كان الرهان أن تعيد الضربات على إيران رسم ميزان الردع في الشرق الأوسط، لكن المنطقة وجدت نفسها أمام واقع أكثر تعقيدًا: حرب بلا حسم تتسع جبهاتها، فيما يتحول الاستنزاف تدريجًا من تكتيك عسكري إلى معادلة إقليمية مفتوحة.
خالد الجابر*
قبل أشهر قليلة فقط، كان تقدير شريحة واسعة من الخبراء أنَّ الضربات الإسرائيلية-الأميركية على إيران ستُحدث تحوُّلًا في البيئة الاستراتيجية للشرق الأوسط، سواء عبر تعديل ميزان القوى الإقليمي وإضعاف قدرة طهران على الردع، أو من خلال دفعها إلى مراجعة حساباتها السياسية والعسكرية. وانطلقت هذه التقديرات من فرضية بدت واضحة في حينه: إما أن تؤدي الخسائر التي تتكبّدها إيران إلى إجبارها على التراجع، وإما أن تفتح المواجهة الطريق أمام تسوية سياسية تُعيدُ ترتيب المنطقة على أسس أكثر استقرارًا.
لكن مسار الأحداث اتجه، حتى الآن، في اتجاهٍ مختلف. فلا إيران تراجعت بالقدر الذي يسمح بالحديث عن حسمٍ استراتيجي، ولا المواجهة أنتجت تسوية سياسية قابلة للحياة. وبدلًا من ذلك، دخل الشرق الأوسط ما يمكن وصفه بـ”النفق المُغلَق”: لا سلام يلوح في الأفق، ولا حرب شاملة تنتهي بانتصار واضح يعيد رسم موازين القوى، وإنما حالة وسطية أكثر خطورة تتمثل في حرب استنزاف مفتوحة، بلا نهاية سياسية قريبة وبلا قدرة ظاهرة لأيِّ طرف على تحقيق حسم عسكري نهائي.
وتكمن خطورة هذا السيناريو في أنَّ الاستنزاف لم يعد مجرّد مرحلة عابرة تسبق التسوية، بل يُهدّدُ بالتحوُّل تدريجًا إلى حالة قائمة بذاتها وواحدة من السمات الناظمة للمنظومة الإقليمية. فالتصعيد المتبادل مستمر، والتهديد باستهداف المنشآت الحيوية حاضر في حسابات الأطراف، فيما تتراكم التداعيات على الأمن والاستقرار الإقليميين وعلى الاقتصاد الدولي.
وهنا لا يعود الخطر الأساسي استمرار الحرب إلى أن يحقق أحد أطرافها أهدافًا محددة، بل أن تصبح الحرب نفسها هي الوضع الطبيعي؛ أي أن يتحول غياب الاستقرار الأمني والاقتصادي إلى قاعدة مستدامة في الشرق الأوسط، وأن تتعايش دول المنطقة والأسواق الدولية مع مستوى دائم من المخاطر بدل انتظار نهاية واضحة للصراع.
المعركة تتجاوز حدودها
فالمواجهة لم تعد محصورة داخل إيران أو بينها وبين الولايات المتحدة وإسرائيل. لقد تمددت تداعياتها إلى مساحة جغرافية أوسع، وأصبحت دول عدة تجد نفسها، بدرجات متفاوتة، داخل دائرة الاستهداف أو الارتدادات الأمنية للحرب.
فدول الخليج لا تزال عرضة للتهديدات والهجمات المرتبطة بإيران ووكلائها في المنطقة، فيما تحوّل العراق إلى ساحةٍ مفتوحة تتعرض فيها الميليشيات والقواعد العسكرية للضربات على حد سواء. أما الأردن، فقد وجد نفسه في مرمى الهجمات والطائرات المسيّرة العابرة لأجوائه، بما يدفعه عمليًا إلى داخل مواجهة لم يكن طرفًا في قرار اندلاعها. ووصل نطاق الاستهداف حتى إلى مصر.
وفي اليمن والبحر الأحمر تحديدًا، أخذ التصعيد بُعدًا استراتيجيًا يتجاوز ساحته المحلية. فالضربات المتكررة لم تعد مجرّد عمليات عسكرية محددة الأهداف، بل أصبحت جُزءًا من واقع أمني يضغط على الملاحة الدولية ويرفع كلفة التجارة العالمية، ويدفع المنطقة إلى مرحلة جديدة من المخاطر الجيوستراتيجية التي تمس أحد أهم شرايين التجارة البحرية في العالم.
