يتصاعد الغضب داخل ليبيا من مسارٍ أممي يُتَّهَم بإعادة إنتاج الإقصاء السياسي تحت غطاء التسوية والانتخابات. ومع استبعاد الأمازيغ والطوارق والتبو من ترتيبات المرحلة المقبلة، تتزايد المخاوف من أن تكون الأمم المتحدة تُمهّد، بصمتها وعجزها، لحربٍ ليبية جديدة.
أمين أيوب*
على مدى أكثر من عقد، أمضت الأمم المتحدة سنوات وجودها في ليبيا وهي تدور في حلقةٍ مُتكرِّرة من الإخفاقات السياسية والأمنية. فقد عجزت عن فرض مسارٍ انتخابي مُستقر، وفشلت في إنهاء الانقسام بين الحكومتين المتنافستين، كما أخفقت في منع البلاد من التحوُّل إلى ساحة نفوذ مفتوحة للقوى الخارجية، من المرتزقة الروس إلى الوكلاء الأتراك وشبكات التهريب والجريمة العابرة للحدود. لكن الأزمة الليبية تدخل اليوم مرحلة أكثر خطورة، بعدما بدأت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا تفقد ما تبقّى من شرعيتها لدى مكوّنات اجتماعية رئيسة داخل البلاد.
فهذا الأسبوع، وجّه ممثلو الأمازيغ (البربر) والطوارق والتبو ضربة سياسية مباشرة للبعثة الأممية، عبر بيانٍ رسمي أعلنوا فيه فقدان الثقة الكامل بمسار الأمم المتحدة، ورفضهم مخرجات لجنة “4+4″، مع التلويح بمقاطعة أيِّ انتخابات تُجرى ضمن الإطار الحالي. لم يكن هذا الموقف مجرّد اعتراضٍ سياسي عابر، بل مؤشرًا إلى اتساع الهوة بين الأمم المتحدة وشرائح ليبية ترى أنَّ العملية السياسية تُدار من دون تمثيلٍ حقيقي لمصالحها وهواجسها. والأخطر أنَّ ردَّ البعثة الأممية جاء صامتًا، في لحظةٍ كان يُفتَرَض فيها احتواء التصعيد وفتح قنوات الحوار. وفي بلدٍ هشٍّ ومُقَسَّم مثل ليبيا، لا يبدو الصمت حيادًا بقدر ما يُقرأ بوصفه عجزًا أو تجاهلًا قد يدفع الأزمة نحو انفجارٍ جديد.
وتُعد لجنة “4+4” أحدث المبادرات التي ترعاها الأمم المتحدة لمحاولة كسر الجمود السياسي بين مجلس النواب في طبرق والمجلس الأعلى للدولة في طرابلس، بعدما فشل الطرفان منذ عام 2021 في الاتفاق على قاعدة دستورية تُنظّم الانتخابات المؤجَّلة. وتتمتع اللجنة بصلاحيات شديدة الحساسية، إذ تتولى وضع الإطار القانوني والدستوري الذي يحدد شروط الترشُّح للانتخابات الرئاسية، وآليات التصويت، وتوقيت الاستحقاقات الانتخابية، إضافة إلى تنظيم عمل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات. وبذلك، فإنَّ دور اللجنة لا يقتصر على الجوانب الإجرائية، بل يمتد إلى رسم القواعد السياسية التي ستُحدِّد شكل السلطة المقبلة، وهو ما يجعل الخلاف حولها يتجاوز الجدل التقني إلى صراعٍ مباشر على النفوذ والشرعية ومستقبل الدولة الليبية نفسها.
أزمة تمثيل تهدد العملية السياسية
لم يحصل الأمازيغ والطوارق والتبو على أيِّ تمثيلٍ داخل هذا المسار التفاوضي. وفي رسالةٍ رسمية وُجِّهت إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اعتبرت الهيئة التنسيقية التي تضم المجالس العليا للأمازيغ والطوارق والجمعية الوطنية للتبو أنَّ تشكيل لجنة “4+4” يُكرّس استمرار الإقصاء السياسي بصورةٍ متعمَّدة. ورأت هذه المكوّنات أنَّ بنية اللجنة تعكس هيمنة طبقة سياسية وقبلية واحدة على مؤسسات الدولة، في إشارة واضحة إلى النخب العربية التي احتكرت النفوذ داخل مجلسي النواب والدولة منذ سقوط نظام معمر القذافي. وبالنسبة إلى هذه المجموعات، فإنَّ المشكلة لا تتعلق فقط بغياب التمثيل، بل بطبيعة النظام السياسي الذي يُعاد إنتاجه تحت رعاية دولية من دون إشراك مكوّناتٍ أساسية في المجتمع الليبي.
