شكسبير: إِكشِف لنا أَسرارَك العشرة  (1 من 10)

صورة نادرة لشكسبير في شبابه

هنري زغيب*

علامةُ وليم شكسبير (1564-1616) أَنه، بلا شبيه أَو مثيل، أَشهرُ كاتب عالمي في أَيِّ لغة، ومسرحياتُه هي الأَكثرُ تمثيلًا وتنفيذًا بين جميع الكتَّاب المسرحيين في العالم. واللافت أَنَّ جميع مَن يعرفون أَعماله، لا يعرفون الكثير عن حياته الشخصية.

هذا ما سأَكشف عنه في هذه السلسلة من 10 حلقات.

مقدِّمة هامة

هو من عائلة ميسورة أَمَّنَت له الذهاب إِلى المدرسة، في قرية ولادته Stratford-upon-Avon (مقاطعة وَارْوِيْكشَاير الإِنكليزية البعيدة جدًّا عن العاصمة لندن). وهو ثالث أَبناء جون شكسبير، صانع قفازات وعضو في مجلس المدينة. نشأَ الصغير وليام على دروس اليونانية واللاتينية، وكبُر بين عهدَين ثمينَيْن: نهاية إِنكلترا الكاثوليكية الإقطاعية، وولادة أُمَّةٍ بروتستانتية تجارية ستُصبح بعدذاك بريطانيا التي ستحكُم حقبات العصر الأُوروبي. هكذا العصر الذي وُلد فيه شكسبير، كان متغيِّرًا اقتصاديًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا ودينيًّا، ما انعكس فترتئذٍ واضحًا في مواضيع مسرحياته.

ما العناصر التي كان لها تأْثير مباشر على حياته الشخصية حتى شعَّ بتلك الشهرة؟ كيف كان كشخص لا ككاتب؟ مَن كان في محيطه الضيِّق؟ وبمن كان يهتمُّ في حياته الخاصة؟

في هذه السلسلة من 10 حلقات، سأُحاول الإجابة عن عدد كبير من الأَسئلة حول الرجل أَكثر مما حول الكاتب.

طابع تذكاري فاتيكاني (2024)
  1. عائلته في بيئتها الدينية

“فَلْتَتَمجَّدْ أَيها الرب، ولْتَمْنَح المؤْمنين بك نورًا في عتْمتِهم، والأَملَ في يأْسهم” (هنري الرابع في مسرحية “هنري الرابع” – الفصل الثاني).

قبل الدخول تفصيلًا في سيرة شكسبير، هنا إِضاءَة على أَحوال إنكلترا عصرئذٍ.

ولادة شكسبير كانت في السنة السادسة من عهد إِليزابيت الأُولى (1533-1603) ملكة إِنكلترا وإِيرلندا (بين 1558 ووفاتها). وكان عصرُها صاخبًا: فوالدها هنري الثامن (1491-1547) ملك إِنكلترا وإِيرلندا (1509 حتى وفاته)، كان قطَعَ العلاقة مع الكنيسة الكاثوليكية، وصادرَ أَملاكها الوفيرة، ما ولَّد ثورة اجتماعية عقّدت بعده حكْم إِليزابيت. فأَخوها إِدوارد تسلَّم العرش وهو في التاسعة، لكنه مرض ومات في الخامسة عشرة، لتحل مكانَه أُختُه ماري الْكانت كاثوليكية وأَرادت أَن تُعيد إِنكلترا إِلى حضن روما عاصمة الكثلكة، فشنّت حربًا قاسيةً على البروتستانتيين، مُحرقةً نحو 250 من أَلدِّ أَخصامها خلال خمس سنوات حكمها. وعند وفاتها وتَسَلُّم إِليزابيت الحكْم، أَعادت الوضع إِلى سابقه، وعادت كنيسىة إِنكلترا إِلى نفوذها.

تغييران في جيل واحد

في هذا الجو ولد الصغير وليام، وسْط بلاد عرفَت تغييرَين في جيل واحد، وعددًا من الثورات والاضطرابات المتتالية، وتخريب عدد من الأَديار، وفرضت قيودًا قاسية على غير المنصاعين، وعمَّمَت نظام رعاية اجتماعية هو ما تنادي به الكنيسة. كانت قرية شكسبير واحة ارتدادٍ إِلى الكثلكة، وبقيَت أُسرة شكسبير ملتزمة بالإِيمان القديم: والدته ماري آردِنْ من أُسرة مرتدة إِلى الكثلكة، ولها صداقات متينة مع الإِكليروس الكاثوليكي. خاله إِدوارد آردِنْ أُعدم سنة 1583 بتُهمة تدبير انقلاب ضد الملكة. والده جون كان مواليًا علنًا كنيسة إِنكلترا إِنما متهمًا بأَنه سرًّا من أَتباع الطرف الآخر. وفي رسالة وجدت بين العوارض الخشبية في سقف البيت، أَنه بقي كاثوليكيًّا طوال حياته. ونحو 1592 توقَّف عن مزاولة الطقوس الأَنكليكانية، لكن ذلك ربما كان تهرُّبًا من مواجهة دائنيه في القرية. وحين جاء وقت أَن يُسدِّد ما عليه لجماعة الأَنكليكان فارضي الخُوَّات على الكاثوليكيين، كان يتهرَّب من دفعها.

رسم تشبيهي يُعزى لوالد شكسبير

شخصيات مسرحه ومستوى جمهوره

هكذا بقي الالتزام الديني في أُسرة شكسبير بين ارتداد وموالاة، بين سرية وعلنية. وهكذا شخصية فالستاف في مسرحية “هنري الرابع” وجدَها معاصروه تلميحًا إِلى جون أُولدْكاسِل الْكان البروتستانتيون يعتبرونه شهيدًا، وقرأُوا سخرية فالستاف في المسرحية على أَنها مهاجمة مقنَّعة ضد كنيسة إِنكلترا. وفي مسرحيات له أُخرى، إِشاراتٌ إِلى المطهر وشخصيات كاثوليكية في شكل إِيجابي، وأُخرى بروتستانتية في شكل سلبي، وكان ذلك خطرًا عصرئذٍ على مسيرته ومساره. لذا يجب التعمُّق في ما وراء الحوار، ومعرفة ظروف البلاد فترتئذِ لفهْم شخصياته أَكثر. من هذا المنظار، نفهم محاولة شكسبير جعلَ مسرحياته مفهومةً ومقبولة لدى جمهور بيئته. لذا كان بين جمهوره، وجمهور لندن (عاصمة إِنكلترا المشتعلة تطوُّرًا بين 1485 و1603) مَن يلاحظ إِغراق مسرح شكسبير في مسائل الكتاب المقدس ومشاهد الطقوس الدينية، كل ذلك في لغة سهلة الفهم والتلقِّي.

في بيئة شكسبير كان المثقَّفون فقط مطَّلعين على الأَساطير اليونانية والرومانية. لذا كان عليه أَن يُبَسِّط حواراته للعامة من الناس، ممن يفْهمون شخصيات الكتاب المقدس ومواضيعَه ونصوصَه، من دون أَن يَسقط في المباشَرَة كي لا يخسر عبقريته بين التلميح والتصريح.

الحلقة الثانية: كارثة إِفلاس والده.

Exit mobile version