ويبقى مضيق هرمز في قلب هذه المعادلة، باعتباره إحدى أهم أوراق الضغط الاستراتيجية التي تمتلكها طهران. فمرور نحو خُمس استهلاك العالم من السوائل النفطية عبر المضيق، إلى جانب نسبة كبيرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية، يجعل أي اضطراب طويل الأمد فيه قضية تتجاوز إيران والخليج إلى أمن الطاقة والاقتصاد العالميين.
ومن هنا، فإنَّ المؤشر الأخطر ليس عدد الصواريخ بقدر ما هو عدد الجبهات. فحتى عندما لا ترتفع كثافة النيران بالوتيرة نفسها، فإنَّ اتساع الرقعة الجغرافية للمواجهة يمثّل في ذاته شكلًا بالغ الخطورة من التصعيد. وكلما أضيفت ساحة جديدة إلى خريطة الحرب، ازدادت احتمالات سوء التقدير واتسعت دائرة الأطراف المتأثرة بها، وأصبح احتواء النزاع أكثر تعقيدًا.
ويأتي ذلك فيما يتواصل المجهود الحربي الأميركي بوتيرة متصاعدة، مع تحركات وإمدادات مرتبطة ببريطانيا وألمانيا والبرتغال وبلغاريا، فضلًا عن إسرائيل التي تمثل إحدى أبرز نقاط الحشد الأميركي في المنطقة. وهو ما يعكس استعدادًا لاستمرار المواجهة، حتى في غياب مؤشرات إلى قرار أميركي بخوض حرب برية واسعة داخل إيران.
فواشنطن، وفق المسار القائم، لا تبدو راغبة في غزو بري لإيران في هذه المرحلة، وإن بقيت بعض السيناريوهات تتحدث عن احتمال عمليات أو إنزالات محدودة في بعض الجزر الإيرانية تبعًا لتطور العمليات العسكرية. ويستند هذا الحذر إلى درس متكرر في التجارب العسكرية الأميركية: كلفة إسقاط النظام الإيراني قد تكون أكبر بكثير من كلفة بقائه، فيما قد تكون تداعيات انهياره على المنطقة أخطر من استمرار مواجهته واحتوائه.
وفي المقابل، تستطيع إسرائيل توجيه ضربات دقيقة ومؤلمة إلى أهداف إيرانية، لكنها لا تستطيع بالقدرات الجوية وحدها إنهاء مجمل التهديد الذي تمثله طهران للعمق الإسرائيلي. فالتهديد الإيراني لم يكن يومًا محصورًا في منشآت عسكرية أو أهداف ثابتة يمكن تدميرها بالقصف، بل يرتبط أيضًا بشبكة سياسية وعقائدية وعسكرية ممتدة عبر أكثر من ساحة في المنطقة.
أما إيران، فدخلت المواجهة في ظلِّ تراجع في جانب من نفوذها السياسي، ومع تداول تقديرات في مراحل الحرب الأولى عن تراجع مخزونها من الصواريخ، قبل أن تبدأ مسارات لإعادة بناء هذه الترسانة. وفي ظل هذا الواقع، يبدو أنَّ الهدف الإيراني لم يعد تحقيق انتصار عسكري وسياسي تقليدي بقدر ما أصبح منع الخصوم من تحقيق انتصارهم.
وهذا فارق جوهري. فالدولة التي لا تستطيع حسم الحرب لمصلحتها قد تظل قادرة على رفع كلفة انتصار خصومها إلى مستوى يجعل هذا الانتصار نفسه بعيد المنال. ومن هنا يمكن فهم اتساع ساحات الضغط ومحاولة تحويل الشرق الأوسط بأسره إلى فضاء للاستنزاف المتبادل.
وعندما يصل الصراع إلى معادلة لا يستطيع فيها طرف تحقيق الحسم، فيما لا يستطيع أي طرف أيضًا تحمُّل كلفة الانسحاب أو الاعتراف بالهزيمة، تصبح شروط الحرب الطويلة أكثر رسوخًا. وهذه تحديدًا هي البيئة التي أنتجت تاريخيًا أكثر حروب الاستنزاف استعصاءً: حرب لا ينتصر فيها أحد، لكن الجميع يستمر في دفع ثمنها.
