محمد قواص*
لا يهمُّ ما الذي ستؤول إليه تفاهمات واشنطن وطهران. ما نعرفه حتى الآن أنَّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب يدوّر زوايا اتفاق تعتبره إسرائيل سيِّئًا، ويسعى إلى تسويقه لدول المنطقة بصفته نحوُّلًا تاريخيًا يستحقُّ من باكستان وتركيا والسعودية وقطر ولبنان طيّ صفحة الصراع وفتح صفحة السلام الشامل مع إسرائيل.
من جهته، لا يرى المرشد الإيراني مجتبى خامنئي الأمر بتلك الصورة الوردية التي يستنتجها الرئيس الأميركي. يبلغ خامنئي العالم، الثلاثاء، أنَّ دول المنطقة “لن تكون بعد الآن دروعًا” للقواعد الأميركية، وأنَّ “عقارب الساعة لن تعود إلى الوراء”، فيما لا يأتي البتة على ذكر ضربات شنها الاميركيون بالقرب من مضيق هرمز أثناء التفاوض.
وفيما يُبشّرُ ترامب دول المنطقة (في الدائرتين العربية والإسلامية) بهيمنة السلم الأميركي على عالم ما بعد حرب إيران، فإنَّ إيران تبلغ العالم من خلال مرشدها، وبعد حرب أعلن ترامب النصر فيها، أنَّ الولايات المتحدة، “وفضلًا عن أنها لن تجدَ بقعة آمنة لممارسة الشر وإقامة قواعد عسكرية في المنطقة، فإنها أيضًا تبتعد يومًا بعد يوم عن وضعها السابق”.
تتواطأ واشنطن وطهران في صناعة مستقبل مُتخيٌَل لما بعد الحرب. وتتسرّب من الصياغات المسرّبة للاتفاق تعابير لا توحي بأنَّ إيران فقدت القدرة على صناعة القنبلة النووية، ناهيك من خلو ذلك الاتفاق من أيِّ ورشة لمناقشة مستقبل برنامج إيران للصواريخ الباليستية، ومستقبل علاقة طهران البنيوية والوجودية بـ”المحوًر” أو ما تبقى منه من أذرع مشتتة.
بدا أنَّ إيران والولايات المتحدة قررا إلغاء الصراع أو تأجيله، والانهماك في بحث ما هو مال وأرصدة وعقوبات وقيود، وتمرير ما يمكنه إنقاذ ماء وجه المتقاتلين.
تكذب إيران في ادعاء النصر والوعد بطرد قواعد واشنطن من المنطقة. لا تملك طهران إلّا تلك الخطب الأبجدية التي يحملها نصّ المرشد الجديد نجل المرشد الراحل والتي يتسرّب شيئا منها في الكلمة الأخيرة لشيخ “حزب الله” في لبنان، نعيم قاسم، المُستنسخة من كلمات سيّد الحزب الراحل قبله.
لا تقوى إيران، منطقًا واقتصادًا وبنى تحتية عسكرية وقيادة فقدت رموزها، كما لا تملك أذرعها المرتبكة في العراق والمتصدّعة في لبنان والمنكوبة في غزّة والصامتة في اليمن والمنهزمة في سوريا، إلّا البكاء على الأطلال والمكابرة والإنكار.
ما يمكن الركون إليه أنَّ حرب إيران انتهت، ربما مؤقتا، إلى مشهد إقليمي ودولي تتراءى ملامحه خجولة يومًا بعد آخر. أظهرت الحرب موازين قوى جديدة في مكانة الصين وروسيا وفي تموضع أوروبا وفي ما ستنتهي إليه زعامة الولايات المتحدة وفائض قوتها.
ولئن لا تعرف إيران إلّا الزعم بالنصر، غير أنها أُصيبت بكارثة قد يكون لها ما بعدها في داخل البلد وفي ثنايا صفوف القيادة المرتجلة على رأسها.
ولئن تهرب إسرائيل من مأزق تبدد أحلامها في ذهاب الولايات المتحدة إلى الحدود القصوى لإزالة “التحدي” الإيراني صوب حروب جديدة في لبنان وتدابير تعويضية في الضفة الغربية وقطاع غزّة، فذلك أنَّ إسرائيل وحكومتها برئاسة بنيامين نتنياهو تستنتج أنَّ الشرق الأوسط ما زال عصيًّا، وليس بسبب إيران فقط، على التغير الذي كان وعد به نتنياهو الإسرائيليين وتوعّد به بلدان المنطقة.
لم تنتهِ حرب إيران الأميركية-الإسرائيلية بمخارج يمكن لواشنطن البناء عليها لتغيير هذا العالم. بات أمام المنطقة أسئلة عابرة لحدود الدوائر الإسلامية والعربية والخليجية بشأن الأمن الاستراتيجي الذي بدا مُهدَّدا يحتاج إلى إعادة قراءة في عوامله الذاتية والمشتركة.
وفيما تدبًر واشنطن صفقة ثنائية قد لا تبتعد كثيرا عن صفقة عام 2015 حين كان باراك أوباما يسود البيت الأبيض، فإنَّ أمام دول المنطقة ورشة لإنتاج صفقتها الذاتية ذات الخصوصية المحلية بحيث تجيد، مجتمعة إذا أمكن، قواعد التعايش مع إيران التي لا تستطيع أن تتغير، وهي تنهل من وعيد المرشد الجديد مادة تسيّد على جوار قد تجد في صفقة إسلام أباد مادة حاضرٍ تستوحي منها ما يستدعي أمسها المغادر.
- محمّد قوّاص هو كاتب، صحافي ومُحلّل سياسي لبناني مُقيم في لندن. يُمكن متابعته عبر منصة (X) على: @mohamadkawas
- يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) تَوازِيًا مع صُدورِه في “النهار العربي” (بيروت).
