ابراهيم حيدر*
ما يحدث في جنوب لبنان أسوأ بكثير مما هو مُعلَن. الخسائر فادحة والخراب يعمّ القرى بعدما دمّرتها إسرائيل وحوّلتها أرضًا غير قابلة للحياة، إلى حدِّ أنَّ النظر إلى حجم الكارثة يفوق الاستيعاب، وإن كانت بفعل فاعل معلوم.
حرقت إسرائيل جنوب لبنان، دمّرت مدنه وقراه، من بنت جبيل إلى الخيام، وأزالت كل المعالم التاريخية والمكتبات والأسواق التراثية، حتى الذاكرة، وعزلت هذه المنطقة عن العالم.
الجنوب اليوم ساحة حرب إسرائيلية عدوانية وإجرامية، بعد إسنادَين قرّرهما “حزب الله” ضمن حلقة أوهام أدّت إلى التفريط بإنجاز التحرير، فأصبح اليوم الجنوب متروكًا لقدره حتى في وقف إطلاق النار الذي لم يشمله في الاتفاق الذي حيّد الضاحية والمستوطنات الإسرائيلية، فغادر أهله وهم يقتلون من جنوب النهر إلى شماله. هي إسرائيل استغلّت الفرصة بذرائع جاءتها على طبق من ذهب، إذ لم تكتفِ بالتدمير وفرضِ الشروط، فتنتقم من هذه البقعة التي أخرجت جيشها في عام 2000. لا تريد إسرائيل في الجنوب أي أثر للدولة اللبنانية، فاحتلته وتسعى الى قضم أكبر مساحة منه وفرض وقائع سياسية على لبنان.
تسعى إسرائيل وفق ما تعلنه إلى القضاء على “حزب الله” ونزع سلاحه لحماية مستوطناتها الشمالية، وخطتها التوغّل أكثر إلى عمق قد يتجاوز الزهراني. لكن الاحتلال بات يسيطر على مساحة 10 في المئة من لبنان. في المنطقة المحتلة تجرف إسرائيل ذاكرة الجنوب، في المدن العريقة، فها هي بنت جبيل بتراثها وسوقها وتاريخها تُمحى وتُباد، فيما الغارات التدميرية تستهدف المدن العريقة، لإزالة أيِّ أثرٍ تاريخي كما لإنهاء أي وجود للدولة. وها هو جبل عامل يتعرّض لنكبةٍ وجودية، من رمزية صور بآثارها وموقعها وتاريخها، إلى النبطية مدينة العلماء والانفتاح الذي كان يسجل لها في التاريخ قبل أن تتحوّل الى منطقة مغلقة.
إسرائيل في حربها المعلنة مع “حزب الله” وعلى لبنان، تقضي على البشر والحجر والتراث والتاريخ في الجنوب، وتضع أرقامًا لخط أصفر ثم أحمر بعد مجازرها. تحوّله إلى صورة بلا نبض. حتى في الاحتلال الأول بقيت الناس ذاكرة الجنوب، قبل أن يتحوّل التحرير مادة توظيف لقوى إقليمية عبثت به، ثم استدرج الاحتلال ليسحق مناطق لها معانٍ ورمزيات وحكايات ناس تروي الكثير عن تاريخ المنطقة.
الآن أمام هذه الكارثة علينا التخلص من الأوهام. سيكون صعبًا بعد كل ما حدث تكرار تجربة ما قبل الألفين، 25 سنة حتى استعدنا الجنوب، فهل ننتظر عقدين إضافيين لنحرّره، بعد جرّ البلد إلى الحرب؟ يجب أن نفكر في ابتكار أساليب يقررها اللبنانيون قد تكون المقاومة لاحقًا أحد أشكالها، لكن ليست تلك القائمة على وهم “توازن الردع” لحسابات إقليمية. إخراج الاحتلال ودحره لا يكون عبر من جلب الكوارث وافتخر بها وأعلنها نصرًا مبينًا، فيما دمرت بيوتنا واحترقت أرضنا وأزيلت معالم الحياة في الجنوب.
“حزب الله” عندما أطلق صواريخ إسناد إيران، لم يستشر أحدًا. سلاحه أخرج من مقاومة الاحتلال بعد اتفاق تشرين الثاني (نوفمبر) 2024، وكان يوظف لأجندات إيرانية، وهو وإن كان يواجه الاحتلال اليوم، ما عاد يردع ولا يحمي. ربما هذه الحرب قضت على لبنان الذي نعرفه، وحتى لو توقفت ستظهر المأساة الحقيقية ونشهد حجم الكارثة التي وقعنا بها عندما اختار البعض منع أي نهوض لمشروع الدولة والسيادة. وها نحن ندفع الثمن باحتلال جاثم، الجنوب ضحيته، ومأزق داخلي يوازي بخطورته فداحة ما سببته حرب إسرائيل على لبنان.
- الدكتور إبراهيم حيدر هو أكاديمي، صحافي ومحلّل سياسي لبناني. يمكن متابعته عبر منصة “إكس” على حسابه: @ihaidar62
