بينما تقترب الولايات المتحدة وإيران من تفاهم يخفف التوتر في الخليج، تتجه الأنظار إلى لبنان حيث تتصاعد المواجهة بين إسرائيل و”حزب الله”. فالجبهة اللبنانية تبدو اليوم العقبة الأبرز أمام أيِّ مسارٍ جاد نحو الاستقرار الإقليمي.
بول سالم*
على الرغم من التقدّم الذي أحرزته الولايات المتحدة وإيران نحو إطار تفاهم يهدف إلى تثبيت التهدئة وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، فإنَّ أحد أخطر ملفات الصراع الإقليمي لا يزال بعيدًا من أيِّ تسوية. فالمواجهة بين إيران وإسرائيل على الساحة اللبنانية لا تُظهر حتى الآن مؤشّرات جدية على الانحسار، بل تبدو مرشّحة لمزيدٍ من التصعيد رغم تراجع حدة التوتر في الخليج.
وقد ساهمت الجولة الأخيرة من المواجهات بين إسرائيل و”حزب الله” في تعقيد المسار الديبلوماسي بين واشنطن وطهران، إذ تشير التقديرات إلى أنها أخّرت التوصُّل إلى مذكرة التفاهم المنتظرة بين الطرفين، كما أعادت رفع مستوى المخاوف من انزلاق إيران وإسرائيل إلى مواجهة مباشرة جديدة. وبينما يقترب النزاع المرتبط بأمن الملاحة والطاقة في الخليج من مرحلة تهدئة مؤقتة، تتجه الأنظار بصورة متزايدة نحو لبنان باعتباره الساحة الأكثر قابلية للاشتعال في المرحلة المقبلة.
ولفهم طبيعة هذا التصعيد، لا بدَّ من التوقف عند التطورات التي شهدها لبنان خلال الأشهر الماضية. ففي الثاني من آذار (مارس)، اتخذ الحرس الثوري الإيراني و”حزب الله” قرارًا بفتح جبهة قتال جديدة ضد إسرائيل. ورُغمَ أنَّ الخطوة قُدِّمَت على أنها ردٌّ على اغتيال المرشد الأعلى الإيراني آنذاك، علي خامنئي، فإنها حملت في جوهرها أبعادًا استراتيجية أوسع، إذ وفّرت لطهران فرصة لتشتيت الضغوط العسكرية والسياسية الواقعة عليها، وفرض معادلات جديدة في المواجهة مع إسرائيل.
في المقابل، ردّت إسرائيل بحملة عسكرية واسعة داخل الأراضي اللبنانية، شملت عمليات توغل وسيطرة على مناطق واسعة في الجنوب كانت قد انسحبت منها عام 2000. كما استهدفت العمليات الإسرائيلية عشرات البلدات والقرى، سواء عبر القصف أو أوامر الإخلاء، وامتد نطاقها شمالًا حتى نهر الليطاني وما بعده. وشملت أحدث الضربات مناطق في النبطية شمال الليطاني، فيما واصلت إسرائيل تهديد واستهداف مواقع داخل الضاحية الجنوبية لبيروت، التي تُعد المعقل السياسي والأمني الأبرز لـ”حزب الله”.
ويمثل هذا التصعيد أكبر تدخل عسكري إسرائيلي في لبنان منذ اجتياح عام 1982. غير أنَّ الفارق الجوهري بين العمليتين يكمن في طبيعة الأهداف والسياق. فبينما استهدف اجتياح 1982 منظمة التحرير الفلسطينية بالدرجة الأولى، تُركّز العمليات الحالية على “حزب الله” والبنية الاجتماعية والسياسية التي يستند إليها. ووفق هذا المنظور، لم تقتصر الضربات الإسرائيلية على الأهداف العسكرية، بل طالت مناطق ذات غالبية شيعية تُعد الحاضنة الأساسية للحزب، بما في ذلك بلدات وقرى تعرضت لدمار واسع ونزوح كبير للسكان.
