الدكتور ناصيف حتّي*
نعيش اليوم مرحلة انتقالية فارقة في تاريخ العلاقات الدولية، تتسم بتحوّلاتٍ عميقة تتجاوز حدود منطقة بعينها لتشمل مختلف أقاليم العالم، وإن بدرجات متفاوتة. هذه التحوّلات لا تقتصر على إعادة رسم موازين القوى الدولية، بل تؤسّس أيضًا لقواعد جديدة تحكم التفاعلات بين الدول. فبعض ملامح النظام الدولي الناشئ بدأ يترسّخ تدريجًا كحقائق سياسية واستراتيجية، فيما لا تزال ملامح أخرى قيد التشكل في ظلِّ حالةٍ من السيولة وعدم اليقين. ومن هنا يكثر الحديث عن عالمٍ يدخل مرحلة “ما بعد، ما بعد الحرب الباردة”، أي مرحلة تتجاوز الترتيبات والتوازنات التي حكمت النظام الدولي منذ انهيار الاتحاد السوفياتي مطلع تسعينيات القرن الماضي.
وفي خضمِّ هذا التحوُّل، تتباين القراءات بشأن شكل النظام العالمي المقبل. فهناك من يرى أنَّ العالم يتجه نحو ثُنائية قطبية جديدة تتصدّرها الولايات المتحدة والصين، مع انتقال بكين من موقع القوة الاقتصادية الصاعدة إلى موقع الفاعل الجيوسياسي القادر على التأثير في القضايا الدولية الكبرى. في المقابل، يذهب آخرون إلى أنَّ المشهد الدولي يتجه نحو صيغةٍ ثُلاثية الأقطاب تضمُّ إلى جانب واشنطن وبكين، روسيا الاتحادية، وإن كان بوزنٍ أقل نتيجة الفجوة الاقتصادية الكبيرة بينها وبين القوّتَين الأخريين. لكن ما يبدو أكثر وضوحًا هو أنَّ النظام الدولي الناشئ لن يقوم على التحالفات الصلبة والمغلقة التي طبعت مراحل سابقة، بل على شبكة معقّدة من التفاهمات والشراكات المتغيِّرة، حيث تتقدّم المصالح والملفات المحددة على الاعتبارات الإيديولوجية والخطابات السياسية التقليدية.
في خضمِّ التحوّلات التي يشهدها النظام الدولي، يبرز تراجُع دور ووزن أحد أبرز الشركاء التقليديين في ما كان يُعرَف بـ”القطب” أو “الحلف الغربي”، وهو الاتحاد الأوروبي. فهذا الكيان الذي شكّل لعقود نموذجًا متقدّمًا للتعاون والتكامل الإقليمي متعدد الأبعاد والأهداف، يجد نفسه اليوم أمام تحديات متزايدة انعكست على مكانته الدولية وقدرته على التأثير في مسار الأحداث العالمية.
صحيح أنَّ الاتحاد الأوروبي لا يزال يمثّل التجربة الأكثر تقدُّمًا في مجال التكامل الإقليمي على مستوى العالم، إلّا أنَّ حضوره في مرحلة إعادة تشكيل النظام الدولي لم يعد بالحجم أو الفاعلية اللذين ميّزاه خلال العقود الماضية. ويكتسب هذا التراجع أهمية خاصة إذا ما أُخذ في الاعتبار الدور الذي اضطلع به الاتحاد الأوروبي تاريخيًا بوصفه أحد الأعمدة الرئيسة للمنظومة الغربية وشريكًا أساسيًا للولايات المتحدة في إدارة العديد من الملفات والقضايا الدولية.
تقف مجموعة من العوامل وراء تراجع وزن ودور الاتحاد الأوروبي على الساحة الدولية. ويعزو بعض المراقبين هذا التراجع إلى التوسُّع السريع الذي شهده الاتحاد بعد نهاية الحرب الباردة، من خلال ضمّ عدد كبير من الدول الأوروبية التي عادت إلى الظهور السياسي بعد سقوط الحلف الشرقي بقيادة موسكو السوفياتية. فرُغم الأهمية السياسية والاستراتيجية لهذه الخطوة في ترسيخ الوحدة الأوروبية وتوسيع نطاقها الجغرافي، فإنها فرضت في المقابل أعباء وتكاليف كبيرة، ولا سيما على الصعيد الاقتصادي، ما انعكس على مسار البناء الأوروبي وقدرته على المحافظة على مستويات متجانسة من التنمية والتكامل بين أعضائه.
في المقابل، يرى آخرون أنَّ جُزءًا من المشكلة يعود إلى بروز عوائق موضوعية ذات طابع وطني داخل دول الاتحاد نفسها. فمع مرور الوقت، أخذت تتبلور أولويات متفاوتة في مجالات السياسة والاقتصاد والدفاع والمال والأمن، تعكس خصوصيات وطنية وتطوّرات داخلية تختلف من دولة إلى أخرى. ورُغم استمرار التوافق على الأسس الاستراتيجية التي قامت عليها عملية البناء الأوروبي، فإنَّ تباين المصالح والأولويات الوطنية بات يفرض نفسه بصورة متزايدة على عملية صنع القرار الأوروبي، الأمر الذي يحدُّ من قدرة الاتحاد على التحرّك بوصفه كتلة سياسية واستراتيجية موحدة في مواجهة التحديات الدولية المتسارعة.