وتزداد خطورة هذا التهميش إذا ما أُخذت في الاعتبار الأهمية الجغرافية والأمنية لهذه الجماعات داخل ليبيا. فالأمازيغ يتمركزون تاريخيًا في جبال نفوسة والمناطق الساحلية الغربية، فيما يسيطر الطوارق على مساحات واسعة وممرّات استراتيجية في إقليم فزان جنوب البلاد، بينما ينتشر التبو في المناطق الصحراوية الجنوبية الشرقية المحاذية للسودان وتشاد والنيجر. وهذه المناطق لا تمثّل أطرافًا معزولة عن المشهد الليبي، بل تشكّل عقدًا حيوية في معادلة الأمن الإقليمي، إذ تمرُّ عبرها شبكات التهريب والهجرة غير الشرعية وتتحرك فيها جماعات مسلحة وتنظيمات متشددة تنشط بين ليبيا ومنطقة الساحل الإفريقي. ومن هنا، فإنَّ استبعاد هذه المكوّنات سياسيًا لا يخلق فقط أزمة شرعية داخلية، بل يفتح المجال أمام مزيدٍ من الفوضى الأمنية وتوسّع نفوذ الشبكات الإجرامية والجماعات العابرة للحدود.
الأمم المتحدة تُدرك هذه التعقيدات جيدًا. فبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا كررت في بياناتها الحديث عن الشمولية والتنوُّع وضرورة إشراك جميع المكوّنات الليبية في العملية السياسية باعتبار ذلك شرطًا لتحقيق استقرار دائم. وكانت نائبة المبعوث الأممي السابقة ستيفاني ويليامز قد أكدت عام 2022 أهمية مشاركة مختلف المجتمعات الليبية في رسم مستقبل البلاد السياسي. غير أنَّ هذا الخطاب بقي، في نظر منتقدي البعثة، محصورًا في الإطار النظري من دون أن ينعكس على البنية الفعلية للعملية السياسية. فعضوية لجنة “4+4” اقتصرت بالكامل على ممثلين عن المؤسستين التشريعيتين اللتين تهيمن عليهما القوى العربية التقليدية، من دون إشراك فعلي للمكوّنات المحلية الأخرى أو حتى التشاور معها خلال صياغة الترتيبات السياسية والانتخابية.
وبذلك، تبدو العملية التي ترعاها الأمم المتحدة، بالنسبة إلى هذه الجماعات، أقرب إلى محاولة لإضفاء شرعية دولية على توازنات سياسية قائمة بدل بناء تسوية وطنية شاملة. وعندما تعلن مكوّنات الأمازيغ والطوارق والتبو رفضها الاعتراف بأيِّ قوانين انتخابية أو هياكل سياسية تنتج عن هذا المسار، فهي لا تكتفي بتعطيل العملية الانتخابية، بل توجه رسالة أعمق تتعلق بشرعية النظام السياسي المقبل نفسه. فالاتفاقات التي تُصاغ في غياب الأطراف المعنية قد تنجح مؤقتًا في إنتاج تسويات شكلية، لكنها غالبًا ما تؤسس لصراعات مؤجلة، خصوصًا في بلد لا يزال يعيش انقسامات جغرافية وقبلية وسياسية حادة مثل ليبيا.
الجنوب الليبي… عقدة الأمن في الساحل الأفريقي
وتملك واشنطن أسبابًا إضافية تدفعها إلى التعامل بجدية أكبر مع هذه التحذيرات، تتجاوز الاعتبارات المرتبطة بحقوق التمثيل السياسي أو خطاب الشمولية الذي ترفعه الأمم المتحدة. فإقليم فزان، حيث ينتشر الطوارق والتبو، تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى أكثر المناطق حساسية في معادلة الأمن بمنطقة الساحل الأفريقي. ومع انهيار مؤسسات الدولة في مالي، وتصاعد نفوذ الجماعات المسلحة في بوركينا فاسو والنيجر، وتمدّد الشبكات المرتبطة بروسيا عبر قوات “فاغنر” وحلفائها المحليين، أصبح الجنوب الليبي يشكل عمقًا استراتيجيًا وممرًّا خلفيًا للحركات المسلحة وشبكات التهريب والجماعات الجهادية التي تهدد استقرار المنطقة بأكملها.
