لم تقتصر تداعيات الحرب الأميركية ضد إيران على ساحات القتال، بل امتدت إلى موازين القوى والعلاقات الإقليمية والتحالفات الدولية. وبينما أخفقت الحرب في تحقيق كثير من أهدافها المعلنة، فتحت الباب أمام تحوّلات سياسية واستراتيجية قد تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط لسنوات طويلة.
فيليب غوردون*
إذا كانت ثمة سمة مشتركة تجمع حروب تغيير الأنظمة التي قادتها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، فهي ما تخلّفه من تداعيات غير مقصودة تتجاوز الأهداف المُعلنة. ففي العراق، أفضى إسقاط نظام صدام حسين إلى حالة من الفوضى الواسعة، ورسّخ نفوذ إيران داخل البلاد عبر شبكة من الجماعات المسلحة الشيعية المدعومة من طهران. وفي ليبيا، انتهى التدخل العسكري الذي قادته واشنطن إلى انقسام الدولة وتوسيع دائرة عدم الاستقرار إلى دول الجوار، ولا سيما مالي وتشاد، مع انتقال السلاح والمقاتلين عبر الحدود. أما في سوريا، فقد ساهم دعم الولايات المتحدة للمعارضة المسلحة ضد الرئيس السابق بشار الأسد في تأجيج الحرب الأهلية، وتعميق الانقسامات الطائفية، وتغذية التيارات السنّية المتطرّفة، فضلًا عن موجات اللجوء إلى أوروبا التي عززت بدورها حضور التيارات الشعبوية اليمينية.
وفي هذا السياق، لا تبدو حرب عام 2026 ضد إيران استثناءً. فقد دخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب الحرب واضعًا مجموعة من الأهداف، شملت تغيير النظام الإيراني، وتدمير البرنامج النووي، وإضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، ودعم المحتجين في الداخل، إضافة إلى تأكيد قوة الولايات المتحدة ومصداقيتها الدولية. غير أنَّ النتائج جاءت، بحسب هذا التقدير، بعيدة من تلك الأهداف؛ إذ لم يتحقق تقدم ملموس في معظمها، بينما انتهت الحرب إلى منح إيران نفوذًا غير مسبوق على مضيق هرمز، وإضعاف مكانة الولايات المتحدة وتحالفاتها، فضلًا عن استبدال المرشد الأعلى علي خامنئي، الذي وُصف بالحذر والمتقدم في السن والمتراجع الشعبية، بنظام عسكري أكثر تشدّدًا ورغبة في الانتقام وأشد انعدامًا للثقة.
ومن المتوقع أن تترك الحرب آثارًا واسعة على التوازنات الإقليمية. فمع تجاهل الولايات المتحدة دعوات حلفائها لتجنب المواجهة وما ترتب على ذلك من أضرار مباشرة لدول الخليج العربي، ستتجه الدول الشريكة لواشنطن نحو تعزيز الاعتماد على الذات وتوسيع خياراتها الدولية. كما كشفت الحرب عن تباينات واضحة في تأثيراتها على دول مجلس التعاون الخليجي، وأظهرت حدود التضامن بينها، الأمر الذي قد يعمّق الانقسامات القائمة ويعقّد الجهود الرامية إلى بناء منظومة أمنية إقليمية مشتركة. كذلك، وبدلًا من أن تدفع نحو مزيد من اندماج إسرائيل في محيطها الإقليمي، وهو هدف سعت إليه إدارة ترامب، يُرجّح أن تؤدي الحرب إلى زيادة التباعد بين إسرائيل من جهة ودول الخليج والولايات المتحدة من جهة أخرى.