لبنان يتحول إلى ساحة المواجهة الرئيسية
من المنظور الإسرائيلي، تندرج العمليات العسكرية في لبنان ضمن العقيدة الأمنية التي تبنتها تل أبيب بعد هجمات 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023. وتقوم هذه المقاربة على مبدَإِ منع التهديدات قبل وصولها إلى الحدود الإسرائيلية، حتى لو استدعى ذلك العمل العسكري خارج الأراضي الإسرائيلية أو الاحتفاظ بمناطق عازلة في دول الجوار. ومن هذا المنطلق، تنظر إسرائيل إلى وجودها العسكري في أجزاء من غزة وجنوب سوريا وجنوب لبنان باعتباره جُزءًا من استراتيجية تهدف إلى منع تكرار الهجمات العابرة للحدود.
وخلال المفاوضات التي جرت مع الحكومة اللبنانية بوساطة أميركية في واشنطن، أكدت إسرائيل أنها لا تسعى إلى ضم أراضٍ لبنانية أو الاحتفاظ بها على المدى الطويل، لكنها في المقابل تعتبر أنَّ أيَّ انسحاب مستقبلي يجب أن يرتبط بمعالجة ما تصفه بتهديد “حزب الله”. ووفق هذا التصوُّر، يبدأ الحل بإبعاد الحزب بشكل كامل عن المناطق الجنوبية الحدودية، وقد يصل إلى المطالبة بنزع سلاحه وإلغاء قدرته العسكرية بصورة نهائية.
في المقابل، تنظر إيران إلى الجبهة اللبنانية باعتبارها أحد أهم أدواتها الاستراتيجية في المنطقة. فوجود “حزب الله” على الحدود الشمالية لإسرائيل لا يزال يوفر لطهران وسيلة لاستنزاف القدرات الإسرائيلية وإجبارها على توزيع قواتها ومواردها على أكثر من جبهة. ورُغمَ أنَّ الدور التقليدي للحزب كقوة ردع ضد أي هجوم أميركي أو إسرائيلي مباشر على إيران تراجع كثيرًا خلال السنوات الأخيرة، فإنَّ طهران ما زالت ترى فيه ورقة نفوذ إقليمية لا يمكن الاستغناء عنها.
ولهذا السبب، واصلت القيادة الإيرانية الضغط على “حزب الله” لرفض الدعوات المُطالِبة بتسليم سلاحه أو الاندماج الكامل في مؤسسات الدولة اللبنانية، وهو موقف يشبه إلى حد كبير السياسة التي تنتهجها طهران تجاه الجماعات المسلحة المتحالفة معها في العراق. كما إنَّ الاتفاق الإطاري مع الولايات المتحدة، إذا ما أفضى إلى تدفق موارد مالية جديدة إلى إيران خلال المرحلة المقبلة، قد يمنحها قدرة أكبر على إعادة دعم حلفائها الإقليميين، وفي مقدمتهم “حزب الله”.
حسابات متضاربة بين طهران وتل أبيب وبيروت
أما داخل الحزب نفسه، فتبدو الحسابات أكثر تعقيدًا. فبعد عامين من الحرب والخسائر البشرية والعسكرية، تعرّضت البنية القيادية والتنظيمية لـ”حزب الله” لضغوط غير مسبوقة، ما وضع قيادته أمام معادلة صعبة. فمن جهة، ما زال الحزب مرتبطًا سياسيًا وعقائديًا بالمؤسسة الإيرانية وبالحرس الثوري، ويجد نفسه ملزمًا بمراعاة أولويات طهران الإقليمية. كما إنَّ استمرار المواجهة مع إسرائيل يمنحه فرصة لإحياء خطاب “المقاومة” الذي شكّل لعقود مصدرًا رئيسيًا لشرعيته السياسية والشعبية.
لكن من جهة أخرى، لا تستطيع قيادة الحزب تجاهل حجم الدمار الذي أصاب البيئة الاجتماعية التي يستند إليها. فقد دفعت المناطق الشيعية في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت ثمنًا باهظًا خلال جولات القتال الأخيرة، الأمر الذي بدأ ينعكس في تزايد الأصوات الناقدة داخل هذه الأوساط. ومع اتساع الخسائر البشرية والاقتصادية، برزت تساؤلات متزايدة حول جدوى المواجهات المتكررة، وحول الثمن الذي يدفعه المجتمع المحلي نتيجة السياسات التي يتبناها الحزب وحلفاؤه الإقليميون.
