الدكتور داوود البلوشي*
عندما تهدأ أصوات المدافع والصواريخ وتتراجع حدة المواجهات، يعتقد كثيرون أنَّ الخطر أصبح وراءنا وأنَّ المنطقة بدأت تستعيد توازنها بعد عاصفة عسكرية وسياسية هزّت الشرق الأوسط وامتدت تداعياتها إلى العالم. غير أنَّ التجارب التاريخية تشير إلى أنَّ اللحظات الأكثر حساسية لا تكون أثناء الحروب، بل في المراحل التي تليها.
فإذا كانت مذكرة التفاهم الأخيرة قد وضعت حدًّا لجولة من المواجهة العسكرية والتوتر الإقليمي، فإنَّ السؤال الأهم لا يتعلق بكيفية انتهاء الحرب، بل بما يمكن أن تفرزه من تحوّلات في السنوات المقبلة.
المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي رأى أنَّ الحضارات لا تسقط بفعل الضربات الخارجية وحدها، بل نتيجة عجزها عن الاستجابة للتحديات الجديدة. ومن هذا المنطلق، لا يكمن الخطر دائمًا في الحدث ذاته، بل في قدرته على إعادة تشكيل المجتمعات والمؤسسات وموازين القوى والمفاهيم التي اعتاد الناس العيش في ظلها.
لذلك، فإنَّ اختزال الحرب الأخيرة في إطار مواجهة عسكرية بين أطراف متصارعة قد يكون قراءة قاصرة لحدثٍ تتجاوز آثاره حدود الميدان العسكري. فالحروب الكبرى لا تُقاس بعدد الصواريخ التي أُطلقت أو المواقع التي استُهدفت، بل بالنظام السياسي والاقتصادي والمالي الذي ينشأ بعدها.
لقد أعادت الحرب العالمية الثانية رسم النظام الدولي وأنتجت مؤسسات اقتصادية ومالية وأمنية استمرت لعقود طويلة. واليوم، وبعد نحو ثمانية عقود من ذلك التحوّل التاريخي، يبدو العالم وكأنه يقف على أعتاب مرحلة انتقالية جديدة، تبحث خلالها القوى الكبرى عن توازنات مختلفة ونظام اقتصادي ومالي أكثر انسجامًا مع تحديات القرن الحادي والعشرين.
في صميم هذه التحوّلات تبرز الطاقة باعتبارها أحد العوامل الحاسمة في تشكيل النظام العالمي المقبل. فعلى الرغم من التوسع في مشاريع الطاقة المتجددة والاقتصاد الأخضر، أثبتت التطورات الأخيرة أنَّ النفط والغاز والطاقة النووية لا تزال تمثل ركائز أساسية للاقتصاد العالمي.
كما كشفت الأزمة أنَّ أمن الطاقة لم يعد شأنًا يخص الدول المنتجة فقط، بل تحوّل إلى قضية عالمية تمسُّ المصانع في آسيا والأسواق في أوروبا وسلاسل الإمداد الممتدة عبر القارات.
وأعادت الأحداث التذكير بالأهمية الاستراتيجية للممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز وباب المندب، اللذان لم يعودا مجرّد معابر مائية، بل أصبحا شريانين رئيسيين للاقتصاد العالمي. فكلُّ اضطراب في هذين الممرين ينعكس فورًا على أسعار الطاقة وأسواق المال ومستويات التضخم والنمو الاقتصادي حول العالم.
ومن هنا تتعاظم أهمية الخليج، ليس باعتباره منطقة جغرافية فحسب، بل بوصفه أحد الأعمدة الرئيسة لاستقرار الاقتصاد العالمي.
غير أنَّ هذه المكانة تفرض في الوقت ذاته مسؤوليات وتحديات متزايدة. فالعالم يحتاج إلى استقرار الخليج بقدر حاجته إلى طاقته واستثماراته وممراته البحرية، لكن الحفاظ على هذا الاستقرار في بيئة إقليمية معقدة تتداخل فيها مصالح إيران وتركيا وإسرائيل والقوى الدولية الكبرى يظل مهمة بالغة الصعوبة.
ربما كان أهم ما كشفت عنه الحرب الأخيرة أنها أعادت تعريف مفهوم الأمن ذاته.