منطقة في حالة تغيُّر مستمر
لم تكن أيٌّ من الدول العربية راغبة في اندلاع حرب مع إيران. فبعد مرحلة سابقة كان فيها عدد من القادة العرب ينظرون بإيجابية إلى احتمال توجيه ضربة تؤدي إلى تغيير النظام في طهران، باعتبارها قوة إقليمية صاعدة تسعى إلى توسيع نفوذها، تبدلت الحسابات تدريجًا. ومع حلول موعد اندلاع الحرب، كانت غالبية العواصم العربية قد أعادت بناء قنوات التواصل مع إيران أو شرعت في تسويات معها. فقد استأنفت الإمارات علاقاتها الديبلوماسية مع طهران عام 2022 بعد سنوات من خفض التمثيل الديبلوماسي، فيما توصلت السعودية عام 2023، عبر وساطة صينية، إلى اتفاق أعاد العلاقات الرسمية بين البلدين وفتح السفارات، مقابل تعهّدٍ إيراني، ولو على المستوى الشكلي، بوقف تسليح الحوثيين في اليمن. وفي الفترة نفسها تقريبًا، أعلنت طهران إعفاء مواطنيها من تأشيرات الدخول إلى الإمارات والسعودية والبحرين والكويت وقطر، في خطوة عكست توجهًا إقليميًا نحو التهدئة. كما شهدت تلك المرحلة توسيع عدد من الدول العربية لعلاقاتها السياسية والاقتصادية مع نظام بشار الأسد في سوريا، الحليف الرئيسي لإيران.
ولم يكن هذا التحول ناتجًا عن تراجع المخاوف العربية من إيران بقدر ما كان انعكاسًا لتغير تقدير المخاطر. فمنذ عام 2019، تراجعت الرغبة في المواجهة بعدما امتنعت إدارة ترامب عن الرد بقوة على الهجمات التي نُسبت إلى إيران، سواء تلك التي استهدفت ناقلات نفط ترفع علمي الإمارات والسعودية في الخليج، أو الهجوم بالطائرات المسيّرة على منشآت بقيق وخريص النفطية في السعودية. وقد ارتبطت تلك التطورات بحملة “الضغط الأقصى” التي اعتمدتها واشنطن ضد طهران. وبحلول عام 2026، كانت دول الخليج قد توصلت إلى قناعة بأن كلفة أي مواجهة مباشرة ستكون مرتفعة للغاية، خصوصًا في ظل سعي الإمارات والسعودية إلى استقطاب استثمارات ضخمة في مراكز البيانات والخدمات المالية، وهي مشاريع تتطلب بيئة مستقرة وقادرة على طمأنة المستثمرين والكوادر الأجنبية.
وبحسب هذا التقدير، كانت البيئة الإقليمية قبل الحرب تصب إلى حد كبير في مصلحة دول الخليج. فقد تعرضت القدرات العسكرية الإيرانية وبرنامجها النووي وشبكة حلفائها الإقليميين لضغوط شديدة نتيجة جولات المواجهة المتكررة مع الولايات المتحدة وإسرائيل خلال عامي 2024 و2025. وفي الوقت نفسه، بقي النظام الإيراني قائمًا رغم ضعفه، بما أتاح تجنب سيناريو تغيير النظام وما قد يرافقه من فوضى أو سوابق سياسية غير مرغوبة. لذلك، عبّر قادة الخليج بصورة غير مسبوقة عن رفضهم لأيِّ هجومٍ على إيران، سواء عبر المواقف العلنية أو الرسائل الخاصة أو التواصل المباشر مع طهران، وصولًا إلى عدم السماح باستخدام أجوائهم أو أراضيهم في العمليات العسكرية الأميركية. أما التقارير التي تحدثت عن تشجيع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان للهجوم بصورة سرية، فتُفسَّر، وفق هذا الطرح، إما باعتبار السعودية استثناءً داخل المنظومة الخليجية، أو باعتبار أنَّ ولي العهد اختار مخاطبة ترامب بما يرغب في سماعه.
وفي موازاة ذلك، برز عامل آخر تمثل في اتساع الهوة بين السعودية والإمارات، القوتين الخليجيتين الأكثر تأثيرًا. فبعد سنواتٍ من التقارب حول ملفات مواجهة الإسلام السياسي واحتواء إيران ومحاربة الحوثيين، أخذت أولويات البلدين تتباعد تدريجًا، وتحوّلت العلاقة بينهما إلى مساحة متزايدة من المنافسة. فقد نظرت أبو ظبي بقلق إلى السياسات السعودية الهادفة إلى جذب رؤوس الأموال والشركات إلى المملكة، بما في ذلك عبر إجراءات تجارية وسياسات تأشيرات اعتُبرت منافسة للموقع الاقتصادي الإماراتي. كما أبدت امتعاضًا من تحسّن علاقات الرياض مع أطراف إقليمية كانت تعدّها خصومًا، مثل إيران وقطر وتركيا وباكستان، ومن تعاونها مع قوى إسلامية في ساحات مثل ليبيا والسودان.