ملامح المشهد المقبل
اليوم تبدو ملامح المشهد الإقليمي أكثر وضوحًا. فخيار الغزو البري لإيران مستبعد في الوقت الراهن، فيما لا تلوح في الأفق مؤشرات جدية إلى إعلان نهاية الحرب. وفي المقابل، تتسع جغرافيا المواجهة وتداعياتها: منطقة الخليج تحت وطأة هجمات صاروخية متكررة، وجبهات التوتر تمتد من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر، مع احتمال انتقالها إلى ساحات لم تدخل بعد في الحسابات السياسية والأمنية، بينما يبقى مركز الحرب نفسه من دون حسم.
وهذا، في جانب أساسي منه، هو النموذج الذي تتقنه إيران وتراهن عليه: توسيع مساحة الصراع بحيث تصبح حدود المنطقة جبهات محتملة، والممرات البحرية أدوات للضغط السياسي، والوكلاء من غير الدول المرتبطون بالإيديولوجية الإيرانية وسائل لإطالة أمد المواجهة ورفع كلفتها على الخصوم.
وبذلك، لم تعد المعركة تقتصر على الدفاع عن الأراضي الإيرانية، بل باتت تقوم على توزيع كلفة الحرب على الآخرين. فأسعار النفط، وحركة الملاحة الدولية، وأمن الممرات البحرية، واستقرار الدول العربية، تتحوّل جميعها إلى عناصر في معادلة الردع والرد الإيرانية. وكلما تعذّر تحقيق الحسم المباشر، ازدادت أهمية القدرة على نقل تداعيات الحرب إلى خارج حدود إيران.
لكن الخطأ الأكبر سيكون الاعتقاد أنَّ هذا النمط من الصراعات أقل خطورة من الحرب الشاملة. فالحروب لا تصبح كارثية فقط عندما تنفجر دفعة واحدة، وإنما أيضًا عندما تتحوّل إلى حالةٍ دائمة يُعادُ إنتاجها يومًا بعد يوم. ضربة محدودة تستدعي ضربة مقابلة، وجبهة جديدة توفّر مبرّرًا لفتح جبهة أخرى، إلى أن تجد المنطقة نفسها أمام حرب لم يعلنها أحد رسميًا، لكنها أصبحت واقعًا يوميًا يستنزف الاقتصاد والأمن والسياسة والمجتمع.
وتكمن المعضلة في أنَّ كل طرف يعتقد أنه لا يزال قادرًا على التحكم في وتيرة التصعيد: يحدد موعد الرد وحجمه وحدوده، ثم يقرر متى يتوقف. غير أنَّ ديناميكيات الصراعات الممتدة كثيرًا ما تتجاوز حسابات الأطراف التي بدأت بها. والتجارب التاريخية تشير إلى أنَّ الحروب طويلة الأمد نادرًا ما تبقى خاضعة للقواعد التي وضعها المتحاربون عند بدايتها.
فحرب فيتنام، التي اتسع التدخل الأميركي فيها بصورة حاسمة بعد حادثة خليج تونكين والإعلان عن تعرض مدمرتين أميركيتين لهجوم قبالة السواحل الفيتنامية، تحوّلت إلى واحدة من أكبر المواجهات العسكرية التي خاضتها الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة. وتكررت، بصور مختلفة، معضلة الاستنزاف في العراق وأفغانستان. وفي أوروبا، تحولت “العملية العسكرية الخاصة” التي أعلنتها روسيا في أوكرانيا إلى واحدة من أبرز الحروب الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية.
والجامع بين هذه التجارب ليس تطابق ظروفها أو أسبابها، بل الدرس الذي تقدمه بشأن صعوبة السيطرة على الحروب بعد اتساعها: فحرب الاستنزاف تبدأ غالبًا بوهم القدرة على ضبط مسارها، ثم تنتهي بتآكل هذه القدرة تدريجًا.
