محمد سليم*
في ظلِّ التطوّرات الإقليمية المتسارعة خلال الأشهر الأخيرة، بات من النادر أن يخلو نقاشٌ سياسي في عُمان من التساؤلات المتعلقة بتداعيات المواجهة بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وما يمكن أن تتركه من آثار على السلطنة ودورها الإقليمي ومستقبلها الاقتصادي. كما برزت قراءات مختلفة حول موقع عُمان في المشهد الجديد الذي بدأت تتشكل ملامحه مع إعادة ترتيب أولويات الأمن والطاقة والتجارة في المنطقة.
وقد لفت انتباهي في هذا السياق مقال نُشر مؤخرًا في صحيفة “الوطن” العُمانية تناول المكاسب المحتملة التي قد تحققها السلطنة من الحرب الدائرة، مستندًا بصورة أساسية إلى آراء كتّاب وباحثين غربيين وإسرائيليين. ورغم أهمية الاطلاع على مختلف وجهات النظر، فإنَّ قراءة التحوّلات التي تمس عُمان بصورة مباشرة تبقى أكثر اكتمالًا عندما تنطلق أيضًا من رؤية وطنية تنظر إلى المصالح العُمانية من داخل السياق المحلي والإقليمي.
تستمدُّ عُمان جانبًا مهمًا من مكانتها الاستراتيجية من موقعها الجغرافي الفريد. فهي الدولة الخليجية الوحيدة التي تمتلك امتدادًا واسعًا على بحر العرب والمحيط الهندي، بما يمنحها اتصالًا مباشرًا بالممرات البحرية العالمية بعيدًا من كثير من نقاط الاختناق التي تؤثر في حركة التجارة والطاقة. وخلال العقود الماضية، بقيت أهمية هذه الميزة أقل من حجم الإمكانات التي تتيحها. ومع ذلك، فإنَّ المشاريع الاستراتيجية التي أطلقتها السلطنة، وفي مقدمتها ميناء الدقم، تعكس إدراكًا متزايدًا لقيمة الموقع الجغرافي في بناء دور اقتصادي مستدام.
اليوم، ومع تزايد المخاوف المرتبطة بأمن الممرات البحرية التقليدية، تبدو المنطقة أمام واقع جديد يدفع العديد من الدول إلى البحث عن بدائل أكثر استقرارًا لنقل الطاقة والبضائع. وفي هذا السياق، تبرز عُمان بوصفها خيارًا طبيعيًا يمكن أن يسهم في تعزيز أمن سلاسل الإمداد الخليجية وربطها بصورة أكثر مباشرة بالأسواق العالمية. ولا يقتصر الأمر على المكاسب التجارية المباشرة، بل يتعداه إلى إمكانية تحول السلطنة إلى مركز إقليمي للخدمات اللوجستية والصناعات المرتبطة بالنقل والطاقة، بما يفتح المجال أمام استثمارات جديدة وفرص اقتصادية طويلة الأمد.
غير أنَّ الجغرافيا وحدها لا تكفي لصناعة النفوذ. فالتاريخ السياسي والاقتصادي يُبيِّن أنَّ المواقع المميزة تكتسب قيمتها الحقيقية عندما تقترن برؤية واضحة واستثمارات مستدامة وقدرة على توظيف المزايا الطبيعية في خدمة المصالح الوطنية. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى التحولات الجارية باعتبارها فرصة نادرة أمام عُمان لتعزيز حضورها في المعادلات الاقتصادية الإقليمية. فكلما ازدادت الحاجة إلى تنويع مسارات التجارة والطاقة، ازدادت أهمية الدول القادرة على توفير بدائل مستقرة وآمنة، وهو ما يمنح السلطنة هامشًا أوسع للحركة ودورًا أكبر في صياغة التوازنات الاقتصادية المستقبلية.
