أعاد السابع من تشرين الأول (أكتوبر) القضية الفلسطينية إلى قلب الاهتمام الإقليمي والدولي، لكنه أعاد أيضًا سؤالًا أكثر إلحاحًا إلى الفلسطينيين أنفسهم: هل يمتلكون اليوم مشروعًا وطنيًا وقيادةً سياسية قادرَين على استثمار هذا التحوُّل التاريخي، أم أنَّ القضية باتت أكبر من مؤسساتها؟
القضيّة التي عادت… والقيادة التي غابت
كابي طبراني*
إذا كان السابع من تشرين الأول (أكتوبر) قد أعاد القضية الفلسطينية إلى قلب الشرق الأوسط، فإنَّه أعاد، في الوقت نفسه، سؤالًا أكثر تعقيدًا إلى الفلسطينيين أنفسهم: مَن يقود المشروع الوطني الفلسطيني اليوم؟
فعودة فلسطين إلى صدارة الاهتمام الدولي لا تعني بالضرورة عودة المشروع الوطني الفلسطيني إلى الحياة. فثمة فرق كبير بين أن تستعيدَ القضية حضورها في الإقليم والعالم، وبين أن يمتلك أصحابها قيادة سياسية قادرة على تحويل هذا الحضور إلى فرصة تاريخية. وقد تكون هذه المفارقة هي أبرز ما كشفته الحرب؛ إذ بينما استعادت القضية الفلسطينية مركزيتها بعد سنوات من التهميش، بقي النظام السياسي الفلسطيني أسير الأزمات نفسها التي رافقته خلال العقدين الماضيين.
ولعلَّ هذا التناقض ليس وليد السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، بل هو نتاجُ مسارٍ طويل بدأ قبل ذلك بسنوات. فالتحوّلات التي أصابت الحركة الوطنية الفلسطينية لم تكن نتيجة الحرب الأخيرة، وإنما نتيجة تراكمات سياسية ومؤسساتية وتنظيمية جعلت المشروع الوطني يفقد تدريجًا قدرته على مواكبة التحوّلات التي شهدتها القضية نفسها.
غير أنَّ اختزالَ هذه الأزمة في غياب القيادة وحده يبقى تبسيطًا لمشكلة أكثر تعقيدًا. فالقضية الفلسطينية لم تفقد حضورها، بل استعادت، بعد السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، موقعها في قلب الاهتمام الإقليمي والدولي. أما الذي دخل في أزمة حقيقية، فهو الإطار السياسي الذي يُفتَرَض أن يحمل هذه القضية ويُحوّلها إلى مشروعٍ وطني قادر على التفاعل مع المتغيّرات الكبرى.
فليست المشكلة أنَّ الفلسطينيين يفتقرون إلى قضية جامعة، بل إنَّ هذه القضية باتت، في كثيرٍ من الأحيان، أكبر من المؤسسات التي تمثّلها، وأوسع من الأدوات السياسية التي تُديرها. ومن هنا، لم يعد السؤال المطروح يقتصر على هوية القيادة أو شكل السلطة، بل أصبح يتعلق بقدرة النظام السياسي الفلسطيني نفسه على تجديد شرعيته، واستعادة وحدته، وإعادة إنتاج مشروع وطني يستجيب لمرحلة تختلف جذريًا عن تلك التي نشأت فيها مؤسّساته الحالية.
القضية التي استعادت حضورها… والمشروع الذي فقد بوصلته
في العقود الأولى من الصراع، لم تكن القضية الفلسطينية مجرّد قضية أرض محتلة، بل كانت أيضًا مشروعًا سياسيًا واضح المعالم، يمتلك قيادة معترفًا بها، وإطارًا جامعًا، ورؤية وطنية، رُغمَ كل ما شابها من تباينات وخلافات. فقد نجحت منظمة التحرير الفلسطينية، منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، في تكريس نفسها ممثلًا شرعيًا ووحيدًا للشعب الفلسطيني، ليس فقط بقرار عربي ودولي، بل لأنها استطاعت أن تجمع معظم القوى السياسية الفلسطينية تحت مظلة وطنية واحدة، وأن تُقدّمَ نفسها إطارًا سياسيًا يعبّر عن الفلسطينيين داخل فلسطين وخارجها.
