إيران تَخسَرُ العراق… وبغداد تَستَعيدُ قرارَها

بينما تبدو إيران مرشحة للخروج من الحرب بمكاسب عسكرية وسياسية، فإنها تواجه في العراق خسارة أكثر عمقًا واستدامة. فهناك، بدأت الدولة العراقية تستعيد قرارها تدريجًا، فيما تتآكل إحدى أهم ركائز النفوذ الإيراني التي تشكلت منذ عام 2003.

نعوش مقاتلين عراقيين قُتلوا في الحرب مع إيران، بغداد، نيسان (أبريل) 2026.

كاماران بالاني*

عندما تضع الحرب الدائرة رحاها، تبدو إيران مرشحة للخروج منها بمكاسب استراتيجية في أكثر من ملف. فإذا ما نُفِّذَت بنود مذكرة التفاهم الموقعة في حزيران (يونيو)، فمن المتوقع أن تشهدَ العقوبات الغربية المفروضة على طهران تخفيفًا تدريجيًا، بما يفتح الباب أمام إعادة دمج الاقتصاد الإيراني في المنظومة الاقتصادية العالمية بعد سنواتٍ من العزلة. وفي الوقت ذاته، قد تتمكّن الجمهورية الإسلامية من إضفاء طابع رسمي على نفوذها في مضيق هرمز عبر آلية مشتركة لفرض الرسوم على الملاحة، فضلًا عن استعادة قدرتها على تطوير برامج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، وهي منظومات أثبتت فعاليتها الميدانية خلال الأشهر الأخيرة من الحرب.

لكن، وعلى الرغم من هذه المكاسب المحتملة، تكشف تطوّرات ما بعد الحرب عن خسارةٍ إيرانية لافتة في ساحة طالما شكّلت أحد أبرز مرتكزات نفوذها الإقليمي، وهي العراق. فمنذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003، نجحت طهران في بناء شبكة نفوذ واسعة داخل الدولة العراقية، مستفيدةً من علاقاتها الوثيقة بالقوى السياسية الشيعية والفصائل المسلحة. ولم يقتصر دورها على التأثير في تشكيل الحكومات والتوسُّط بين القوى المتنافسة، بل امتدَّ إلى استخدام العراق منفذًا لتأمين العملات الأجنبية والالتفاف على العقوبات عبر شبكات التهريب والتبادل المالي. كما لعبت الفصائل المدعومة منها دورًا محوريًا في الحرب ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش)، ولا سيما خلال معارك عام 2017.

إلَّا أنَّ هذا النفوذ لم يَعُد يحظى بالقبول الذي كان يتمتّع به في السابق. فقد أدّى تصاعد السخط الشعبي، خصوصًا بعد تورُّط فصائل موالية لإيران في قمع احتجاجات عامي 2019 و2020، إلى تنامي المشاعر الرافضة للهيمنة الإيرانية. وزادت التطوّرات الأمنية والسياسية خلال الأشهر الأخيرة من هذا الاتجاه، إذ بات قطاعٌ واسع من العراقيين يرفض تحويل بلاده إلى ساحة مواجهة تخدم الصراع بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. وانعكس ذلك على مواقف عدد من القوى السياسية والفصائل المسلحة التي بدأت تنأى بنفسها تدريجًا عن طهران، بعد سنواتٍ من الارتباط الوثيق بها.

وتَجَسَّدَ هذا التحوُّل بوضوح في أوائل حزيران (يونيو)، عندما شرع مقاتلو “سرايا السلام”، التابعة للزعيم الشيعي العراقي مقتدى الصدر، في تسليم أسلحتهم إلى الحكومة العراقية بمدينة سامراء، في خطوة مثّلت انسحاب الفصيل من “قوات الحشد الشعبي”. ويكتسب هذا التطوُّر أهمية خاصة بالنظر إلى أنَّ “الحشد الشعبي” يمثّل المظلّة الرئيسية التي تضم غالبية الفصائل الشيعية المسلحة، والتي لعبت أدوارًا أمنية وسياسية مؤثرة داخل مؤسسات الدولة وخارجها. ولم يقتصر الأمر على “سرايا السلام”، إذ أعلنت “عصائب أهل الحق”، وهي من أبرز الفصائل المدعومة من إيران، نيّتها الانسحاب أيضًا من هذا التشكيل، بما يعكس تصدُّعًا متزايدًا داخل إحدى أهم أدوات النفوذ الإيراني في العراق.