كما إنَّ تنامي الاعتماد الإقليمي على الموانئ والبنية التحتية العُمانية من شأنه أن يضيف بُعدًا سياسيًا جديدًا إلى الدور الذي تؤديه السلطنة، ويعزز قدرتها على التأثير من خلال أدوات الاقتصاد والتجارة، إلى جانب مكانتها التقليدية بوصفها طرفًا يحظى بثقة مختلف الأطراف الإقليمية. فالقوة في عالم اليوم لا تُقاس فقط بحجم القدرات العسكرية أو السياسية المباشرة، وإنما أيضًا بالقدرة على تأمين المصالح الاقتصادية الحيوية للدول والشعوب.
إلى جانب العامل الجغرافي، يبرز نقاش آخر يتعلق بمستقبل الاستقلالية الاستراتيجية للدولة. فالتجارب الدولية تظهر أنَّ قوة الدول لا تقاس فقط بحجم مواردها، بل أيضًا بقدرتها على صياغة قراراتها وفق أولوياتها الوطنية ومصالحها بعيدة المدى. وفي هذا الإطار، يظل موضوع الوجود العسكري الأجنبي والتحالفات الأمنية محل نقاش مشروع في العديد من دول المنطقة، ومنها عُمان. فهناك من يرى أنَّ هذه الترتيبات أسهمت في تعزيز الاستقرار خلال مراحل سابقة، فيما يرى آخرون أنَّ التطورات الحالية تستدعي مراجعة مستمرة لمدى انسجامها مع المتغيرات الإقليمية ومتطلبات الاعتماد على القدرات الوطنية.
ولا يتعلق الأمر بالتشكيك في أهمية الشراكات الدولية أو التقليل من دورها، بقدر ما يتعلق بالسعي إلى تحقيق توازن يضمن الحفاظ على المصالح الوطنية ويعزز القدرة على اتخاذ القرار بصورة مستقلة كلما أمكن ذلك. وينسحب هذا النقاش أيضًا على السياسات الاقتصادية والتنموية، حيث قد تتطلب المرحلة المقبلة توسيع مساحة المبادرة الوطنية والاستفادة بصورة أكبر من الكفاءات العُمانية في رسم الأولويات التنموية والاستراتيجية، بما يضمن توظيف المزايا الجغرافية والاقتصادية للبلاد على نحوٍ أكثر فاعلية.
لقد عُرفت السلطنة لعقود بسياسة خارجية متوازنة تقوم على الحوار والانفتاح والحفاظ على قنوات التواصل مع مختلف الأطراف. وقد أكسبها هذا النهج احترامًا إقليميًا ودوليًا، وجعلها طرفًا موثوقًا في العديد من المبادرات الديبلوماسية. غير أنَّ التحوّلات الراهنة قد تتيح لعُمان فرصةً لتوسيع هذا الدور بما يتجاوز الوساطة السياسية التقليدية. فالموقع الجغرافي، والبنية التحتية المتنامية، والعلاقات المتوازنة مع مختلف القوى، جميعها عناصر يمكن أن تشكل أساسًا لدور إقليمي أكثر تأثيرًا في مجالات الاقتصاد والطاقة والتجارة.
وفي المحصّلة، فإنَّ المتغيرات التي أفرزتها المواجهة الأخيرة في المنطقة قد لا تكون مجرد أزمة عابرة، بل محطة تعيد رسم أولويات الأمن والاقتصاد في الخليج. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية تبرز أهمية امتلاك رؤية استراتيجية قادرة على تحويل التحديات إلى فرص. وتمتلك عُمان من المقومات ما يؤهلها للاستفادة من هذه اللحظة الإقليمية الفارقة، لكن نجاحها في ذلك سيعتمد على قدرتها على الجمع بين حُسنِ استثمار موقعها الجغرافي، وتعزيز استقلالية قرارها الوطني، ومواصلة بناء نموذج تنموي قادر على ترجمة المزايا الاستراتيجية إلى مكاسب اقتصادية وسياسية مستدامة.
- محمد سليم هو صحافي لبناني من أسرة “أسواق العرب”.