في المقابل، تصاعدت الاعتراضات السعودية على ما وصفته بممارسات إماراتية في عدد من الملفات. وشملت تلك الاعتراضات اتهامات بتقديم دعم لقوى انفصالية مناوئة للرياض في اليمن، وهي القوى التي استهدفتها السعودية عسكريًا في كانون الأول/ديسمبر 2025، إضافة إلى تنامي التعاون العسكري والاستخباراتي بين الإمارات وإسرائيل رغم الجمود في المسار الفلسطيني، فضلًا عن اتهامات متعلقة بعدم الالتزام الكامل بتفاهمات خفض إنتاج النفط ضمن إطار “أوبك”. ومع اتساع التباعد الشخصي بين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد، بعد مرحلة طويلة من التقارب، ازدادت صعوبة التوصل إلى مواقف عربية موحدة بشأن ملفات متعددة، من أسواق الطاقة إلى العلاقات مع إسرائيل، ومن قضايا شمال وشرق أفريقيا إلى طبيعة الشراكة مع الولايات المتحدة وكيفية إدارة العلاقة مع إيران.
تداعيات الحرب على إيران
رُغمَ أنَّ نتائج المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران لم تتبلور بالكامل بعد، فإنَّ المؤشّرات الأوَّلية تسمح برسم صورة مبدئية لتأثيراتها المحتملة على البيئة الإقليمية.
- دول الخليج تتجه نحو قدر أكبر من الاستقلالية عن الولايات المتحدة:
أحدث القرار الأميركي ـ الإسرائيلي بشنِّ هجومٍ على إيران بهدف تغيير النظام، خلافًا لتقديرات معظم العواصم العربية، صدمةً لدى قادة المنطقة. فالحرب أفضت إلى السيناريوهات التي كانت هذه الدول تحذّر منها، بعدما تجاهلتها واشنطن: هجمات إيرانية متكررة على منشآت الطاقة والبنية التحتية المدنية، وإغلاق مضيق هرمز، وما نتج عن ذلك من أضرار اقتصادية جسيمة للدول الخليجية التي تعتمد بصورة أساسية على صادرات الطاقة.
كما أظهرت الحرب محدودية الترتيبات الأمنية التي كانت قائمة قبل اندلاعها. فلم تتمكن الضمانات الأمنية التي قُدمت لبعض دول الخليج، بما في ذلك الأمر التنفيذي المتعلق بقطر عام 2025، وتصنيف قطر والكويت والبحرين كحلفاء رئيسيين من خارج حلف شمال الأطلسي، إضافة إلى اتفاقيات القواعد العسكرية المبرمة مع عدد من دول مجلس التعاون الخليجي، من منع الهجمات الإيرانية أو الحد من آثارها.
وفي ضوء هذه التجربة، يُرجَّح أن تتجه دول الخليج إلى تقليص درجة اعتمادها على الولايات المتحدة، التي باتت تُنظر إليها بوصفها شريكًا يصعب التنبؤ بسلوكه، وغير قادر على توفير الحماية الكاملة لحلفائه، بل قد يعرّضهم لمخاطر إضافية نتيجة قرارات أحادية. كما إنَّ القلق الخليجي لن يقتصر على إدارة ترامب وحدها، إذ قد تنظر هذه الدول بحذر أيضًا إلى أي إدارة ديموقراطية مقبلة قد تكون أقل تقلبًا، لكنها ليست بالضرورة أكثر انسجامًا مع أولوياتها ومصالحها.
ومع ذلك، لا يعني هذا التحوُّل التخلي عن الشراكة مع الولايات المتحدة. فواشنطن لا تزال تمتلك عناصر قوة يصعب تعويضها، سواء في مجالات الاستثمار أو التسليح أو الدعم السياسي. كما إنَّ دول الخليج لا تبدو في وارد استبدال الولايات المتحدة بقوة دولية أخرى، مثل الصين، التي لا تبدي استعدادًا للانخراط الأمني الواسع في الشرق الأوسط، ولا تملك المقوّمات التي تجعلها بديلًا مباشرًا من الدور الأميركي.
بدلًا من ذلك، يُتوقع أن تسعى دول الخليج إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على طرف واحد، عبر زيادة الإنفاق الدفاعي وتوسيع شبكة الشركاء وموردي السلاح. وفي هذا السياق، قد تتجه بصورة أكبر نحو التعاون مع أطراف أخرى، من بينها الدول الأوروبية وكوريا الجنوبية وأوستراليا.