ففي القرن العشرين ارتبط الأمن بحماية الحدود والدفاع العسكري التقليدي، أما في القرن الحادي والعشرين فقد أصبح مفهومًا أكثر شمولًا وتعقيدًا. إذ لم يعد الأمن يقتصر على الجيوش والأسلحة، بل بات يشمل أمن الطاقة والممرات البحرية والغذاء والتكنولوجيا والبيانات وسلاسل الإمداد والمعرفة والابتكار.
وقد نجحت دول الخليج خلال العقود الماضية في بناء بنى تحتية متقدمة واحتياطيات مالية كبيرة وشبكات استثمار عالمية واسعة، إلّا أنَّ المرحلة المقبلة قد تتطلب ما هو أبعد من ذلك.
فمعظم اقتصادات الخليج لا تزال تعتمد بدرجات متفاوتة على الخارج في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والصناعات الدقيقة، كما تعتمد على الاستيراد في عدد من السلع الغذائية الاستراتيجية.
ومن ثم فإنَّ التحدي المقبل لا يتمثل في شراء الأمن بقدر ما يتمثل في صناعته.
ففي عالمٍ سريع التحوّل، لا يكفي امتلاك الموارد الطبيعية والثروات المالية، بل تصبح القدرة على تحويل هذه الموارد إلى قوة إنتاجية وصناعية وتكنولوجية هي المعيار الحقيقي للاستدامة والنفوذ.
ومن هنا يتَّضح أنَّ مفهوم الأمن الجديد لا يقتصر على حماية الموارد، بل يمتد إلى امتلاك القدرة على إنتاج المعرفة والتكنولوجيا. وهنا يبرز التحوّل الأهم الذي قد تفرضه المرحلة المقبلة، والمتمثل في الانتقال من مفهوم أمن النفط إلى مفهوم أمن المعرفة.
فإذا كان القرن العشرون قد رسخ مكانة الخليج كمركز عالمي للطاقة، فإنَّ القرن الحادي والعشرين يفرض عليه تحديًا أكبر يتمثل في التحول من مصدر للطاقة إلى منتج للمعرفة.
لقد شكل النفط والغاز أساس القوة الاقتصادية الخليجية لعقود طويلة، لكن التاريخ يؤكد أن الثروات الطبيعية وحدها لا تصنع نفوذًا دائمًا. فالقوة المستدامة لا تنبع من امتلاك الموارد فقط، بل من القدرة على تحويلها إلى علم وصناعة وتكنولوجيا ومؤسسات قادرة على الاستمرار مهما تغيرت الظروف أو تبدلت مصادر الطاقة.
كما كشفت الحرب الأخيرة أنَّ العالم لا يخشى فقط انقطاع إمدادات النفط، بل يخشى أيضًا تعطل البيانات واختراق الأنظمة الرقمية واضطراب سلاسل الإمداد وشبكات الاتصالات والتكنولوجيا. ولهذا فإنَّ الثروة في العقود المقبلة لن تُقاس بعدد البراميل المصدرة أو كميات الغاز المنتجة فقط، وإنما بقدرة الدول على إنتاج المعرفة والتحكم في التكنولوجيا.
ومن هنا فإنَّ التحوّل الاستراتيجي المطلوب لا يقتصر على الانتقال إلى مرحلة ما بعد النفط، بل يتجاوز ذلك نحو بناء اقتصاد قائم على إنتاج المعرفة والابتكار.
فالجامعات ومراكز البحث العلمي وشركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والصناعات المتقدمة ينبغي أن تصبح جزءًا من منظومة الأمن الوطني، تمامًا كما هي القواعد العسكرية والموانئ والمنشآت النفطية.
إنَّ أحد أبرز دروس الأزمة أنَّ الأمن العسكري وحده لم يعد كافيًا. فالدولة التي تعتمد بالكامل على الخارج في التكنولوجيا أو البيانات أو الأنظمة الرقمية قد تمتلك جيشًا قويًا، لكنها تبقى عرضة للانكشاف الاستراتيجي عند الأزمات.
لذلك لم يعد الاستثمار في التعليم والبحث العلمي والتكنولوجيا ترفًا تنمويًا، بل أصبح ضرورة أمنية واقتصادية وسيادية في آن واحد.
