لبنان في “التفاهم”: احتلالٌ إسرائيلي وتلاعُبٌ أميركي ووصايةٌ إيرانية

ابراهيم حيدر*

يحتمل التفاهم الإيراني – الأميركي الكثير من التفسيرات، عن مصلحة كلٍّ من الطرفين، وما حققاه في المُحصّلة الإجمالية للحرب بينهما. أما لبنان، فتحوّل مع التفاهم ساحة تلاعب مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي في مقابل ربط ملفه بإيران. ذلك يعني أنَّ كلَّ الخطاب المرتفع الذي نشبت الحرب على أساسه وشروط قبل الحرب ذهبت أدراج الرياح، في انتظار ما ستحمله المفاوضات بعد توقيع مذكرة الاتفاق، واي توازنات سترسو في المنطقة كلها.

لن يستقرَّ الوضعُ في لبنان مع هذا التفاهم، فهو مدرج في نقطة وحيدة تتمثل في وقف إطلاق النار على كل الجبهات، فلا حديث عن انسحاب إسرائيلي ولا تطبيق القرارات الدولية، خصوصًا 1701، ولا ذكر لايِّ دورٍ للدولة اللبنانية أو انتشار الجيش، بما يعني تثبيت الاحتلال في شريطٍ يربط جنوب الليطاني بشماله، وهو ما لا يمنع إسرائيل من اتخاذ أيِّ ذريعةٍ لاستمرار الحرب ضد “حزب الله”. وحتى في حال تثبيت وقف إطلاق النار انطلاقًا من التفاهم، فإنَّ إيران ستمسك بالملف اللبناني وتربطه في كل حساباتها، فيما “حزب الله” سيندفع أكثر إلى الداخل مُعتبرًا أنه حقق إنجازًا لم تستطع الدولة تحقيقه في مسارها للمفاوضات، وسيضغط أكثر لانسحاب لبنان منها، طالما لم تؤدِّ لأيِّ نتائج.

لعلَّ أهم ما في التفاهم هو التوصل إلى وقف إطلاق النار، لكن ما يليه وفق الصفقة الإيرانية-الأميركية يطرح تساؤلات حول مستقبل الوضع اللبناني، فإذا كانت الدولة تصرُّ على استمرار مفاوضات واشنطن كخيارٍ وحيد للتوصُّل الى تفاهمات برعايةٍ أميركية لتثبيت وقف إطلاق النار في شكلٍ دائم وتأمين انسحاب إسرائيلي تدريجي بالتوازي مع انتشار الجيش وبسط سيطرته وسحب سلاح “حزب الله”، فإنَّ هذا الأخير بات يتسلح بالتفاهم مستندًا إلى الدعم الإيراني ورافعًا شعار استعادة توازن الردع والقدرة على فرض قواعد اشتباك يرفض معها العودة إلى ما قبل 2 آذار/مارس ومراهنًا لعودته إلى ما قبل طوفان الأقصى، فيما الحقيقة أنَّ لبنان والحزب يعودان إلى ما قبل عام 2000 بفعل الاحتلال الإسرائيلي وتحوّل المناطق المتاخمة إلى خطوط تماس، لا يستطيع معها الحزب إطلاق مقاومة أو استنساخ تجربته السابقة قبل التحرير، بفعل ما ارتكبته إسرائيل من تدمير وتجريف وتهجير، حتى أصبحت المنطقة المحتلة بلا ناس ولا حياة.

سيكون توقيع التفاهم إعلان لصفقة توزع المكتسبات على الجانبين، وتفتح طريق التلاعب بالمنطقة وفق موازين القوى الجديدة، وإن كانت إسرائيل تسعى إلى فرض أجندتها من خلال الاحتلال والتفلت من ضغوط الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ليبقى لبنان الحلقة الأضعف ويواجه تحديات الخروج من المأزق وما رتبته الحرب الإسرائيلية من أهوال وكوارث، لكنه سيواجه معضلات داخلية بفعل رفض “حزب الله” لمسار الدولة ولقراراتها حول السلاح، وهو سيستند إلى التفاهم متسلحًا بما يعتبره معادلة جديدة فرضتها إيران وكرست معها وقائع ومتغيرات في المنطقة، فيقدم نفسه مفاوضًا بديلًا من الدولة.

كل المؤشرات تدل على أنَّ إسرائيل ليست بوارد الانسحاب من المناطق اللبنانية المحتلة، حتى لو ألزمها الأميركيون بوقف إطلاق النار وفق التفاهم، فأميركا وإسرائيل متفقتان على الشروط التي تقضي بتفكيك “حزب الله” وسحب سلاحه، وانسحابه إلى شمال الليطاني، لكن واشنطن لديها حسابات أخرى تصل أيضًا إلى حد التلاعب بالوضع اللبناني، إذ تارة يتحدث ترامب عن اتصالات مع “حزب الله” وثانية عن طلبه من سوريا التدخل لتفكيك الحزب، ولذا تواجه الدولة مجموعة تحديات، فما لم تتمكن من بلورة رؤية جامعة داخلياً تحصّن موقفها لفرض الانسحاب الإسرائيلي ومعالجة ملف سلاح “حزب الله”، وتأمين مظلة عربية تحمي البلد من الجموح الإسرائيلي والإمساك الإيراني بملفه، فإننا سنكون أمام أيام قاسية وسط أخطار لن يسلم منها البلد موحدًا؟

Exit mobile version