وبذلك، لم يعد التحدي الذي يواجه “حزب الله” عسكريًا فقط، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بقدرته على الحفاظ على تماسك قاعدته الاجتماعية في ظل حرب طويلة الأمد ألحقت أضرارًا غير مسبوقة بالمجتمعات التي شكّلت تاريخيًا مصدر قوته ونفوذه داخل لبنان.
أما الولايات المتحدة، فتتعامل مع الأزمة اللبنانية من زاوية مختلفة. فإدارة الرئيس دونالد ترامب تركز في المقام الأول على تثبيت التهدئة في الخليج، وضمان استمرار حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، والحد من التداعيات الاقتصادية التي قد تنعكس على الأسواق العالمية والاقتصاد الأميركي. كما تسعى في الوقت ذاته إلى الحفاظ على المسار الديبلوماسي المرتبط بالملف النووي الإيراني ومنع انهياره بالكامل.
وفي هذا السياق، لعبت واشنطن دورًا مباشرًا في تشجيع واستضافة المحادثات بين لبنان وإسرائيل، أملًا في التوصُّل إلى وقفٍ لإطلاق النار واحتواء احتمالات توسُّع المواجهة. كما تواصل الإدارة الأميركية دعم جهود تعزيز قدرات الجيش اللبناني، سواء على المستوى العسكري أو اللوجستي، بهدف تمكينه من الانتشار بصورة أوسع في جنوب البلاد وملء الفراغ الأمني الذي تطالب إسرائيل بمعالجته قبل أيِّ انسحابٍ مُحتَمل.
وفي الوقت نفسه، تحاول واشنطن الموازنة بين أولوياتها الديبلوماسية ومطالب حليفتها إسرائيل. فهي تدرك أنَّ القيادة الإسرائيلية تنظر بعين الريبة إلى أيِّ تفاهمات أميركية-إيرانية لا تتناول بصورة مباشرة النفوذ الإيراني الإقليمي وشبكة حلفائه ووكلائه المسلحين. ولهذا السبب، منحت إسرائيل هامشًا واسعًا للتحرك ضد “حزب الله” داخل لبنان، مع الإبقاء على ضوابط محددة تهدف إلى منع انزلاق المواجهة نحو حرب إقليمية أوسع.
وفي هذا الإطار، برزت ضواحي بيروت كأحد أبرز الخطوط الحمراء غير المعلنة. فكل من واشنطن وطهران أبدتا حساسية خاصة تجاه توسيع الضربات الإسرائيلية في العاصمة اللبنانية ومحيطها، خشية أن يؤدي ذلك إلى ردود فعل يصعب احتواؤها. أما في الجنوب، فقد استمرت العمليات العسكرية الإسرائيلية بوتيرة مرتفعة، في ظل غياب أيِّ اتفاقٍ نهائي يحدد مستقبل المنطقة أو آلية إنهاء القتال.
وبين الضغوط الإيرانية والمطالب الإسرائيلية، تجد الحكومة اللبنانية نفسها في موقعٍ بالغ الصعوبة. فمنذ اندلاع الجولة الأخيرة من المواجهات، تركز بيروت جهودها على احتواء التداعيات الأمنية والسياسية للحرب، وتسريع المفاوضات الرامية إلى إعادة نشر الجيش اللبناني في الجنوب، بالتوازي مع السعي إلى التوصل لترتيبات تسمح بانسحاب إسرائيلي تدريجي من المناطق التي سيطرت عليها القوات الإسرائيلية خلال الأشهر الماضية.
غير أنَّ التحديات التي تواجه الدولة اللبنانية تتجاوز بكثير البُعد العسكري. فقبل اندلاع هذه الأزمة، كان لبنان لا يزال يرزح تحت وطأة واحدة من أسوَإِ الأزمات الاقتصادية والمالية في تاريخه الحديث، وسط انهيار مصرفي مستمر منذ سنوات وعجز مزمن في مؤسسات الدولة. واليوم، تواجه السلطات اللبنانية أعباء إضافية تتمثل في موجات نزوح واسعة، ودمار طال عشرات البلدات والقرى، فضلًا عن المخاوف من تحول الوجود العسكري الإسرائيلي المؤقت في الجنوب إلى واقع طويل الأمد يصعب تغييره.