ورُغمَ أنَّ فصائل عراقية بارزة لا تزال متمسّكة بالدفاع عن المصالح الإيرانية داخل العراق وعلى امتداد الإقليم، فإنَّ مؤشّرات التفكّك التي تصيب “الحشد الشعبي” تمثل انتكاسة حقيقية لطهران. فمنذ هجمات حركة “حماس” على إسرائيل في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، وما تبعها من حملات عسكرية إسرائيلية في غزة ولبنان، تعرّض ما يُعرف بـ”محور المقاومة” لضغوط غير مسبوقة أضعفت تماسكه وقدرته على المناورة. وبينما بقيت الفصائل العراقية المتحالفة مع إيران بعيدة نسبيًا من ساحات المواجهة المباشرة، محافظةً على نفوذها الداخلي، فإنَّ هذا الواقع بدأ يتغيّر تدريجًا مع تنامي الضغوط السياسية والشعبية التي تدفعها إلى التراجع نحو هامش المشهد العراقي. وفي ظلِّ هذا التحوُّل، يبرز احتمال أن يدخل العراق مرحلة جديدة تمنحه فرصة أوسع لصياغة سياساته الوطنية بصورة أكثر استقلالًا، بعيدًا من الهيمنة الإيرانية التي طبعت المشهد العراقي طوال العقدين الماضيين.

احتكار استخدام القوة

قبل اندلاع المواجهة العسكرية الإسرائيلية-الأميركية مع إيران في شباط (فبراير)، كانت بغداد تتمسّك بسياسةٍ دقيقة تقوم على تحقيق توازن بين واشنطن وطهران، في محاولة للحفاظ على علاقات عمل مع الطرفَين وتجنُّب الانخراط في صراعاتهما الإقليمية. غير أنَّ هذه المعادلة سرعان ما انهارت مع اتساع رقعة الحرب عقب إطلاق “عملية الغضب الملحمي”  (Operation Epic Fury)، إذ تحوّل العراق إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية. فقد استخدمت إيران والفصائل الموالية لها الأراضي العراقية لشنِّ هجمات استهدفت مواقع أميركية، وبعثات ديبلوماسية إماراتية وأميركية، فضلًا عن منشآت أمنية ومدنية وقطاع الطاقة، ولا سيما في إقليم كردستان العراق. كما انطلقت من الأراضي العراقية ضربات باتجاه أهداف في دول الخليج. وفي المقابل، ردت الولايات المتحدة باستهداف الفصائل المدعومة من إيران داخل العراق، بينما بدت الحكومة العراقية عاجزة عن التأثير في مجريات الأحداث. وأمام هذا الواقع، وجدت بغداد نفسها مضطرة لمواجهة سؤال سيادي طالما سعت إلى تأجيله: مَن يمتلك الحقّ الحصري في استخدام القوة داخل الدولة العراقية؟

هذا السؤال لم يكن وليد الحرب، بل نتيجة تراكمات امتدت على مدى أكثر من عقد. فمنذ إضفاء الصفة الرسمية على “قوات الحشد الشعبي” عام 2016 ودمجها شكليًا في المنظومة الدفاعية العراقية، بقيت هذه التشكيلات تعمل بمنطقٍ مزدوج؛ فهي تتبع، من الناحية القانونية، للقائد العام للقوات المسلحة، لكنها احتفظت عمليًا بقياداتها المستقلة وشبكات ولائها الخاصة، التي ارتبط كثير منها بطهران أكثر من ارتباطه بمؤسسات الدولة. وهكذا، بينما منحت بغداد تلك الفصائل الشرعية والموارد التي توفّرها الدولة، ظلت عاجزة عن فرض المبدَإِ الأساسي الذي تقوم عليه أي دولة ذات سيادة، وهو احتكار استخدام القوة المسلحة.

في هذا السياق، جعلت الحكومة الجديدة برئاسة علي الزيدي، الذي حظي اختياره في أيار (مايو) بدعم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، من ملف نزع سلاح الفصائل وإعادة احتكار الدولة للقوة أولوية سياسية وأمنية. وقد نجحت بالفعل في إقناع عدد من مكوّنات “الحشد الشعبي” بالانسحاب من التحالف والانخراط تدريجًا في المؤسسات العسكرية الرسمية. وإذا استمرّت هذه العملية بالوتيرة نفسها، فقد تتمكن الحكومة من تقليص نفوذ الفصائل المرتبطة بإيران وإعادة ترسيخ سلطة الدولة على مختلف التشكيلات المسلحة.