كما كشفت الحرب عن هشاشة الاعتماد على المنظومات الأميركية في مواجهة التهديدات الصاروخية والطائرات المسيّرة. ففرض قيود على استخدام منصات الإطلاق وأنظمة الاعتراض الأميركية يمكن أن يترك دول الخليج مكشوفة أمام هجمات مماثلة. ويزداد هذا الاحتمال في حال اندلاع أزمة متزامنة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، حيث قد تصبح الموارد العسكرية الأميركية المطلوبة في الشرق الأوسط أقل توافرًا أو يجري تحويلها إلى ساحات أخرى.
وفي موازاة ذلك، من المرجح أن تسرّع دول الخليج خططها الرامية إلى تنويع مسارات تصدير الطاقة، عبر الاستثمار في شبكات وخطوط أنابيب بديلة تقلل من الاعتماد على مضيق هرمز، وتحدّ من ارتباط أمن صادراتها بقدرة الولايات المتحدة على ضمان بقاء الممرات البحرية مفتوحة.
- تفاقم الانقسامات بين دول الخليج.
بدلًا من أن تؤدي الحرب إلى توحيد دول الخليج في مواجهة خصم مشترك، يُرجّح أن تكون قد عمّقت التباينات القائمة بينها، خصوصًا أنَّ تداعياتها لم تتوزع بالتساوي على مختلف الدول. ويُعدّ المثال الإماراتي الأكثر وضوحًا في هذا السياق، إذ تعرّضت الدولة لأكثر من 3000 صاروخ وطائرة مسيّرة، وهو عدد يفوق ما تعرضت له بقية دول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة.
ويُعزى ذلك، وفق هذا التقدير، إلى مجموعة من العوامل. فالموقع الجغرافي جعل الإمارات هدفًا أسهل للهجمات الإيرانية، كما إنَّ حجم العمليات الإماراتية المضادة ضد إيران، والتي ظلت سرية خلال الحرب قبل الكشف عنها لاحقًا، أسهم في جعلها هدفًا رئيسيًا. غير أنَّ بعض الأوساط الإماراتية رأى أنَّ الأمر يرتبط أيضًا باختلاف مواقف دول خليجية أخرى، ولا سيما السعودية وقطر وسلطنة عُمان، التي انتهجت مقاربات أكثر مرونة في التعامل الديبلوماسي مع طهران، أو ربما عقدت تفاهمات جانبية معها. وفي هذا السياق، عكس منشور مستشار رئيس دولة الإمارات أنور قرقاش في 19 أيار(مايو) حجم هذا الشعور، حين كتب أن “دور الضحية اندمج مع دور الوسيط”، وأنَّ “الصديق تحول إلى وسيط بدلًا من أن يكون حليفًا وداعمًا ثابتًا”.
وإذا كانت السعودية قد بدت، عند اندلاع الأزمة، الطرف الخليجي الأكثر استعدادًا لاستخدام القوة ضد إيران، فإنَّ الإمارات خرجت من الحرب، وفق هذا التصور، بوصفها الطرف الأكثر إصرارًا على ضمان عدم تكرار مثل هذه الهجمات مستقبلًا، وعلى تجريد إيران من القدرة على تهديد دول الخليج. وانطلاقًا من ذلك، تبدو أبو ظبي ماضية في تعزيز تعاونها العسكري والاستخباراتي مع إسرائيل، التي ترددت معلومات عن إرسالها بطارية من منظومة “القبة الحديدية” للمساهمة في حماية الإمارات من الصواريخ الإيرانية.
في المقابل، تتجه السعودية إلى مسار مختلف، يتمثل في زيادة المسافة السياسية بينها وبين إسرائيل، وهو ما ظهر من خلال مشاركتها، إلى جانب باكستان وسلطنة عُمان وقطر، في جهود ديبلوماسية هدفت إلى إنهاء الحرب رغم الاعتراضات الإسرائيلية على تلك المساعي.