والأكثر خطورة أنَّ الشرق الأوسط لا يمتلك اليوم ترف الدخول في دورة استنزاف طويلة. فالمنطقة كانت قد بدأت بالفعل مرحلة تاريخية لإعادة بناء اقتصاداتها وتنويع مصادر دخلها، وتسعى إلى ترسيخ موقعها مركزًا دوليًا للاستثمار والطاقة والتكنولوجيا، من خلال مشاريع تنموية طويلة الأمد. وهذه المشاريع تحتاج اليوم إلى الاستقرار الأمني بقدر حاجتها، وربما أكثر، إلى تدفقات إضافية من رؤوس الأموال.
أما استمرار الحرب، فيعني إعادة توجيه الأولويات والموارد: من التنمية إلى الدفاع، ومن الاستثمار إلى الأمن، ومن بناء المستقبل إلى إدارة الأزمات. وهذه ليست خسارة مالية يمكن تعويضها ببساطة في موازنة لاحقة، بل خسارة في الزمن والمصداقية الدولية والفرص المتاحة لتنفيذ الرؤى الوطنية بعيدة المدى.
فالمستثمر الذي يغيّر خططه بسبب المخاطر الجيوسياسية لا يعود بالضرورة بمجرد تراجعها مؤقتًا، وشركات الشحن التي تعيد رسم مساراتها وتعيد احتساب المخاطر والتكاليف لا تعود تلقائيًا إلى ترتيباتها السابقة لمجرد مرور المنطقة بفترة من الهدوء. ومع إطالة أمد الصراع، تصبح الكلفة الاقتصادية تراكمية، حتى في الدول التي لا تشارك مباشرة في العمليات العسكرية.
وفي ظل هذا الواقع، تراهن إيران على أنَّ استنزاف المنطقة يمكن أن يوفر حماية لنظامها عبر رفع كلفة الضغط عليه. لكن لهذه الاستراتيجية وجهًا آخر: فطهران تستهلك في الوقت نفسه ما تبقى من نفوذها الإقليمي، وقد تتحوّل تدريجًا من قوة تسعى إلى اكتساب الشرعية والتأثير في محيطها إلى عبءٍ أمني تسعى دول المنطقة إلى احتوائه.
وهنا تكمن مفارقة أخرى. ففي الوقت الذي قد تعتقد فيه طهران أنَّ الضربات المحدودة وتوزيع المواجهة على جبهات متعددة يمنعان اندلاع الحرب الكبرى، فإنَّ الاستمرار في هذه السياسة قد يقودها إلى مأزق مختلف: حرب طويلة لا تستطيع حسمها، وقد لا تمتلك في النهاية الموارد اللازمة للاستمرار فيها بالكلفة والوتيرة نفسيهما.
وفي المحصّلة، يبدو الشرق الأوسط أمام مرحلة قد تكون، في بعض جوانبها، أكثر خطورة من حرب شاملة قصيرة الأمد: حرب لا تنتهي، منخفضة الكثافة نسبيًا، لكنها مرتفعة الكلفة ومفتوحة جغرافيًا وسياسيًا. حرب يصعب الحديث فيها عن غالب ومغلوب، لأنَّ استمرارها يعني، قبل كل شيء، اتساع دائرة الخاسرين، وربما انضمام أطراف جديدة إليها.
وإذا استمرت هذه المعادلة، فلن يعود السؤال الأهم: متى تنتهي الحرب؟ بل كم دولة أخرى ستُستَدرَج إلى دائرة الصراع، وكم عامًا سيحتاج العالم إلى إدراك أنه لم يعد يتعامل مع أزمة عابرة، وإنما مع نظام إقليمي جديد يُدار بمنطق الاستنزاف الدائم.
- الدكتور خالد الجابر هو المدير العام لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، وهو يتميّز بخبرة واسعة وبمسيرة مهنية وأكاديمية طويلة في مجال التواصل السياسي وشؤون منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. كما شغل خلال مسيرته مناصب قيادية في عدد من مراكز الفكر والمؤسّسات البحثيّة، من بينها مركز الشرق للدراسات والبحوث، وشغل منصب رئيس تحرير صحيفة “ذا بنينسولا” (The Peninsula) اليومية الرائدة باللغة الإنكليزية في قطر.
- يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) توازيًا مع صدوره على موقع “أفكار” التابع لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية (الدوحة).
