البروفِسور بيار الخوري*
لم يُفلِس لبنان يومًا بسبب نقص المال، بل بسبب العجز المزمن عن إدارته على نحوٍ رشيد. فالبلد الذي عجز مصرفه المركزي، طوال سبع سنوات، عن توحيد سعر صرف عملته، يجد اليوم مَن يتحدّث عن استثمارات أميركية واعدة، من دون حديثٍ موازٍ عن إصلاحات أو تدقيق أو مساءلة. وليس هذا مجرّد تناقُضٍ في الخطاب، بل مؤشر إلى تبدُّل أعمق في منطق المقاربة الدولية: ثمة طريقٌ إلى ضخ الأموال أقل كلفةً سياسيًا من فرض الإصلاحات، لأنه لا يقتضي المساس بالبنية التي أنتجت الأزمة. وهذا ما بدأت تكشفه الأشهر الأخيرة في المشرق العربي، حيث صار الحديث عن الاستثمار في لبنان وسوريا يجري بلغة تختلف عن قاموس صندوق النقد الدولي، وتقترب أكثر من منطق المكافأة السياسية منها إلى منطق الاشتراط المؤسّسي.
حين قالت المبعوثة الأميركية مورغان أورتيغوس، قبل نحو عام، إنَّ لبنان لا يحتاج إلى صندوق النقد بقدر ما يحتاج إلى الاستثمار، لم يكن ذلك تبسيطًا عابرًا لمسؤولة تجهل تعقيدات الأزمة المصرفية اللبنانية، بل كان إعلانًا مُبكرًا عن تحوُّلٍ في منطق المقايضة نفسه.
فصندوق النقد الدولي، مهما اختلفت برامجه من بلدٍ إلى آخر، يقوم على مبدَإٍ ثابت: إعادة توزيع كلفة الانهيار على من تسبّب به، عبر تدقيق الحسابات، وتوحيد سعر الصرف، وإخضاع القطاع المصرفي لحوكمة رقابية تحدُّ من قدرته على نقل خسائره إلى المودعين والدولة. وهذا مسارٌ يمسُّ مباشرة مصالح الطبقة السياسية والمصرفية النافذة في لبنان، لأنه يطالبها بالتخلّي عن إحدى أهم آليات بقائها: تحويل الخسائر إلى الآخرين.
أما الاستثمار الأميركي الموعود، فينطلق من منطق مختلف جذريًا. وليس هذا التحوُّل مجرّد تبدُّلٍ في اللغة، بل يعكس إعادة ترتيب لأولويات السياسة الأميركية في الإقليم. ففي بيئةٍ أعادت حرب غزة وما تبعها رسم خرائط النفوذ، لم يعد الإصلاح الاقتصادي الهدف الأول، بل أصبح جُزءًا من هدفٍ أكبر يتمثل في تثبيت ترتيبات أمنية وسياسية جديدة. ومن هذا المنظور، يغدو الاستثمار أداةً من أدوات السياسة الخارجية، تُستخدم لترسيخ موازين القوى المرغوبة، لا مجرّد وسيلة لتحقيق النمو الاقتصادي.
وهذا لا يعني أنَّ واشنطن تخلّت عن الإصلاح أو عن صندوق النقد الدولي، بل إنها لم تعد تشترط الإصلاح بوصفه البوابة الوحيدة للانخراط الاقتصادي. فقد أصبح ممكنًا، في بعض الحالات، أن يسبق الاستثمارُ الإصلاحَ، على أمل أن يقود إليه لاحقًا، لا أن يكونَ مكافأةً عليه كما كان يُفترَض في السابق.
وقد بدأ هذا التحوُّل يظهر بوضوح في الخطاب الأميركي الرسمي. فعندما التقى الرئيس الأميركي دونالد ترامب نظيره اللبناني جوزاف عون في البيت الأبيض، لم يكن الحديث عن برنامج إصلاح مالي أو إعادة هيكلة الاقتصاد، بل عن تعهُّدٍ عام بمساعدة لبنان “كثيرًا”، من دون تفاصيل أو شروط إصلاحية واضحة.
وكان وزير الخارجية ماركو روبيو أكثر صراحة عندما ربط الاستثمار مباشرة بمعادلة أمنية، مُتسائلًا كيف يمكن جذب مزيد من الاستثمار الأميركي والدولي بحيث تصبح الدولة اللبنانية، لا “حزب الله” ولا إيران، صاحبة النتائج الإيجابية. في هذه المقاربة، لا يعود الاستثمار أداةً للتنمية بقدر ما يصبح أداةً لإعادة إنتاج الشرعية السياسية؛ يُمنح لمَن يتموضَع في الاصطفاف الدولي الصحيح، لا لمَن يُنجِزُ إصلاح قطاعه المالي والإداري أو يحسّن بيئته الاستثمارية.