كما كشفت أزمة إغلاق مضيق هرمز عن تفاوت واضح في انعكاساتها الاقتصادية على دول الخليج. فقد استفادت السعودية من امتلاكها خط الأنابيب الممتد من شرق المملكة إلى ساحل البحر الأحمر، ما أتاح لها الاستمرار في تصدير جزء أكبر من إنتاجها النفطي مقارنة بالإمارات. ونتيجة لارتفاع أسعار النفط، ارتفعت الإيرادات السعودية بنحو 9 مليارات دولار، كما حققت سلطنة عُمان مكاسب إضافية قُدرت بنحو 6 مليارات دولار، مستفيدة من عدم اعتماد صادراتها النفطية على المرور عبر المضيق.
أما الإمارات، فعلى الرغم من ارتفاع الأسعار، تراجعت عائداتها النفطية بأكثر من 1.5 مليار دولار، فيما تعرضت قطر والكويت والبحرين لخسائر أشد وطأة. وأسهم هذا التباين في التأثيرات الاقتصادية للحرب في دفع الإمارات إلى اتخاذ قرارها في 28 نيسان (أبريل) بالانسحاب من منظمة “أوبك”. ورغم أن هذا الخيار كان مطروحًا للنقاش منذ سنوات، فإنَّ تداعيات إغلاق المضيق وفرت الظروف المناسبة للمضي فيه.
ومع إعادة فتح المضيق وتشغيل خطوط الأنابيب المطورة، يُتوقع أن تركز الإمارات بصورة أكبر على زيادة إنتاجها وتعظيم عائداتها النفطية، حتى لو جاء ذلك على حساب مستويات الأسعار التي تحتاجها السعودية لتحقيق التوازن في ماليتها العامة. ومن شأن هذا التوجه أن يضيف عنصرًا جديدًا إلى التوترات المتنامية بين البلدين، ويعمّق التباينات القائمة في مقاربتهما للملفات الاقتصادية والإقليمية.
- ازدياد حدة الانقسام بين إسرائيل والولايات المتحدة ومعظم الدول العربية.
من المرجح أن تترك الحرب على إيران آثارًا عميقة في العلاقات التي تربط إسرائيل بالولايات المتحدة وبجوارها العربي. فحتى قبل اندلاع الحرب، كانت صورة إسرائيل داخل الرأي العام الأميركي تشهد تراجُعًا ملحوظًا نتيجة تداعيات الحرب في غزة وسياسات الحكومة الإسرائيلية اليمينية. إلّا أنَّ انخراط إسرائيل في الحرب على إيران، التي ينظر إليها قطاع واسع من الأميركيين باعتبارها حربًا مكلفة وغير ضرورية، أسهم، وفق هذا التقدير، في تسريع هذا التحوُّل داخل الأوساط السياسية والشعبية على حد سواء، بما في ذلك بين شرائح من القاعدة المؤيدة للرئيس ترامب.
وتشير المعطيات الواردة إلى تنامي هذا الاتجاه بصورة لافتة. فاستطلاع أجرته مؤسسة “بيو” أظهر أنَّ نحو 60 في المئة من الأميركيين ينظرون إلى إسرائيل بصورة سلبية، فيما أفادت نتائج استطلاع أجرته شبكة “أن بي سي نيوز” في نيسان (أبريل) بأنَّ 74 في المئة من الأميركيين الشباب الذين شملهم الاستطلاع باتوا أكثر تعاطفًا مع الفلسطينيين من الإسرائيليين. وفي موازاة ذلك، انتقلت الدعوات المطالبة بتقييد أو وقف الدعم العسكري الأميركي لإسرائيل من هامش النقاش السياسي إلى موقع أكثر حضورًا في السجال العام.
ويعكس التصويت داخل الكونغرس جانبًا من هذا التحول. ففي نيسان (أبريل)، صوّت 36 عضوًا ديموقراطيًا في مجلس الشيوخ ضد صفقة أسلحة رئيسية لإسرائيل، بزيادة اثني عشر عضوًا مقارنة بتصويت مماثل سبق الحرب على إيران. وانطلاقًا من هذه المؤشرات، يزداد احتمال تراجع الدعم الأمني الأميركي لإسرائيل بصورة جوهرية، ولا سيما إذا عاد الديموقراطيون إلى البيت الأبيض عام 2029 واستمرت السياسات الإسرائيلية على حالها.