وتبرز “سرايا السلام”، التابعة لمقتدى الصدر، بوصفها المثال الأوضح على هذا التحوُّل. فالفصيل الذي تعود جذوره إلى التمرد الذي قاده الصدر ضد القوات الأميركية بعد عام 2003، أعلن استعداده للاندماج الكامل في القوات المسلحة العراقية، في خطوة تعكس تحوُّلًا استراتيجيًا يتجاوز مجرد إعادة هيكلة تنظيمية، ويشير إلى طي صفحة من تاريخ العمل المسلح خارج إطار الدولة. كما أعلنت “عصائب أهل الحق”، بقيادة قيس الخزعلي، وهي إحدى أبرز الفصائل المتحالفة مع إيران، استعدادها للتخلّي عن السلاح والانضواء تحت قيادة الدولة. ويبدو أنَّ هذا التحوُّل يعكس إدراكًا متزايدًا لدى كلٍّ من الصدر والخزعلي بأنَّ تعزيز موقعهما السياسي في المرحلة المقبلة يمر عبر بناء علاقة أكثر استقرارًا مع مؤسسات الدولة العراقية، وكذلك مع الولايات المتحدة.

في المقابل، لا تزال فصائل رئيسية أخرى ترفض التخلي عن سلاحها أو الاندماج في مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها “كتائب حزب الله” و”حركة النجباء” و”كتائب سيد الشهداء”، التي تشكل أعمدة رئيسية لـ”محور المقاومة” داخل العراق. وتتمسّك هذه الجماعات بموقفها القائل إنَّ الوجود العسكري الأميركي يجعل العراق بلدًا واقعًا تحت الاحتلال، وبالتالي فإنَّ الاحتفاظ بالسلاح يظل، من وجهة نظرها، خيارًا مشروعًا إلى حين انسحاب القوات الأميركية. إلّا أنَّ هذا الموقف بات يضعها في موقع أكثر عزلة من السابق؛ فمع انخراط فصائل أخرى في مؤسسات الدولة، بدأت هذه الجماعات تفقد قدرتها على تقديم نفسها باعتبارها جُزءًا من مشروعٍ وطني، لتبدو بصورة متزايدة كقوى مسلحة تدافع عن أجندة إقليمية تتجاوز المصالح العراقية.

قضية بلا متمرّدين

لم يقم النفوذ الإيراني في العراق على قوة الميليشيات المتحالفة مع طهران وحدها، بل استند أيضًا إلى قاعدة اجتماعية وسياسية أوسع منحت الجمهورية الإسلامية قدرة استثنائية على ترسيخ حضورها داخل الدولة العراقية. وإذا كانت القوة المسلحة قد وفرت لإيران أدوات التأثير المباشر، فإنَّ شرعيتها داخل قطاعات من المجتمع والنخبة السياسية هي التي ضمنت استدامة هذا النفوذ. إلّا أنَّ هذه الركيزة الثانية، وهي الأهم على المدى الطويل، تبدو اليوم أكثر عُرضةً للتآكل.

قبل عقد من الزمن، اكتسبت الفصائل المسلحة المدعومة من إيران شرعية واسعة بعدما شاركت إلى جانب الجيش العراقي في الحرب ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش). وقد تُرجمت تلك الشعبية إلى مكاسب سياسية واضحة، حين حققت القوى المرتبطة بها نتائج قوية في الانتخابات البرلمانية عام 2018. غير أنَّ هذا الرصيد بدأ يتآكل سريعًا، ولا سيما بعد الدور الذي لعبته تلك الفصائل في قمع احتجاجات تشرين الأول (أكتوبر) 2019، والتي أودت بحياة مئات المتظاهرين المطالبين بالإصلاح ومحاربة الفساد. ثم جاءت الحرب الأخيرة لتُفاقِم هذا التراجع؛ إذ سعت الهجمات التي شنتها الفصائل عقب انطلاق “عملية الغضب الملحمي” (Epic Fury)  في 28 شباط (فبراير) إلى جرِّ العراق إلى قلب المواجهة التي تخوضها إيران، وهو ما قوبل برفضٍ شعبي واسع.

ولم يقتصر هذا الرفض على الشارع العراقي، بل امتدَّ إلى المؤسسة الدينية الشيعية في النجف، التي حافظت تاريخيًا على روابط دينية وثيقة مع إيران، لكنها امتنعت عن منح الحرب غطاءً دينيًا. فقد رفض كبار المراجع دعوة العراقيين إلى القتال دفاعًا عن إيران في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، واكتفوا بالتأكيد على مبادئ القانون الدولي، من دون إصدار فتوى أو نداء للتعبئة. وبذلك، وجّهت المرجعية رسالةً واضحة مفادها أن الاعتبارات الوطنية العراقية تتقدم على أي التزامات أو روابط خارجية، مهما بلغت قوتها.

