أبوظبي تتجه غربًا: كيف تبني الإمارات نفوذها في أميركا اللاتينية؟
لم تعد أميركا اللاتينية بعيدة من الحسابات الاستراتيجية للإمارات. فمن خلال اتفاقيات التجارة والاستثمارات الضخمة، تسعى أبوظبي إلى تحويل القارة الغنية بالموارد إلى ركيزة أساسية في رؤيتها الاقتصادية والجيوسياسية لما بعد النفط.

فريدا غيتيس*
في آذار (مارس) الماضي، حظي ولي عهد أبوظبي، الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، باستقبالٍ رسمي لافت في الإكوادور تُوِّجَ بمنحه أعلى وسام في البلاد خلال زيارة اتسمت بمظاهر الاحتفاء الديبلوماسي والاقتصادي. ولم تقتصر الزيارة على تأكيد متانة العلاقات الثنائية بين البلدين، بل شكّلت مناسبة لإجراء مباحثات مكثّفة أسفرت عن توقيع اتفاقية شاملة للتجارة والاستثمار، في خطوةٍ تعكس اتساع الحضور الإماراتي في مناطق جغرافية بعيدة من نطاق نفوذها التقليدي.
وعلى الرُغم من أنَّ الإكوادور لا تمثل شريكًا اقتصاديًا رئيسيًا لدولة الإمارات مقارنة بحجم اقتصادها العالمي واستثماراتها الدولية، فإنَّ الزيارة تكتسب دلالة مختلفة عند وضعها في سياقها الأوسع. فهي تأتي ضمن استراتيجيةٍ إماراتية مُتنامية لتعزيز حضورها الاقتصادي والجيوسياسي في أميركا اللاتينية، وهي استراتيجية أثمرت خلال السنوات الأخيرة عن سلسلةٍ من الاتفاقيات والشراكات مع عدد من دول القارة.
وتسعى أبوظبي، من خلال هذا التوجه، إلى ترسيخ موقعها كقوة اقتصادية متوسطة ذات تأثير عالمي يتجاوز حدود الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وفي إطار هذه المقاربة، لا تكتفي الإمارات بالتحرّك عبر القنوات التقليدية التي تمر غالبًا بالولايات المتحدة أو القوى الغربية الكبرى، بل تعمل بصورة متزايدة على بناء شراكات مباشرة بين “دول الجنوب”، مستفيدةً من التحوّلات التي يشهدها الاقتصاد العالمي وتنامي أهمية الأسواق الناشئة.
وتوفر أميركا اللاتينية عناصر جذب خاصة بالنسبة إلى دولة تسعى إلى تنويع مصادر قوتها الاقتصادية استعدادًا لمرحلة ما بعد النفط. فإلى جانب ما تتمتع به المنطقة من قدرات زراعية وإنتاج غذائي واسع النطاق، تمتلك احتياطيات ضخمة من المعادن الاستراتيجية، وفي مقدمتها النحاس والليثيوم اللذان يشكلان ركيزة أساسية في الصناعات المرتبطة بالتحوّل العالمي نحو الطاقة النظيفة. كما توفر أسواقها الاستهلاكية فرصًا مهمة لتوسيع حضور الصادرات الإماراتية غير النفطية، فيما تكتسب موانئها المطلة على المحيطين الأطلسي والهادئ أهمية متزايدة ضمن شبكات التجارة الدولية.
وتستند هذه الاستراتيجية إلى أداةٍ رئيسية تتمثل في “اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة”، التي أصبحت إحدى الركائز الأساسية للسياسة التجارية الإماراتية. وقد نجحت أبوظبي في إبرام عدد من هذه الاتفاقيات مع دول أميركا اللاتينية، ما أسهم في توسيع شبكة علاقاتها الاقتصادية في منطقة غنية بالموارد الطبيعية والفرص الاستثمارية. وتتركز هذه الشراكات بصورة خاصة على قطاعات الأمن الغذائي والمعادن والطاقة والبنية التحتية والموانئ الاستراتيجية، بما يعكس رؤية إماراتية بعيدة المدى تهدف إلى تأمين المصالح الاقتصادية وتعزيز النفوذ الجيوسياسي في آن واحد.