وفي الوقت نفسه، تفتح التحوّلات الإقليمية الباب أمام أنماط جديدة من التعاون العلمي والتكنولوجي بين دول المنطقة. فبدلًا من أن تكون التكنولوجيا ساحة إضافية للصراع، يمكن أن تتحوّل إلى منصة للتعاون وتبادل الخبرات وبناء المصالح المشتركة.
فالجغرافيا لا تتغير، والدول تبقى جيرانًا مهما تبدلت الأنظمة والسياسات. وإذا نجحت المنطقة مستقبلًا في تجاوز أزماتها السياسية، فإنَّ الجمع بين رؤوس الأموال الخليجية والقدرات البشرية والعلمية المتوافرة في المنطقة والبنية التحتية المتطورة قد يخلق فضاءً اقتصاديًا ومعرفيًا جديدًا، ينقل الخليج من مركز للطاقة فقط إلى مركز للابتكار والتكنولوجيا.
لقد أظهرت الحرب أيضًا أنَّ أمن الخليج لم يعد شأنًا خليجيًا خالصًا، بل أصبح جزءًا من منظومة الأمن الاقتصادي العالمي.
ولهذا قد تشهد السنوات المقبلة مستويات أعلى من التنسيق الأمني والدفاعي والتقني بين دول مجلس التعاون الخليجي، ليس بهدف خوض الحروب، وإنما لمنعها، وحماية الممرات البحرية والمنشآت الحيوية والبنية الرقمية وسلاسل الإمداد.
فالردع في المستقبل لن يُقاس فقط بحجم الترسانات العسكرية أو عدد الصواريخ، بل بقدرة الدول على حماية اقتصاداتها وبياناتها وغذائها وتقنياتها وشبكاتها الحيوية.
وبعد استعراض هذه التحوّلات الاستراتيجية، يبقى السؤال الأعمق متعلقًا بقدرة المنطقة على قراءة ما وراء الأحداث المباشرة. ولعل هذا ما عبّر عنه عبد الرحمن منيف في أعماله الروائية، حين قدّم شخصيات تمتلك قدرة استثنائية على رؤية ما وراء الحدث المباشر. وكان الهذّال يرى دائمًا ما خلف الغبار المتصاعد من المعركة، لا المعركة نفسها.
وهذا بالضبط ما تحتاجه المنطقة اليوم.
فالخطر لا يكمن فقط في ما حدث، بل في ما سيتركه خلفه. ليس في الدخان الذي يتصاعد الآن، بل في الخرائط الاقتصادية والسياسية التي قد تُرسم غدًا، وفي التحوّلات التي قد تعيد توزيع النفوذ والثروة والتكنولوجيا ومراكز القرار خلال العقود المقبلة.
ينظر العالم اليوم إلى الخليج باعتباره أحد مفاتيح الاستقرار العالمي، لكن السؤال الأهم ليس كيف تتجاوز المنطقة الإعصار، بل كيف ستبني ما بعده.
فالأمم الناجحة ليست تلك التي تنتصر في الحروب فقط، بل تلك التي تحسن استثمار ما بعدها. والسياسي الناجح ليس من يفهم أزمات الحاضر فحسب، بل من يستطيع استشراف أزمات المستقبل قبل أن تولد.
لقد أكدت الحرب أنَّ النفط سيظل عنصرًا مهمًّا في معادلة القوة العالمية، لكن المستقبل لن يُبنى بالنفط وحده.
فالأمن المقبل لن تحميه الجغرافيا وحدها، ولن تصنعه الثروة وحدها، بل سيصنعه الإنسان القادر على تحويل الثروة إلى معرفة، والمعرفة إلى قوة، والقوة إلى استقرار.
وربما يكون هذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه الخليج بعد هدوء الإعصار: ليس كيف يحافظ على ثروته، بل كيف يحول هذه الثروة إلى مستقبل مستدام.
فقد يكون الإعصار قد انقضى، لكن مرحلة إعادة تعريف الأمن والاقتصاد والجغرافيا السياسية بدأت بالفعل.
- الدكتور داوود البلوشي هو محام ومستشار قانوني عُماني. حاصل على الدكتوراه في القانون من جامعة السوربون. وهو أستاذ محاضر في جامعة السلطان قابوس في مسقط.
