مَن قَتَلَ بيروت؟ الجميع… ولا أحد

مهى يَحيَ*

في 4 آب (أغسطس) من كل عام، يتكرّر المشهد نفسه: صومعة القمح المهدّمة، وصور الضحايا الذين قضوا في انفجار مرفَإِ بيروت، ومراسم إحياء الذكرى، ومقابلات مع عائلات الضحايا المطالِبة بالعدالة، فيما لا تزال أحياء العاصمة اللبنانية تحمل ندوب الانفجار الذي هزّها في العام 2020. ومع أن رئيس محكمة الجناية في بيروت القاضي طارق بيطار أغلق ملف التحقيقات في أواخر آذار (مارس)، وشملت قائمة الادّعاء نحو سبعين شخصًا مُشتَبَهًا به في هذه الجريمة، لم تُحدَّد بعد أيُّ جلسة محاكمة ولم يُحاسَب أحدٌ حتى الساعة.

بيد أنَّ هذا الوضع ليس استثناءً، بل هو نمطٌ سائد في لبنان. من السهل إلقاء اللوم على بطءِ قاضٍ، أو على سياسيين فاسدين يرفضون الإدلاء بشهاداتهم، أو على أجهزة أمنية لا تريد أن تُحاسَب على أحد أكبر الانفجارات غير النووية في التاريخ. لكن الواقع هو أنَّ غياب المُساءلة لطالما كان في صميم الخلل الذي يعتري لبنان.

أسفرت الحرب الأهلية التي استمرّت خمسة عشر عامًا عن نحو 150 ألف قتيل، و17 ألف مفقود ومختطَف. مع ذلك، جرى طيّ صفحة الحرب عبر إصدار قانون العفو العام الذي شمل معظم الجرائم المُرتَكَبة خلاله، والتوصّل إلى تسوية سياسية نقلت أمراء الحرب من الشوارع إلى المعترك السياسي. ولم يتم تشكيل أي لجنة لتقصّي الحقائق، أو تشييد أي نصب تذكاري وطني لضحايا الحرب، فبقي الماضي أرضًا غريبة. وتحت شعار الحفاظ على السلم الأهلي، تجاهلت المناهج المدرسية اللبنانية الحرب الأهلية بالكامل. لقد وصف الكاتب والفيلسوف والشاعر الفرنسي فولتير التاريخ بأنه “أسطورة مُتوافَق عليها”، لكنّ اللبنانيين لم يتّفقوا يومًا على حكايةٍ واحدة، فكلُّ طائفةٍ تبنّت روايتها الخاصة عن الحرب، وما زال الأمر كذلك حتى اليوم. اللبنانيون لم يغفروا ولم ينسوا. فبات التضليل المتعمّد متجذّرًا في صميم النظام اللبناني وأركان حُكمه في مرحلة ما بعد الحرب – وترسّخت معه حالة الإفلات من العقاب.

لم تُشفَ صدمة الحرب، بل تضاعفت على وقع اغتيالاتٍ استهدفت شخصيات سياسية وصحافيين وناشطين، وتقاعُس سياسيين فاسدين تركوا البلاد تغرق في النفايات في العام 2015، وجولاتٍ متكرّرة من الحروب مع إسرائيل، ونزاع أهلي في العام 2008، وانهيارٍ اقتصادي كارثي بين العامَين 2019 و2020 أدّى إلى فقدان مليارات الدولارات من الودائع المصرفية والمعاشات التقاعدية. وقد صنّف البنك الدولي هذه الأزمة من ضمن أسوَإِ ثلاث أزمات اقتصادية شهدها العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر. وفيما أُعيدَ توقيف حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة مؤخَّرًا، فإنَّ الجهود الفعلية لمحاسبته على جرائمه تُبذل خارج البلاد. فقد وجّه مُدَّعون عامّون في فرنسا وألمانيا وسويسرا ولوكسمبورغ وليختنشتاين إليه تهم الاختلاس وتبييض الأموال والاحتيال والإثراء غير المشروع، وصادروا ممتلكاته، وجمّدوا ما يتراوح بين 92 و120 مليون دولار من أصوله. وقد أصدرت فرنسا وألمانيا مذكّرات توقيف بحقّه.

هذا النظام الذي حمى سلامة هو نفسه الذي سمح ل”حزب الله” بأن يبني قوةً مسلّحة لا تخضع لأي سلطةٍ في الداخل، بل تدين بالولاء لإيران وحدها. وقد زجّ هذا الحزب بلبنان في حروبٍ عدّة خلال الأعوام 2006 و2023-2024 و2026. وهذا النظام العاجز عن تحقيق العدالة هو نفسه الذي ترك البلاد عُرضةً للتدخّل الخارجي. واليوم، تحتلّ إسرائيل أجزاء واسعة من جنوب لبنان، وتتباهى بجرائم الحرب التي ترتكبها، وتستمرّ في القصف والتدمير كيفما تشاء، ويبقى لبنان عاجزًا عن وقفها. لكن التحدّي الأكبر ما زال يكمن في تحقيق الوحدة الداخلية. فبلدٌ لا يستطيع محاكمة قاضٍ أو سياسي فاسد لا يمكنه بطبيعة الحال إخضاع أطراف خارجية للمساءلة. بل على العكس، اضطُرّ لبنان، في الاتفاق الإطاري الذي جرى توقيعه مع إسرائيل في واشنطن أخيرًا، إلى التنازل تحت الضغط عن حقّه في اللجوء إلى المحافل القانونية والسياسية الدولية طلبًا للعدالة.

ولن تتمكّن القيادة اللبنانية من عكس هذا المسار إلّا إذا أبدت استعدادًا فعليًا لاستعادة هيبة الدولة وشرعيتها المؤسساتية. وهذا يتطلّب تعزيز استقلالية القضاء وفعاليته، وحصر السلاح بيد الدولة، وجعل الإجراءات القانونية السليمة أولويةً وطنية. ومن شأن التعامل مع كل تحدٍّ من هذه التحدّيات بشكلٍ منفصل أن يُرسّخ أوجه القصور المتشابكة التي تشوب مختلف جوانب الحوكمة والأمن والمجتمع في لبنان. وسيُؤدّي ذلك إلى انعدام الاستقرار، ويعمّق الانقسامات حول المآسي التي عاشها لبنان تاريخيًا، ويرسّخ السرديّات الطائفية المتنافسة عن المظلومية، ويقوّض أكثر فأكثر آفاق بناء مصيرٍ وطني مشترك.

* مهى يَحيَ هي مديرة مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط، حيث تتركّز أبحاثها على المواطنة، التعددية والعدالة الاجتماعية في أعقاب الانتفاضات العربية.

Exit mobile version