ومع ذلك، فإنَّ تراجع النفوذ الإيراني لا يعني اختفاءه. فمن غير المتوقع أن تُقدم الفصائل الموالية لطهران على حلِّ نفسها أو التخلّي الجماعي عن سلاحها، كما إنَّ الجمهورية الإسلامية لن تتخلّى بسهولة عن إحدى أهم ساحات نفوذها الإقليمي. ويكتسب العراق أهمية مضاعفة بالنسبة إلى طهران في ظلِّ الخسائر التي مُني بها “محور المقاومة” خلال الأعوام الأخيرة، سواء مع سقوط نظام بشار الأسد في سوريا عام 2024، أو التراجع الكبير الذي أصاب “حزب الله” في لبنان بعد مواجهاته مع إسرائيل. وفي المقابل، لا تبدو الدولة العراقية مستعدّة لفرض نزع شامل لسلاح الفصائل بالقوة، لأنَّ مثل هذا الخيار قد يفتح الباب أمام صراع شيعي-شيعي واسع، وهو سيناريو تحرص الحكومات العراقية المتعاقبة على تجنُّبه.

لكن، حتى من دون مواجهة عسكرية مباشرة، تبدو موازين القوى داخل العراق آخذة في التغيُّر. فبينما تحاول إيران إعادة تثبيت نفوذها في ترتيبات ما بعد الحرب، تُحقّقُ الدولة العراقية تقدُّمًا تدريجيًا في استعادة بعض الصلاحيات التي احتكرتها الفصائل المسلحة لسنوات. وإذا استمرَّ هذا المسار، فلن يتحوّل العراق إلى خصمٍ لإيران، لكنه سيصبح أقل خضوعًا لتأثيرها وأكثر قدرة على صياغة أولوياته الوطنية بصورة مستقلة. ومن شأن ذلك أن يفتح المجال أمام تعميق اندماجه الاقتصادي والسياسي مع دول الخليج العربي، وتسريع مشروعات الربط الكهربائي والطاقة مع الأردن ودول الخليج، بما يقلل اعتماده على الغاز والكهرباء الإيرانيين، ويمنحه هامشًا أوسع للنأي بنفسه عن المواجهات الإقليمية التي تخوضها طهران مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

ويعكس هذا التحوُّل، في الوقت نفسه، استمرار التآكل الذي يصيب “محور المقاومة” بوصفه شبكة إقليمية للنفوذ الإيراني. فحتى إذا احتفظت الفصائل المتحالفة مع طهران بوجودها العسكري، فإنَّ قدرتها على فرض أجندتها السياسية داخل العراق لم تعد كما كانت. ولم يعد العراق، كما كان خلال العقدين الماضيين، الساحة الأكثر موثوقية لإبراز النفوذ الإيراني في المشرق. فمهما كانت المكاسب التي قد تكون حققتها طهران في مواجهتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، فإنها تبدو في المقابل بصدد خسارة أحد أهم مرتكزات نفوذها الإقليمي.

وتحمل هذه التطورات أصداء تجربة سبق أن عاشتها إيران في سوريا، حيث أدى اعتمادها المفرط على الميليشيات الطائفية في دعم نظام بشار الأسد إلى استنزاف رصيدها الشعبي وتحويلها إلى طرف مرفوض لدى قطاعات واسعة من السوريين. واليوم، تبدو طهران مهدَّدة بتكرار الخطَإِ نفسه في العراق، من خلال السعي إلى توظيف الأراضي العراقية لخدمة أولوياتها العسكرية، رغم تزايد الرفض الداخلي لهذا النهج. وإذا امتدت جولات التصعيد المقبلة إلى الساحة العراقية، فقد يعود بعض الفصائل الحليفة لإيران إلى مهاجمة أهداف في المنطقة، وهو ما قد يجرُّ العراق مرة أخرى إلى حربٍ لا يرغب معظم العراقيين، بمَن فيهم قطاع واسع من الشيعة، في خوضها. وعندها، قد يتعمّق التباعد بين طهران وحلفائها التقليديين، في وقتٍ باتت النخب الشيعية العراقية تمنح الأولوية للاستقرار الداخلي والمصالح الاقتصادية على حساب خطاب “المقاومة الدائمة”. ولهذا، حتى إذا نجحت إيران في تجاوز الحرب الراهنة، فإنَّ قدرتها على الحفاظ على نفوذها التاريخي في العراق لم تعد مضمونة كما كانت في السابق.

Exit mobile version