أعلنت المنظمة البحرية الدولية (IMO) بدء تنفيذ خطة واسعة لإجلاء أكثر من 11 ألف بحار ما زالوا عالقين في منطقة مضيق هرمز، وذلك عقب توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية، في خطوة تعكس بداية مرحلة جديدة من إعادة تطبيع حركة الملاحة في أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم.
وجاء الإعلان على لسان الأمين العام للمنظمة البحرية الدولية، أرسينيو دومينغيز، الذي رحب بالاتفاق المبرم بين واشنطن وطهران، معتبرًا أنه يمثل “خطوة حاسمة نحو استعادة الأمن البحري ووضع حد للهجمات غير المقبولة ضد السفن المدنية”.
وقال دومينغيز إنَّ الأشهر الماضية شهدت معاناة كبيرة لآلاف البحارة الذين وجدوا أنفسهم عالقين في منطقة النزاع، مشيرًا إلى أنَّ تداعيات الأزمة لم تقتصر على العاملين في البحر، بل امتدت إلى الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية. كما استذكر البحارة الأربعة عشر الذين لقوا مصرعهم خلال فترة التوترات، مؤكدًا أنَّ تضحياتهم “لن تُنسى”.
وأوضح أنَّ المنظمة، بالتنسيق مع إيران وسلطنة عُمان والدول الساحلية الأخرى والولايات المتحدة وقطاع النقل البحري العالمي، ستبدأ تنفيذ عملية إجلاء تدريجية ومنظمة للسفن والأطقم البحرية، بعد الحصول على الضمانات الأمنية اللازمة والتحقق من شروط الملاحة الآمنة.
ويُنظر إلى هذه العملية بوصفها واحدة من أكبر عمليات إدارة الحركة البحرية الطارئة التي تشرف عليها المنظمة البحرية الدولية منذ سنوات، خصوصًا أنَّ مضيق هرمز يُعد شريانًا حيويًا للتجارة العالمية ويمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط المنقولة بحرًا في العالم.
عُمان تفتح ممرًا بحريًا مؤقتًا
وفي خطوة موازية، أعلنت سلطنة عُمان، بالتنسيق مع المنظمة البحرية الدولية، إتاحة ممر بحري مؤقت لجميع السفن الراغبة في عبور مضيق هرمز، انطلاقًا من مسؤوليتها تجاه أمن الملاحة في المضيق وأهميته للاقتصاد العالمي.
وأكدت مسقط أن هذه الخطوة تأتي التزامًا بالقانون الدولي وقانون البحار، وبما يضمن حرية الملاحة من دون فرض أي رسوم عبور، وبما ينسجم مع نتائج الجهود الديبلوماسية التي أفضت إلى التفاهم الأميركي-الإيراني.
ويكتسب الإعلان العُماني أهمية خاصة في ظل الدور الذي لعبته السلطنة خلال السنوات الماضية باعتبارها وسيطًا إقليميًا موثوقًا وقناة تواصل بين الأطراف المتخاصمة في المنطقة، ما عزز موقعها كشريك أساسي في أيِّ ترتيبات أمنية أو لوجستية تخصُّ مضيق هرمز.
خطة إجلاء تدريجية
وتكشف الوثائق الصادرة عن المكتب الوطني الهيدروغرافي العُماني أنَّ الخطة الجديدة تقوم على إجلاء تدريجي ومنظّم لحركة السفن بسبب استمرار ارتفاع مخاطر الاصطدام والحوادث الملاحية في المنطقة، رغم التوصل إلى اتفاق سياسي بين واشنطن وطهران.
وبحسب التحذير الملاحي الذي عممته السلطات العُمانية بالتنسيق مع المنظمة البحرية الدولية، فإنَّ نظام فصل حركة المرور البحري التقليدي (TSS) في المضيق لا يزال غير آمن للاستخدام في الوقت الراهن، ما دفع المنظمة إلى اعتماد مسارَين بحريين مؤقتين للسفن المغادرة؛ أحدهما شمالي والآخر جنوبي المسار الملاحي القائم.
وتنصُّ الإجراءات الجديدة على التواصل الفردي مع السفن المشمولة بالخطة وتحديد مواعيد عبورها وفق جداول تنسيق تشرف عليها المنظمة البحرية الدولية بالتعاون مع السلطات الساحلية. كما طُلب من السفن التوجه أولًا إلى منطقة انتظار محددة في المياه الدولية قبل تلقي التعليمات النهائية الخاصة بعملية العبور.
وتشمل الترتيبات كذلك تشغيل أنظمة التعريف الآلي للسفن (AIS) بشكل إلزامي أثناء العبور، واستخدام أنظمة التتبع بعيدة المدى (LRIT) حيثما أمكن، مع التزام السفن الكامل بالتوجيهات الصادرة عن الدول الساحلية عبر قنوات الاتصال البحرية.
عودة تدريجية للتجارة العالمية
ويرى مراقبون أنَّ أهمية هذه الإجراءات تتجاوز مجرد إجلاء البحارة أو تنظيم حركة السفن، إذ تمثل أول اختبار عملي لقدرة الاتفاق الأميركي-الإيراني على إعادة الاستقرار إلى أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
فخلال الأشهر الماضية، أدت التوترات الأمنية في المنطقة إلى اضطرابات واسعة في حركة الشحن العالمية وارتفاع تكاليف التأمين البحري وتغيير مسارات عدد من السفن التجارية، الأمر الذي انعكس مباشرة على أسعار الطاقة وسلاسل التوريد الدولية.
ومن المتوقع أن تراقب الأسواق العالمية عن كثب نجاح عملية الإجلاء وإعادة فتح الممرات البحرية المؤقتة، باعتبارها مؤشرًا أوليًا إلى إمكانية استعادة الملاحة الطبيعية في مضيق هرمز، الذي يظل أحد أهم نقاط الاختناق الاستراتيجية في التجارة الدولية.
وفي هذا السياق، أكدت المنظمة البحرية الدولية أنها ستصدر تقارير يومية حول أعداد السفن التي تغادر المنطقة بأمان، مع الاحتفاظ بحق تعليق الحركة البحرية مؤقتًا إذا اقتضت الضرورات الأمنية أو إجراءات التنسيق مع القطع البحرية العسكرية المنتشرة في المنطقة.
وبينما يشكل الاتفاق الأميركي-الإيراني نقطة تحول سياسية مهمة، فإنَّ نجاح عملية الإجلاء وإعادة تنظيم الملاحة سيبقى الاختبار الأبرز لترجمة التفاهمات الديبلوماسية إلى واقع عملي يعيد الثقة إلى أحد أكثر الممرات البحرية حساسية وتأثيرًا في الاقتصاد العالمي.