وقد شكّل هذا الإنجاز أحد أهم عناصر القوة الفلسطينية طوال عقود. فحتى عندما اختلف الفلسطينيون على الوسائل، ظلَّ الاتفاق قائمًا على المرجعية الوطنية الجامعة. وكانت منظمة التحرير، بكل ما تعرّضت له من انتقادات، تمثل الإطار الذي يمنح المشروع الوطني وحدته السياسية، ويحول دون تحوُّل التعدّدية إلى انقسامٍ وجودي.
غير أنَّ هذا المشهد بدأ يتغير تدريجًا بعد اتفاق أوسلو عام 1993.
فمع قيام السلطة الفلسطينية، انتقل مركز الثقل السياسي من منظمة التحرير إلى مؤسسات السلطة الناشئة في الضفة الغربية وقطاع غزة. وأصبح الاهتمام مُنصبًّا على بناء مؤسسات الحكم والإدارة والأمن، فيما تراجع، بصورة تدريجية، الدور الجامع الذي كانت تضطلع به منظمة التحرير بوصفها مرجعية وطنية للفلسطينيين في كل أماكن وجودهم.
في ذلك الوقت، بدا هذا التحوُّل طبيعيًا، لأنَّ كثيرين اعتقدوا أنَّ المرحلة الانتقالية التي نصَّ عليها اتفاق أوسلو ستقود، خلال سنوات قليلة، إلى قيام الدولة الفلسطينية المستقلة. ولذلك، جرى التعامل مع السلطة باعتبارها نواة الدولة المقبلة، وليس كبديلٍ من المشروع الوطني أو من مؤسّساته الجامعة.
لكن التطوّرات اللاحقة سارت في اتجاهٍ مختلف تمامًا.
فالمفاوضات دخلت طريقًا مسدودًا، والاستيطان الإسرائيلي توسّع بصورة غير مسبوقة، فيما أخذت المرحلة الانتقالية تتحوّل إلى واقع دائم، من دون أن تقترب الدولة الفلسطينية من التحقق. ومع مرور الوقت، أصبحت السلطة الفلسطينية تدير واقع الاحتلال أكثر مما تدير مرحلة انتقالية نحو إنهائه، بينما أخذت منظمة التحرير تتراجع تدريجًا عن موقعها المركزي في الحياة السياسية الفلسطينية.
من الوحدة الوطنية إلى الانقسام البنيوي
ثم جاء الانقسام الفلسطيني عام 2007 ليحدث التحوُّل الأكثر خطورة.
فمنذ سيطرة حركة “حماس” على قطاع غزة، لم يعد الفلسطينيون يعيشون انقسامًا سياسيًا بين برنامجين أو رؤيتين، بل أصبحوا أمام نظامين سياسيين، وسلطتين، وأجهزتين إداريتين وأمنيتين، بل وخطابين مختلفين في إدارة الصراع مع إسرائيل.
ولم يكن أخطر ما في هذا الانقسام أنه قسّمَ الجغرافيا الفلسطينية، بل أنه أصاب فكرة التمثيل الوطني نفسها. فمنذ ذلك التاريخ، لم يعد السؤال المطروح: أي برنامج سياسي هو الأجدى؟ بل أصبح السؤال: مَن يُمثّل الفلسطينيين؟
وهنا بدأت الأزمة تتجاوز حدود الخلاف بين حركتي “فتح” و”حماس”، لتطال البنية السياسية الفلسطينية بأكملها.
فمنظمة التحرير بقيت تتمتع باعترافٍ عربي ودولي بوصفها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، لكنها لم تعد تضمُّ جميع القوى الفاعلة، وفي مقدمها “حماس” و”الجهاد الإسلامي”. وفي المقابل، اكتسبت “حماس” حضورًا سياسيًا وعسكريًا وشعبيًا لا يمكن تجاهله، لكنها بقيت خارج الإطار الوطني الجامع، الأمر الذي جعل الساحة الفلسطينية تعيش ازدواجية في الشرعية والتمثيل، انعكست على مجمل الحياة السياسية الفلسطينية.