وليس لبنان استثناءً من هذه المقاربة. ففي سوريا أيضًا، وبعد عقود من العقوبات والعزلة، بدأ الحديث الأميركي والخليجي عن انفتاحٍ استثماري، رُغمَ أنَّ مؤسسات الدولة وأجهزتها الرقابية لا تزال تعاني ضعفًا شديدًا، ورُغمَ غياب الإطار المؤسّسي الذي يُطَمئن أيَّ مستثمرٍ تقليدي إلى سلامة أمواله. هناك أيضًا، لم ينتظر الاستثمار إصلاحًا مؤسّسيًا، بل جاء مكافأة على تحوُّلٍ سياسي، وأداةً لترسيخ واقع جديد أكثر منه اعترافًا بجدارة اقتصادية.
ويندرج في السياق نفسه الحديث عن استثمارات سعودية وقطرية في جنوب لبنان، بما في ذلك مشاريع تُطرح لإدماج عناصر “حزب الله” السابقين في الاقتصاد المحلي. فالمنطق هنا ليس إطلاق برنامج تنموي شامل، بل توظيف الاستثمار لخدمة تسوية أمنية وجغرافية محددة.
هنا تحديدًا يكمن الرهان الذي تراهن عليه الطبقة السياسية اللبنانية. فمهما كانت الدوافع الوطنية للرئيس جوزاف عون، ترى هذه الطبقة في مساره فرصة لتحقيق هدف مختلف. فإذا نجحت الدولة في تقديم ما تريده واشنطن فعلًا — من نزع سلاح “حزب الله”، إلى إدارة الانسحاب الإسرائيلي بالتفاوض، وبسط سلطة الدولة تدريجيًا على الجنوب — فإنها قد تحصل في المقابل على غطاءٍ استثماري أميركي يمكن تسويقه داخليًا بوصفه بديلًا من الإصلاح، لا نتيجةً له.
وهكذا، بدل أن يكون الاستثمار ثمرة الإصلاح، يصبح الإصلاح نفسه أقل إلحاحًا، ما دام الاستثمار يأتي من باب آخر: باب الاصطفاف الجيوسياسي لا باب الحوكمة الرشيدة.
وهذه، في جوهرها، مقايضة أقل كلفةً سياسيًا بما لا يقاس. فالخدمات الأمنية والسياسية المطلوبة خارجيًا لا تمسّ الامتيازات الاقتصادية التي راكمتها الطبقة الحاكمة، بل قد تعززها بمنحها شرعية جديدة بوصفها شريكًا موثوقًا للولايات المتحدة. أما الإصلاح المالي الحقيقي، فكان سيعني تفكيك شبكة المصالح التي بُني نفوذها على أنقاض الانهيار نفسه. وهكذا يتحوّل الاستثمار، الذي كان يُفتَرَض أن يكون ثمرة الإصلاح، إلى وسيلةٍ لتأجيله.
غير أنَّ هذا الرهان، مهما بدا مغريًا، يبقى محفوفًا بضعف بنيوي لا يقل خطورة عن ضعف النظام المصرفي المنهار. فالاستثمار القائم على الاصطفاف السياسي يظلُّ استثمارًا متقلبًا، يتبع تبدّل العلاقات بين واشنطن وأطراف الإقليم أكثر مما يتبع منطق العائد الاقتصادي المستدام. وما لم يُرافقه، ولو تدريجيًا، الحد الأدنى من الحوكمة والشفافية والإصلاح المؤسسي، فسيبقى تدفُّقًا هشًّا قابلًا للانقطاع مع أول تغيُّر في الحسابات الجيوسياسية، تاركًا خلفه الأزمة المصرفية نفسها، لا وقد حُلّت، بل وقد أُجّل انفجارها مرة أخرى.
فالاستثمار قد يشتري الوقت، لكنه لا يشتري الثقة. والثقة هي رأس المال الوحيد الذي لا يمكن لأيِّ دولةٍ أن تستورده من الخارج.
- البروفِسور بيار الخوري هو أكاديمي وخبير تربوي، محلل اقتصادي لبناني وكاتب في الاقتصاد السياسي. وهو أستاذ مواد الدكتوراه والماجستير في إدارة الأعمال في جامعات عدة في أميركا الشمالية ولبنان.