وزاد من اتساع مساحة الاختلاف داخل الاتحاد الأوروبي تراجُعُ، أو ما يصفه البعض بوَهن، دور “القاطرة الأوروبية” التي تمثلت تاريخيًا في الشراكة الفرنسية-الألمانية. فهذا الثنائي شكّل لعقود المحرّك الرئيسي لمسار التكامل الأوروبي، وقاد إلى حد كبير عملية البناء السياسي والاقتصادي للاتحاد. إلّا أنَّ هذا الدور لم يعد يتمتّع بالزخم نفسه الذي عرفه في مراحل سابقة.
ويعود ذلك إلى جملةٍ من العوامل، من بينها تباين الأولويات بين باريس وبرلين، فضلًا عن تراجع الإمكانات المتاحة أو القابلة للتوظيف لدى كلٍّ منهما في خدمة المشروع الأوروبي. كما ساهم صعود قوى أوروبية أخرى تسعى إلى لعب أدوار قيادية أكبر في زيادة حدة المنافسة داخل الاتحاد وإعادة رسم موازين التأثير بين أعضائه.
ومن الطبيعي أن تتسع مساحة الاختلاف كلما ازداد عدد أعضاء “النادي الأوروبي”. فالتوسُّع المستمر للاتحاد، على أهميته السياسية والاستراتيجية، حمل معه تنوُّعًا أكبر في المصالح والرؤى والأولويات، الأمر الذي رفع من احتمالات التباين في المقاربات وفتح المجال أمام أشكال مختلفة من التنافس، حتى داخل البيت الأوروبي الواحد.
وفي سياقٍ مُتَّصل، برز عاملٌ إضافي أسهم في إضعاف الموقف الأوروبي، يتمثّل في الأزمة المتنامية داخل “البيت الغربي” بين أوروبا والولايات المتحدة، ولا سيما خلال عهد الرئيس دونالد ترامب. فقد طبعت النزعة الأحادية سياسات الإدارة الأميركية وأولوياتها الدولية، على حساب منطق التشاور والتوافق الذي حكم تقليديًا العلاقات داخل الفضاء الأطلسي، خصوصًا في الملفات الاستراتيجية الكبرى.
ولعلَّ أبرز تجلّيات هذا التباعُد ظهر في الموقف من الأزمة الأوكرانية، التي تُشكّل أولوية استراتيجية بالنسبة إلى الدول الأوروبية. فالكثير من الأوروبيين ينظرون بقدر من خيبة الأمل إلى السياسة الأميركية في هذا الملف، ويعتبرون أنَّ واشنطن تميل أحيانًا إلى إدارة تفاهماتها مع موسكو بما لا يأخذ دائمًا في الاعتبار مصالح حلفائها الأوروبيين وهواجسهم الأمنية، الأمر الذي عمّق الشعور بوجود فجوة متزايدة في الرؤى والمقاربات داخل المعسكر الغربي نفسه.
واشنطن من جهتها تتهم أوروبا بعدم الوقوف معها كما يفترض بالحليف الاستراتيجي من حيث الدور وتوظيف الإمكانات والمواقف، في الحرب مع إيران.
عنصرٌ آخر أضعف ويضعف عملية البناء الأوروبي، وبالتالي دور “القطب الأوروبي”، صعود اليمين المتشدد في أوروبا وأولوياته البعيدة أو المتناقضة مع أولويات السياسات الأوروبية المشتركة سواء على الصعيد الدولي أو الإقليمي الأوروبي أو الداخلي الوطني مما يزيد من حدة الانقسامات المتعددة الأوجه والمترابطة النتائج من حيث انعكاساتها السلبية على مسار البناء الأوروبي.
وأكثر ما يدل على ذلك هو شبه الغياب الأوروبي الكلي والفاعل عن “مسرحين” استراتيجيين أساسيين وتاريخيين بالنسبة إلى أوروبا أو بالنسبة إلى أهم دولها في أزمان مختلفة وهما الشرق الأوسط وأفريقيا.
لقد شكّلت الجماعة الأوروبية، التي أصبحت لاحقًا الاتحاد الأوروبي، نموذجًا يُحتذى في التعاون والتكامل الإقليمي التدرجي متعدد الأبعاد والأهداف. غير أنَّ هذا النموذج يواجه اليوم جملة من التحديات الداخلية والخارجية المتداخلة والمترابطة.
وتساهم هذه التحديات في إضعاف، والبعض يقول في تهميش، دور الاتحاد الأوروبي على المستويين الداخلي التكاملي والخارجي الاستراتيجي، ولا سيما في ما يتعلق بقدرته على التأثير في الأحداث والتطورات المرتبطة بالأمن الأوروبي بمختلف أبعاده، في مرحلة تشهد تبلور ملامح نظام عالمي جديد.
- الدكتور ناصيف يوسف حتّي هو أكاديمي، مُحلِّل سياسي، ديبلوماسي متقاعد، ووزير خارجية لبنان الأسبق. كان سابقًا المُتَحدِّث الرسمي باسم جامعة الدول العربية ولاحقًا رئيس بعثتها في فرنسا والفاتيكان وإيطاليا، والمندوب المراقب الدائم لها لدى منظمة اليونسكو.
- يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) توازيًا مع صدوره في صحيفة “النهار” (بيروت).