ومع مرور السنوات، لم تعد المشكلة تقتصر على استمرار الانقسام، بل امتدت إلى مؤسسات النظام السياسي نفسها.
فالمجلس الوطني الفلسطيني لم يعد يعكس بصورة كاملة التحوّلات التي شهدها المجتمع الفلسطيني، والمجلس التشريعي توقف عمليًا عن أداء دوره، والانتخابات العامة غابت منذ سنوات طويلة، فيما أصبحت مؤسسات السلطة ومنظمة التحرير تعاني أزمة متزايدة في التجديد والتمثيل وإنتاج القيادات الجديدة.
ولذلك، فإنَّ الحديث عن أزمة النظام السياسي الفلسطيني اليوم لا يتعلق فقط بوجود انقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وإنما يتصل أيضًا بتراجع قدرة المؤسسات الوطنية على استيعاب التحوّلات الكبرى التي أصابت المجتمع الفلسطيني، سواء داخل الأراضي الفلسطينية أو في الشتات.
ومن هنا، فإنَّ السابع من تشرين الأول (أكتوبر) لم يخلق هذه الأزمة، لكنه وضعها أمام اختبارٍ غير مسبوق.
فللمرة الأولى منذ سنوات طويلة، عادت القضية الفلسطينية إلى صدارة المشهدين الإقليمي والدولي، فيما وجد الفلسطينيون أنفسهم أمام لحظة تاريخية لا يمتلكون فيها قيادة مُوَحَّدة، ولا مؤسسة وطنية جامعة قادرة على استثمار هذا التحوُّل، ولا رؤية سياسية متوافقًا عليها بشأن اليوم التالي للحرب.
وهذه المفارقة ربما تكون الأخطر منذ قيام السلطة الفلسطينية.
فالقضية استعادت حضورها… لكن المشروع الوطني لم يستعِد وحدته. والتعاطف الدولي مع الفلسطينيين ازداد بصورةٍ غير مسبوقة… لكن المؤسسات الفلسطينية لم تنجح، حتى الآن، في تحويل هذا التحوّل إلى قوة سياسية منظمة.
وهنا، تحديدًا، تبدأ المرحلة الثانية من الأزمة، لأنها لم تعد أزمة انقسام سياسي فحسب، بل أصبحت أزمة تمثيل وطني، وأزمة قدرة على إنتاج قيادة جديدة تواكب التحوّلات التي أعادها السابع من تشرين الأول (أكتوبر) إلى قلب الشرق الأوسط.
وهذا ما يقود إلى السؤال الأكثر حساسية: هل تكمن أزمة الفلسطينيين في غياب القيادة، أم في طبيعة المشروع السياسي نفسه؟ وهل يكفي إصلاح المؤسسات القائمة، أم أنَّ المرحلة التي دخلتها القضية الفلسطينية تفرض إعادة بناء النظام الوطني برمته؟
أزمة التمثيل… حين أصبحت القضية أكبر من مؤسساتها
لكن اختزال الأزمة الفلسطينية في مسألة القيادة وحدها قد يكون قراءة ناقصة للمشهد. فالقيادات، مهما بلغت أهميتها، تبقى انعكاسًا لطبيعة النظام السياسي الذي أنتجها. وإذا كان هذا النظام قد دخل، منذ سنوات، مرحلة من الجمود، فإنَّ الأزمة لم تعد أزمة أشخاص بقدر ما أصبحت أزمة مشروع وطني يبحث عن إعادة تعريف نفسه في ظلِّ تحوُّلات لم يشهدها الصراع منذ عقود.
فالمشهد الفلسطيني اليوم يختلف جذريًا عمّا كان عليه قبل ثلاثين عامًا. ففي مرحلة الثورة الفلسطينية، كان الهدف الجامع هو تحرير الأرض واستعادة الهوية الوطنية. وبعد اتفاق أوسلو، انتقل المشروع إلى هدف إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة عبر التسوية السياسية. أما اليوم، فإنَّ الفلسطينيين يجدون أنفسهم أمام واقع أكثر تعقيدًا؛ إذ لم تتحقق الدولة، وتراجعت فرص التسوية، فيما فرض الاحتلال وقائع جديدة على الأرض، وأصبح الانقسام الداخلي جُزءًا من المشهد السياسي المُستدام.