وفي ظلِّ هذه التحوّلات، فإنَّ أيَّ تسوية سياسية تُفرَضُ من طرابلس من دون إشراكٍ فعلي لسكان فزان لا تبدو تسوية قابلة للحياة، بل قد تدفع هذه المجتمعات إلى البحث عن داعمين وحلفاء جدد خارج الإطار الغربي التقليدي. وتخشى دوائر غربية من أن يؤدّي استمرار التهميش إلى فتح المجال أمام مزيد من التغلغل الروسي أو تنامي نفوذ الشبكات المسلحة العابرة للحدود، خصوصًا أنَّ المناطق الجنوبية الليبية تعاني أصلًا هشاشةً أمنية واقتصادية تجعلها أكثر قابلية للاختراق والاستقطاب.
الأمم المتحدة بين التسوية الشكلية والانفجار المقبل
ورُغم امتلاك الولايات المتحدة أدوات ضغط مؤثرة داخل الملف الليبي، فإنها، بحسب منتقدي المسار الحالي، لم تستخدم هذا النفوذ بصورة فعالة. فواشنطن لا تكتفي بكونها أحد أبرز المموّلين لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، بل تمتلك أيضًا قدرة سياسية داخل مجلس الأمن تسمح لها بالضغط نحو إعادة هيكلة العملية السياسية. ومن هذا المنطلق، يرى مراقبون أنَّ استمرار الدعم الأميركي لمسار لجنة “4+4” بصيغته الحالية، من دون توسيعه ليشمل تمثيلًا حقيقيًا للمكوّنات الليبية المهمشة، يمنح شرعية دولية لترتيبات سياسية قائمة على الإقصاء أكثر مما يساهم في بناء استقرار دائم.
وفي بلد يعيش أصلًا انقسامات حادة بين الشرق والغرب والجنوب، تبدو خطورة هذا النهج في أنه قد يُنتج مؤسسات جديدة تفتقر منذ البداية إلى الاعتراف الوطني الكامل. فالتجارب الليبية المتعاقبة منذ عام 2011 أظهرت أنَّ الاتفاقات التي تُبنى على توازنات ضيقة بين القوى المهيمنة سرعان ما تتحوّل إلى مصدرٍ لأزمات جديدة، بدل أن تكون مدخلًا للحل.
ولهذا، لا تبدو ليبيا اليوم بحاجة إلى مبادرة دولية جديدة تُدار بمنطق التسويات الشكلية، بقدر حاجتها إلى عملية سياسية تعكس التركيبة الحقيقية للمجتمع الليبي بكلِّ مكوّناته الجغرافية والعرقية والسياسية. فالأمازيغ والطوارق والتبو لا يوجّهون اعتراضًا تقنيًا على تفاصيل انتخابية فحسب، بل يطرحون سؤالًا أعمق يتعلق بشرعية النظام السياسي الذي يجري العمل على بنائه تحت الرعاية الدولية.
ومن هنا، فإنَّ الرسالة التي بعثت بها هذه المكوّنات إلى الأمم المتحدة لا تتعلق فقط بالمطالبة بمقاعد إضافية على طاولة التفاوض، بل بتحذيرٍ واضح من أنَّ استمرار تجاهلها قد يدفع ليبيا نحو دورة جديدة من الانقسام وعدم الاستقرار. ويبقى السؤال الأهم: هل تستمع القوى الدولية، هذه المرة، إلى التحذيرات قبل انفجار الأزمة التالية، أم أنَّ الصمت سيبقى السياسة الوحيدة التي تُتقِنها الأمم المتحدة في ليبيا؟
- أمين أيوب هو كاتب ومحلل سياسي مغربي. تتناول كتاباته الإسلام السياسي، والجهاد، وإسرائيل، وسياسات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. يمكنكم متابعته على تويتر عبر حسابه: @amineayoubx.