شراكة الجنوب في مواجهة الجغرافيا التقليدية
وتُظهر الاستراتيجية الإماراتية في أميركا اللاتينية أوجه شبه مع مبادرات دولية كبرى سعت إلى بناء شبكات واسعة من النفوذ الاقتصادي عبر الاستثمار والتجارة، وفي مقدمتها مبادرة “الحزام والطريق” الصينية. غير أنَّ المقاربة الإماراتية تختلف في عدد من الجوانب الأساسية. فالصين غالبًا ما استخدمت مشاريعها الاستثمارية الكبرى كأدوات لتعزيز نفوذها السياسي والديبلوماسي في الدول الشريكة، ولا سيما في القضايا المرتبطة بمواقف تلك الدول من تايوان أو من سياسات بكين تجاه أقلية الإيغور. كما ارتبطَ بعضُ مشاريع “الحزام والطريق” بقروض ضخمة وشروط تعاقدية غير شفافة، الأمر الذي أدى في بعض الحالات إلى أزمات ديون منحت الصين نفوذًا واسعًا على أصول استراتيجية ومشاريع بنى تحتية حيوية، كما حدث في سريلانكا.
في المقابل، تقوم المقاربة الإماراتية بصورة أساسية على الاستثمار المباشر وعمليات الاستحواذ والشراكات التجارية والمشاريع المشتركة، من دون أن تقترن عادةً بشروط سياسية معلنة أو بأهداف جيوسياسية مباشرة على غرار تلك التي نُسبت إلى المبادرة الصينية. وتركز أبوظبي على بناء روابط اقتصادية طويلة الأمد تقوم على المصالح المتبادلة وتوسيع فرص التجارة والاستثمار بين الأطراف المعنية.
وتُعد الاتفاقية التي وقعتها الإمارات مع الإكوادور خلال زيارة الشيخ خالد نموذجًا واضحًا لهذا النهج. فقد نصت الاتفاقية على إزالة 96 في المئة من الرسوم الجمركية والحواجز التجارية التي تعيق حركة السلع والخدمات بين البلدين، كما تضمنت برنامجًا للتعاون الدفاعي بقيمة 250 مليون دولار، إلى جانب آليات تهدف إلى تشجيع وتسهيل تدفقات الاستثمار المباشر بين الجانبين. وتندرج هذه الاتفاقية ضمن سلسلة أوسع من التفاهمات والشراكات التي أُنجزت بالفعل أو لا تزال قيد التفاوض مع عدد من دول المنطقة.
خريطة النفوذ الاقتصادي الإماراتي في القارة
وتحتل البرازيل موقعًا محوريًا في هذه الاستراتيجية باعتبارها أكبر شريك تجاري للإمارات في أميركا اللاتينية وأكبر اقتصاد في القارة. وقد عززت صناديق الثروة السيادية الإماراتية حضورها في السوق البرازيلية عبر استثمارات واسعة في قطاعات البنية التحتية والخدمات اللوجستية وغيرها من القطاعات الحيوية، فيما أصبحت البرازيل مصدرًا رئيسيًا للمنتجات الغذائية التي تعتمد عليها أسواق الخليج. وفي موازاة ذلك، تجري مفاوضات لإبرام اتفاقية شراكة اقتصادية تشمل البرازيل والدول الأعضاء في تكتل “ميركوسور”، أي الأرجنتين وأوروغواي وباراغواي، بما يفتح أمام الإمارات سوقًا إقليمية واسعة ذات أهمية استراتيجية متزايدة.
ولم يقتصر هذا التوسع على الاقتصادات الكبرى فحسب، بل شمل أيضًا دولًا أصغر حجمًا تسعى إلى جذب الاستثمارات الخارجية وتنويع شراكاتها الاقتصادية. فقد أبرمت الإمارات اتفاقيات مماثلة مع كل من كولومبيا وتشيلي وكوستاريكا، التي وقعت اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة مع أبوظبي عام 2025. ونصت الاتفاقية على إلغاء الرسوم الجمركية بين البلدين، إلى جانب تعزيز الاستثمارات الإماراتية، ولا سيما في قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة، بما يعكس اتساع نطاق الحضور الإماراتي في مختلف أنحاء أميركا اللاتينية، بغض النظر عن حجم الأسواق أو الاقتصادات المحلية.
وتُعد تشيلي من أبرز الأمثلة على هذا التوجه، نظرًا لمكانتها العالمية كأحد أكبر منتجي الليثيوم والنحاس، وهما معدنان أساسيان في الصناعات المرتبطة بالتحوّل نحو الطاقة النظيفة. وقد أبرمت سانتياغو اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة مع الإمارات عام 2024، ودخلت الاتفاقية حيز التنفيذ في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي. وبينما يتركز التعاون بصورة رئيسية على قطاعات التعدين والطاقة المتجددة، سرعان ما امتدت الاستثمارات الإماراتية إلى مجالات أخرى. فبعد وقت قصير من توقيع الاتفاقية، استحوذ أحد صناديق الثروة السيادية الإماراتية على شركة “فيرفروت” التشيلية، إحدى أبرز شركات تصدير الفاكهة في البلاد، كما شهد قطاع المعادن تدفق استثمارات إضافية عززت الحضور الإماراتي في الاقتصاد التشيلي.