هذه التحوّلات لم تُضعِف المؤسسات الفلسطينية فحسب، بل دفعت إلى تآكل المرجعية الوطنية المشتركة التي كانت، لعقود، الإطار الذي يحتكم إليه الجميع عند الاختلاف.
ولذلك، فإنَّ السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لم يعد: من يحكم الفلسطينيين؟ بل أصبح: ما هو المشروع الوطني الذي يُفتَرَض أن يجتمع الفلسطينيون حوله؟
فالخلاف لم يعد يدور حول وسائل النضال وحدها، ولا حول شكل العلاقة مع إسرائيل، بل تجاوز ذلك إلى طبيعة المرحلة نفسها. هل لا يزال حل الدولتين يشكّل الهدف الواقعي للمشروع الوطني؟ وهل ما زالت اتفاقات أوسلو تمثل المرجعية السياسية؟ وهل الأولوية اليوم لإدارة السلطة، أم لإعادة بناء الحركة الوطنية؟ وهل المطلوب إعادة إحياء المؤسسات القائمة، أم تأسيس عقد وطني جديد يستجيب للتحوّلات التي فرضتها السنوات الأخيرة؟
هذه الأسئلة لم تعد نظرية. فالحرب الأخيرة وضعتها أمام اختبارٍ عملي.
لقد أثبت السابع من تشرين الأول (أكتوبر) أنَّ القضية الفلسطينية استعادت حضورها في الوعي الدولي، لكن هذا الحضور، على أهميته، لن يتحول تلقائيًا إلى مكسب سياسي. فالتاريخ لا يمنح الشعوب فرصًا مفتوحة، بل لحظات محدودة تستطيع خلالها تحويل التحوّلات الكبرى إلى إنجازات استراتيجية، أو تضيّعها فتدخل مرحلة جديدة من المراوحة.
الفرصة التاريخية… هل يستطيع الفلسطينيون استثمارها؟
ولعلَّ هذا هو التحدّي الأكبر الذي يواجه الفلسطينيين اليوم.
فالعالم يتحدث مجددًا عن مستقبل غزة، وعن إعادة الإعمار، وعن الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وعن ضرورة إطلاق مسارٍ سياسي جديد. لكن الفلسطينيين أنفسهم لم يتفقوا بعد على المرجعية التي ستقود هذا المسار، ولا على المؤسسة التي ستتولى التفاوض باسمه، ولا على البرنامج السياسي الذي سيحدد أهدافه.
وهنا تكمن المفارقة.
ففي الوقت الذي عاد المجتمع الدولي إلى البحث عن “اليوم التالي” في غزة، لا يزال الفلسطينيون يبحثون عن “اليوم التالي” داخل نظامهم السياسي. ومن هنا، لا تبدو أزمة التمثيل مجرد أزمة قانونية أو تنظيمية، بل أزمة ثقة أيضًا.
فأجيالٌ فلسطينية كاملة نشأت بعد اتفاق أوسلو، ولم تشارك في انتخاب مؤسساتها الوطنية، ولم تختبر تداولًا للسلطة، ولم تشهد تجديدًا حقيقيًا في البنية السياسية. ومع مرور الوقت، اتسعت الفجوة بين المجتمع الفلسطيني ومؤسساته، حتى أصبحت شرعية كثير من هذه المؤسسات موضع نقاش داخلي، بصرف النظر عن الاعتراف العربي والدولي بها.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أنَّ حركة “حماس”، رغم حضورها السياسي والعسكري، لا تستطيع وحدها أن تشكل الإطار الجامع للفلسطينيين، لأنها تمثل جزءًا أساسيًا من المشهد الوطني، لكنها لا تختصره. كما إنَّ استمرارَ الانقسام يجعل أي مشروع سياسي، مهما كانت قوته، مشروعًا ناقصًا ما لم يستند إلى توافق وطني واسع يعيد توحيد المرجعية الفلسطينية.
ومن هنا، فإنَّ التحدي الحقيقي لا يكمن في استبدال قيادة بقيادة أخرى، ولا في إعادة توزيع الحصص بين الفصائل، بل في إعادة بناء فكرة الشراكة الوطنية نفسها.
