السوق المحلية؟

هذا هو التحدي الذي سيحدد نجاح التجربة من عدمه. فالمحتوى المحلي لا ينجح لأنه محلي، وإنما لأنه جيد بما يكفي ليشاهده الآخرون.

ولهذا ركز تقرير “حالة الإعلام في السعودية وفرص الاستثمار 2025” على تطوير “السردية السعودية”، وزيادة إنتاج المحتوى العربي عالي الجودة، وتعزيز الصناعات الإبداعية، باعتبارها عناصر أساسية في بناء صناعة إعلامية مستدامة.

لكن صناعة المحتوى ليست مشروعًا يمكن إنجازه بقرار إداري. إنها عملية تراكمية تحتاج إلى كتّاب، ومخرجين، وصحافيين، وموسيقيين، ومصممين، ومطورين، وإلى بيئة تسمح للمواهب بالنمو، وللأفكار بأن تتحوّل إلى منتجات قادرة على المنافسة.

الإعلام… بوصفه قوة ناعمة

لا يقتصر الرهان السعودي على العائد الاقتصادي وحده.

فالإعلام يؤدي أيضًا وظيفة سياسية وثقافية تتعلق بما يسميه الباحث الأميركي جوزيف ناي “القوة الناعمة”، أي القدرة على التأثير في الآخرين من خلال الثقافة والفنون والأفكار، وليس عبر الاقتصاد أو القوة العسكرية.

وقد نجحت دول عديدة في بناء هذا النوع من النفوذ؛ فالولايات المتحدة فعلت ذلك عبر هوليوود، وكوريا الجنوبية عبر الدراما والموسيقى، وتركيا عبر المسلسلات التي وصلت إلى عشرات الأسواق العالمية.

وفي هذا الإطار، يبدو أنَّ المملكة تسعى إلى بناء نموذجها الخاص، من خلال الاستثمار في السينما، والموسيقى، والنشر، والبث الرقمي، والألعاب الإلكترونية، بما يتيح تقديم صورة أكثر تنوُّعًا عن المجتمع السعودي، ويعزز حضور الثقافة المحلية في الفضاء العربي والدولي.

لكن القوة الناعمة لا تُشترى بالمال وحده. إنها تُبنى عندما يصبح المنتج الثقافي قادرًا على جذب الجمهور لأنه جيد، لا لأنه مدعوم. فالتأثير الحقيقي لا يُفرض، بل يُكتَسَب.

ما تحقق في السعودية خلال أقل من عقد يبرر الحديث عن تحوُّل حقيقي في موقع الإعلام داخل الاقتصاد الوطني. لكن التجارب الكبرى لا تُقاس بسرعة الانطلاق، بل بقدرتها على الاستمرار. فالاستثمار يستطيع أن يبني المدن الإعلامية، ويطور الأنظمة، ويستقطب الشركات، لكنه لا يستطيع وحده أن يختصر الزمن اللازم لبناء تقاليد مهنية أو إنتاج محتوى يفرض نفسه في سوق مفتوحة. ومن هنا، فإنَّ الاختبار الحقيقي يبدأ الآن: هل ينجح الإعلام السعودي في الانتقال من مرحلة التأسيس إلى مرحلة الصناعة، بحيث يصبح منتجًا دائمًا للقيمة الاقتصادية والثقافية، لا مجرد قطاع يستفيد من زخم الاستثمار؟

في الحلقة الثانية: المنافسة على العاصمة الإعلامية العربية… أين تقف السعودية بين القاهرة ودبي والدوحة وبيروت؟

Exit mobile version