وفي بيرو، التي لا تزال تتفاوض مع الإمارات بشأن اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة، يتخذ التعاون الاقتصادي طابعًا مختلفًا يتمحور حول البنية التحتية والخدمات اللوجستية. ففي ميناء “كالاو”، أكبر موانئ البلاد على المحيط الهادئ، تلعب شركة “موانئ دبي العالمية” دورًا رئيسيًا في عمليات التطوير والتحديث عبر استثمار تبلغ قيمته نحو 400 مليون دولار، في خطوة تعكس اهتمام أبوظبي المتزايد بالممرات التجارية الاستراتيجية التي تربط أسواق آسيا والأميركيتين.
أما كولومبيا، التي وقعت اتفاقية شراكة مع الإمارات عام 2024، فقد شهدت بدورها تدفقًا ملحوظًا للاستثمارات الإماراتية إلى القطاع الخاص. ومن أبرز الأمثلة على ذلك الدور الذي لعبه الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، نائب حاكم أبوظبي ومستشار الأمن القومي الإماراتي، والذي يدير محفظة استثمارية تُقدّر بنحو 1.3 تريليون دولار. فقد كان طحنون أحد الأطراف الرئيسية في واحدة من أكبر وأشد معارك الاستحواذ تنافسًا في تاريخ كولومبيا الحديث. وعلى مدى ثمانية عشر شهرًا، خاض مع شريكه رجل الأعمال الكولومبي خايمي جيلينسكي مواجهة استثمارية مع تكتل اقتصادي محلي للسيطرة على شركة “غروبو نوتريسا”، عملاق الصناعات الغذائية في البلاد، قبل أن ينجحا في عام 2023 في الحصول على حصة الأغلبية. ورأى عدد من المحللين أنَّ أهمية الصفقة لا تقتصر على جدواها التجارية، بل تتقاطع أيضًا مع أولويات الإمارات الاستراتيجية الرامية إلى تعزيز أمنها الغذائي وتنويع مصادر الإمدادات الزراعية.
وتشير هذه الأمثلة إلى أنَّ الحضور الإماراتي في أميركا اللاتينية لم يعد مجرد سلسلة من الصفقات المنفصلة، بل أصبح جزءًا من استراتيجية متكاملة تتداخل فيها المصالح التجارية مع الاعتبارات الجيوسياسية والأمنية. ولذلك لم يكن مستغربًا أن يُنظر إلى زيارة الشيخ خالد بن محمد إلى الإكوادور بوصفها تأكيدًا على استمرار هذا التوجه، ورسالة واضحة بأنَّ أبوظبي ماضية في توسيع شبكة علاقاتها الاقتصادية والاستثمارية في القارة.
ويأتي هذا الانفتاح المتزايد على أميركا اللاتينية في وقت تشهد السياسة الاقتصادية الإماراتية تحوّلات أوسع نطاقًا. ففي الشهر الماضي، وفي ظل التصعيد العسكري المرتبط بالحرب الأميركيةـالإسرائيلية ضد إيران وما رافقها من هجمات صاروخية إيرانية استهدفت الإمارات، أعلنت أبوظبي انسحابها من منظمة “أوبك”. وقد عُدَّ القرار مؤشرًا إضافيًا إلى سعي الإمارات إلى تعزيز استقلالية خياراتها الاقتصادية والاستراتيجية، وتسريع عملية تنويع استثماراتها بعيدًا من الاعتماد التقليدي على قطاع النفط.
ورغم أنَّ أميركا اللاتينية قد لا تبدو للوهلة الأولى الوجهة الطبيعية الأولى لدولة خليجية، فإنَّ الإمارات رأت فيها فرصًا اقتصادية واستراتيجية يصعب تجاهلها. ومن خلال شبكة متنامية من الاتفاقيات والاستثمارات والشراكات، تبدو أبوظبي عازمة على ترسيخ حضورها في القارة، مستفيدة من مواردها الطبيعية وأسواقها الواسعة وموقعها في التجارة العالمية. وتؤكد زيارة الشيخ خالد إلى الإكوادور أنَّ هذا المسار لا يزال في بداياته، وأنَّ وتيرة توسيع العلاقات الاقتصادية والديبلوماسية والاستراتيجية بين الإمارات ودول أميركا الجنوبية مرشحة للاستمرار خلال السنوات المقبلة.
- فريدا غيتيس هي صحافية ومحللة سياسية متخصصة بالشؤون الدولية. يمكن متابعتها عبر منصة “إكس” على: @fridaghitis.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.