وعلى الصعيد الإقليمي، يُرجّح أن تؤدي الحرب إلى تجميد فرص توسيع مسار التطبيع بين إسرائيل والدول العربية خلال المستقبل المنظور. وبينما قد تواصل الإمارات تطوير علاقاتها مع إسرائيل، وربما توسيعها، انطلاقًا من تقاطع المصالح والرؤى في عدد من الملفات الإقليمية، فإنَّ بقية دول مجلس التعاون الخليجي، بما فيها السعودية وقطر، تبدو أقرب إلى زيادة المسافة السياسية بينها وبين إسرائيل، مع تراجع احتمالات إقامة علاقات رسمية جديدة معها.
وفي هذا السياق، تشير تقارير عدة إلى أنَّ الرئيس ترامب طرح، خلال اتصالات أجراها مع قادة عرب في أيار (مايو) 2026، ثم عبر تصريحات ومنشورات لاحقة، فكرة جعل الانضمام إلى “اتفاقيات أبراهام” جزءًا إلزاميًا من الترتيبات المقترحة لإنهاء الحرب مع إيران. غير أن فرص نجاح هذا الطرح تبدو محدودة للغاية، خصوصًا في ما يتعلق بالسعودية.
فالعقبة المرتبطة برفض إسرائيل الالتزام بمسار واضح نحو قيام دولة فلسطينية كانت أصلًا من أبرز أسباب تحفظ الرياض على الانضمام إلى الاتفاقيات. ومع تصاعد الغضب الشعبي تجاه إسرائيل، وتزايد التباينات الخليجية، وتراجع مستوى التهديد الإيراني مقارنة بالمراحل السابقة، إضافة إلى استعداد إدارة ترامب للمضي في توسيع التعاون الدفاعي والنووي مع السعودية بغض النظر عن ملف التطبيع، يرى المراقبون أنَّ احتمالات استجابة الرياض إيجابًا للضغوط الأميركية في هذا الاتجاه أصبحت شبه معدومة في المدى المنظور.
توصيات السياسة
كانت لقرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتهور بشنّ حربٍ على إيران تداعيات واسعة تجاوزت الخسائر البشرية والمادية المباشرة، لتطال التوازنات الاستراتيجية والعلاقات التي تربط الولايات المتحدة بدول المنطقة، وكذلك العلاقات بين القوى الإقليمية نفسها. ووفق هذا المنظور، فإنَّ كثيرًا من هذه التحوّلات لن يكون من السهل عكسه أو العودة به إلى ما كان عليه قبل اندلاع الحرب.
وفي المدى القريب، تبدو الخيارات المتاحة أمام الولايات المتحدة محدودة. فالأولوية ستتمثل في إنهاء الحرب بأقل قدر ممكن من التنازلات المرتبطة بالملف النووي الإيراني أو بالكلفة المالية المترتبة على الصراع. وبعد ذلك، ستواجه واشنطن مهمة أكثر تعقيدًا تتمثل في إعادة بناء الثقة مع شركائها الإقليميين، واستعادة قدرة الردع، وإعادة فتح قنوات التواصل مع طهران.
ومع ذلك، فإنَّ الولايات المتحدة ستظل، رغم ما خلفته الحرب من أضرار، الشريك المفضل لمعظم دول المنطقة. فحتى إذا كانت إدارة ترامب قد استنزفت جانبًا كبيرًا من رصيد الثقة الذي تمتعت به في بداية ولايتها، فإنَّ الإدارات الأميركية اللاحقة ستبقى أمام فرصة لإعادة صياغة العلاقة مع الشرق الأوسط على أسس أكثر استقرارًا وبناءً.
ويتطلب ذلك الحفاظ على مستويات فاعلة من الانخراط العسكري والاقتصادي والديبلوماسي في المنطقة، إلى جانب استخلاص الدرس الأبرز الذي أظهرته الحرب. فالتصرفات الأحادية والسياسات القائمة على الثقة المفرطة بالقدرة على فرض النتائج لا تؤدي، في كثير من الأحيان، إلّا إلى تداعيات غير متوقعة يصعب التحكم بها لاحقًا، حتى بالنسبة إلى قوة بحجم الولايات المتحدة.
- فيليب غوردون هو باحث “سيدني شتاين جونيور” في مركز ستروب تالبوت للأمن والاستراتيجية والتكنولوجيا التابع لبرنامج السياسة الخارجية في معهد بروكينغز. وتغطي أبحاثه نطاقًا واسعًا من قضايا السياسة الخارجية والأمن القومي الأميركي، بما في ذلك دور القوة الأميركية وتحالفاتها في أوروبا والشرق الأوسط ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ.
- كُتِبَ هذا المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.