وبذلك، لا تقتصر الأزمة اللبنانية الحالية على كونها ساحة مواجهة بين إسرائيل و”حزب الله”، بل أصبحت اختبارًا لقدرة الدولة اللبنانية نفسها على الصمود وإعادة فرض سلطتها في ظل ضغوط داخلية وخارجية متشابكة، وفي وقت يواجه البلد أخطر تحدياته السياسية والاقتصادية منذ عقود.
هل تنجح الديبلوماسية في منع حرب أوسع؟
وفي ظل الجهود الجارية لاحتواء التوتر في الخليج وإعادة فتح مضيق هرمز، يبرز تحدٍ آخر لا يقل أهمية يتمثّل في منع تحوّل الساحة اللبنانية إلى بؤرة صراع مفتوحة تُهدّد بإفشال مساعي التهدئة الإقليمية. فبينما تتجه الأنظار إلى التفاهمات الأميركية-الإيرانية وإلى مستقبل الأمن البحري والطاقة، لا يزال النزاع في لبنان يشكل خطرًا قائمًا على الاستقرار الإقليمي، مع ما يحمله من احتمالات لتوسيع دائرة المواجهة بين إيران وإسرائيل.
ومن هذا المنطلق، تبدو الحاجة ملحّة إلى عدم التعامل مع الجبهة اللبنانية باعتبارها ملفًا ثانويًا أو أزمة يمكن تأجيل معالجتها إلى مرحلة لاحقة. فاستمرار العمليات العسكرية وما يرافقها من دمار ونزوح وتدهور اقتصادي لا يهدد لبنان وحده، بل يخلق أيضًا بيئة قابلة لإعادة إنتاج التوترات الإقليمية وإشعال جولات جديدة من الصراع في المستقبل.
صحيح أنَّ التفاهم الإطاري بين الولايات المتحدة وإيران يمثل خطوة إيجابية نحو خفض التصعيد وفتح قنوات للحوار، لكنه لا يوفر بمفرده حلًّا شاملًا للتحديات الأمنية والسياسية التي تواجه المنطقة. فنجاح هذا المسار سيبقى مُرتبطًا بقدرته على التوسُّع ليشمل بؤر التوتر الأخرى التي ما زالت تشكل مصدرًا لعدم الاستقرار، وفي مقدمتها لبنان.
ولهذا، من المرجح أن تتطلب المرحلة المقبلة جهدًا ديبلوماسيًا أوسع يتجاوز الملفات النووية والأمنية المباشرة ليشمل القضايا المرتبطة بالنفوذ الإقليمي والصراعات الحدودية ومصير المناطق التي لا تزال تشهد مواجهات مفتوحة. وفي هذا السياق، تبدو التطوّرات في لبنان، إلى جانب الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب سوريا، ومستقبل قطاع غزة بعد الحرب، ملفات أساسية لا يمكن فصلها عن أيِّ مشروع جاد لإعادة بناء الاستقرار الإقليمي.
وفي نهاية المطاف، فإنَّ التحدي الحقيقي أمام القوى الإقليمية والدولية لا يكمن فقط في إنهاء جولة القتال الحالية، بل في منع تحوّلها إلى مقدمة لجولات جديدة من الصراع. وإذا كانت الحروب غالبًا ما تعكس فشل السياسة، فإنَّ نجاح المرحلة المقبلة سيُقاس بقدرة الديبلوماسية على معالجة الأسباب التي تُبقي هذه الحروب قابلة للاشتعال، وبناء ترتيبات سياسية وأمنية تحول دون عودة المنطقة إلى دوامة المواجهات المفتوحة خلال السنوات المقبلة.
- بول سالم هو باحث ومحلل سياسي لبناني، والرئيس التنفيذي السابق لمعهد الشرق الأوسط في واشنطن. يشغل حاليًا منصب زميل أول غير مقيم في برنامج الشرق الأوسط بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS).
- يَصدُرُ هذا المقال بالعربية في “أسواق العرب” (لندن) توازيًا مع صدوره بالإنكليزية في صحيفة “ذا ناشيونال” (أبو ظبي).