لقد نجحت الحركة الوطنية الفلسطينية، في مراحل سابقة، في إنتاج إطار جمع الفلسطينيين على اختلاف توجّهاتهم السياسية والفكرية، وأتاح لهم مخاطبة العالم بصوتٍ واحد. أما اليوم، فإنَّ استعادة هذا الدور أصبحت شرطًا لأيِّ مشروعٍ سياسي يريد أن يستثمر التحوُّل الذي فرضه السابع من تشرين الأول (أكتوبر).
ولذلك، فإنَّ إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية لا تبدو مجرد استحقاق تنظيمي، بل ضرورة سياسية ووطنية. لكن نجاح هذا المسار لن يتحقق بمجرد توسيع عضويتها أو إعادة هيكلة مؤسساتها، بل يتطلب توافقًا على رؤية جديدة للمشروع الوطني، تأخذ في الاعتبار التحوّلات التي شهدها المجتمع الفلسطيني، والتغيرات التي أصابت الإقليم، والتحوّلات العميقة في طبيعة الصراع مع إسرائيل.
فالقضية الفلسطينية اليوم ليست كما كانت قبل عشرين عامًا، كما إنَّ الشرق الأوسط نفسه لم يعد هو الشرق الأوسط الذي نشأ فيه المشروع الوطني الفلسطيني. ولذلك، فإنَّ أيَّ محاولة لإعادة إنتاج الأدوات القديمة من دون مراجعة نقدية ستبقي الأزمة قائمة، مهما تبدلت الأسماء أو المؤسسات.
وربما يكون هذا هو الدرس الأهم الذي فرضه السابع من تشرين الأول (أكتوبر) على الفلسطينيين.
فإذا كانت الحرب قد أثبتت أنَّ القضية الفلسطينية ما زالت تمتلك قدرة استثنائية على إعادة تشكيل الإقليم، فإنها أثبتت أيضًا أنَّ هذه القدرة وحدها لا تكفي لبناء مستقبل سياسي مختلف. فالقضية قد تعود إلى العالم، لكن تحويل هذا الاهتمام إلى إنجازٍ تاريخي يبقى مسؤولية الفلسطينيين أنفسهم.
لقد أعادت الحرب الاعتبار إلى فلسطين بوصفها قضية لا يمكن تجاوزها. لكنها، في الوقت نفسه، أعادت طرح سؤال لم يعد بالإمكان تأجيله: هل يستطيع الفلسطينيون الانتقال من إدارة الانقسام إلى إعادة بناء مشروعهم الوطني؟
إنَّ الإجابة عن هذا السؤال لن تحدّدَ مستقبل النظام السياسي الفلسطيني فحسب، بل ستُحدد أيضًا قدرة القضية الفلسطينية على استثمار التحوّل الذي أعادها إلى قلب الشرق الأوسط، بعد أن ظنَّ كثيرون أنها أصبحت خارج معادلاته.
وهكذا، فإنَّ السابع من تشرين الأول (أكتوبر) لم يضع إسرائيل وحدها أمام مراجعة عميقة لخياراتها، ولم يُجبر المجتمع الدولي على إعادة النظر في مقاربته للقضية الفلسطينية فحسب، بل وضع الفلسطينيين أنفسهم أمام استحقاق تاريخي لا يقل أهمية: إما إعادة بناء البيت الوطني على أُسُسٍ أكثر تمثيلًا وفاعلية، وإمّا أن تبقى القضية أكبر من مؤسساتها، وأوسع من قدرتها على تحويل الإنجازات المعنوية إلى مشروع سياسي قابل للحياة.
ومن هنا، تقودنا الحلقة الثالثة إلى السؤال الأكثر تعقيدًا في هذه السلسلة: إذا كان السابع من تشرين الأول (أكتوبر) قد أعاد القضية الفلسطينية إلى صدارة العالم، فما هو الأفق السياسي الواقعي لهذه القضية؟ وهل ما زالت الدولة الفلسطينية ممكنة، أم أنَّ الصراع دخل مرحلة جديدة تتطلب إعادة التفكير في كل المسلمات التي حكمته منذ اتفاق أوسلو؟
- كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani
