هنري زغيب*
على خطوط النار، بين الخوف والخطر، يقفُون. في الليل، في برد الليل، في لفح الرياح الباردة، طوال الليل حتى وصول الصبح، يقفون. بين قذيفةٍ قد تسقط، وصاروخ دمَّر مبنًى على ما فيه ومن فيه، يقفون. في مراكز الإِيواء وخيام المهجَّرين في الشوارع وعلى الأَرصفة، يقفون. في أَحياء القصف وبين الدمار، اللحظةَ في راهنها ينقُلون، كأَن المشاهدين على شرفات منازلهم يتابعون. هو الإِعلام اليوم ومضةً ومضةً يَبلُغنا بدون أَيِّ جهدٍ منا، بفضلهم وهم ساهرون، نابهون، ينتظرون.
وراء الكاميرا فريقُ تصوير، أَمام الكاميرا مراسلةٌ أَو مراسل، في النهار، في الليل، تحت المطر، تحت حُرقة الشمس، فوق دمار مبنى تفجَّر، بين أَهالي حيٍّ تهجَّر، يحاورون، يستطلعون، يَنقلون بالصورة ما يراقبون، لا يحمي رؤُوسَهم سوى خوذة عليها كلمة “صحافة”، ولا ورقةَ في كفِّهم بل ميكروفون أَعزل يوصلون به إِلينا ما ينقلون. وقد تنفجر حدَّهم قذيفةٌ فيسقُطون… هؤَلاء هم أَعضاء فريق المراسلات والمراسلين، أَمام الكاميرا ووراءَها. وقد يتعرَّضون لحوادث من حيثُما هم، بين ناس يهاجمونهم، أَو ناس يشكرونهم. سوى أَنهم يُكْملون.
ثلاث نقاط لافتة في تقاريرهم:
الأُولى: طُول رسالتهم، يؤَدُّونها غيبًا، بالفصحى أَو بالمحكية، بكلِّ ما في طولها من أَسماء ووقائع وأَرقام وأَعداد.
الثانية: إِتقانُهم الفصحى يلفُظونها بدقَّةٍ جُلُّها صحيح، في سلاسة وذَرَابة وطلاقة، كأَنهم يقرأُون ما ينقلون من معلومات.
الثالثة: تمتُّعُهم، رغم حراجة المكان الذين هُم فيه، بصفاءِ ذهنٍ وذاكرةٍ يُساعدهم على إِلقاء تقريرهم بتَسلسُل ووضوح.
ذات فترة، حين كنا نتابع أَحداثًا عالَمية من شاشات عالَمية كبرى، كنا نُعجَب من فريق مراسِلاتها ومراسِليها، ينقلون تقارير مسْهَبةً عن الأَحداث، في طول نصوص وطلاقة أَداء. ولربما حاولنا التمني أَن يكونَ لدينا فريقٌ لبنانيٌّ بهذه المواصفات. سوى أَن تمنياتنا تحقَّقت، وإِذا في ستوديُوَات التلفزيون اللبنانية أَكثرُ من فريقٍ يعمل باحترافية عالية: كتابةً في غُرف التحرير، أَو بثًّا في نشرات الأَخبار والملحقات الطارئة، أَو رسائلَ من الميدان حيثُما الميدان بين الريح والخطر.
هؤُلاء هم المعلومون أَمامنا على الشاشات، أَو المجهولون خلف الكاميرات، أَو المغامرون والمعرَّضون خارجًا أَمام الكاميرات، من صبايا مُذيعات ومُراسِلات، ومُذيعين ومراسِلين، نتابعهم ونحن مسترخون مرتاحون ممدَّدون على مقاعدنا الوثيرة في غرفنا الدافئة، فيما هم على شاشاتنا يواجهون التعب أَو الخطر، من أَجل أَن ينقلوا إِلينا الخبر والحدَث والمقابلة، حاصدين منا كلَّ إِعجاب، إِلَّا أُولئك الذين لا يُعجبهم عجب، متشائمون دائمًا، سلبيُّون دائمًا، شكَّاكون دائمًا، نقَّاقون دائمًا، يفتشون عن تفاصيلَ تافهةٍ ليحرُموا أُولئك الأَحباب المراسِلات والمراسلين من خاطرةِ تقديرٍ أَو دعاءٍ لهم بالسلامة.
بلى: التقدير والدعاء. ففيما نحن، عند أَقل هزَّة أَمنية، نَقْبع في بيوتنا آمنين مطمئنِّين، يخرُجون هم إِلى ساحات الخطَر، ينقلُون إِلى الآمنين منا ما يحدُث خارجًا في شارع، في حي، في ساحة، على جسر، بين دمار وخراب ونيران، ونحن نتلقَّى. فلا أَقلَّ من أَن ندعو لهم بكلمة وفاء.
بلى: هؤُلاء الأَحباب، من مصوِّرين شركاء في الخطر، ومذيعاتٍ ومذيعين في وجه الخطر، كلُّ ما يطلبونه منا: لحظةُ دعاء لهم بالسلامة، كي يعودوا من قلب الخطر إِلى قلوب أُسَرهم سالماتٍ وسالمين، آمناتٍ وآمنين.
هي هذي قبلةُ وفاءٍ على جبينهنَّ وجبينهم، أُولئك الزميلات والزملاء، في الصحافة والإِذاعة والتلفزيون… إِنهم رسُل الإِعلام المحترف المسؤُول. وما أَحوجنا اليوم، وسْطَ ما نحن عليه، إِلى كلِّ كلامٍ محترفٍ مسؤُول.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
