كابي طبراني*
لأكثر من سبعة عقود، قامت التجارة العالمية على مسلّمة بدت راسخة: أنَّ الممرات البحرية الدولية ليست مُلكًا للدول التي تُشرف عليها، بل جُزءٌ من نظامٍ قانوني عالمي يضمن حرية الملاحة بعيدًا من موازين القوة. وقد شكّلت الولايات المتحدة، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، الضامن الرئيس لهذا النظام، مُستندةً إلى حضورها البحري واتفاقيات القانون الدولي التي كرّست حق المرور في المضائق الدولية.
غير أنَّ هذا النموذج يواجه اليوم اختبارًا جديدًا في مضيق هرمز. فالنقاش الدائر منذ انتهاء المواجهة العسكرية الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران لا يتعلّق، في جوهره، برسوم عبور أو بخدمات ملاحية، كما قد يبدو للوهلة الأولى، بل بسؤالٍ أكثر أهمية: مَن يَملُك حق وضع قواعد الملاحة في واحدٍ من أهمِّ الممرات البحرية في العالم؟
هذا السؤال لا يخصُّ هُرمُز وحده. فمن البحر الأسود إلى بحر الصين الجنوبي، مرورًا بباب المندب، تتزايد محاولات القوى الإقليمية لترجمة نفوذها العسكري والجغرافي إلى نفوذٍ تنظيمي، بما يُعيدُ رسمَ العلاقة بين القانون الدولي وموازين القوة. وفي هذا السياق، يبدو مضيق هرمز مختبرًا مُبكرًا لتحوُّلٍ قد يمتدُّ إلى ممرات بحرية أخرى خلال السنوات المقبلة.
حتى اندلاع الحرب الأميركية-الإيرانية الأخيرة، كانت معادلة هُرمُز واضحة، وإن لم تَكُن مكتوبة. فإيران كانت تمتلك القدرة على تهديد الملاحة أو تعطيلها إذا اقتضت مصالحها، لكنها لم تكن تملك حق إدارتها. أما اليوم، فقد انتقل النقاش من احتمال إغلاق المضيق إلى شكل النظام الذي سيدير الملاحة فيه بعد الحرب، وهو تحوُّلٌ لا يقلُّ أهميةً عن الحرب نفسها.
فالوثائق التي جرى تداولها في أوساط شركات الشحن، والإشارات الواردة في مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية إلى ترتيبات خاصة بالملاحة، ثم المقترحات التي حملتها سلطنة عُمان إلى واشنطن، تكشف أنَّ النقاش لم يعد يدور حول أمن المضيق فقط، بل حول السلطة التي ستنظّم حركة السفن داخله.
وقد تبدو المقترحات العُمانية تقنية في ظاهرها، إذ تتحدث عن آليةٍ طوعية لتغطية تكاليف بعض الخدمات البحرية، مُستلهمةً نموذج مضيق ملقا، حيث تسهم شركات الملاحة في تمويل خدمات السلامة من دون أن يتحوّل ذلك إلى رسمٍ على حقِّ المرور. لكن أهمية هذه المبادرة لا تكمن في تفاصيلها المالية، بل في وظيفتها السياسية.
فمسقط لا تبدو وكأنها تفاوض نيابة عن إيران، بقدر ما تحاول منع إيران من الانفراد بإدارة المضيق. وهي تُدرِكُ أنَّ رفضَ أيِّ دورٍ إيراني بصورة مطلقة قد يدفع طهران إلى فرض ترتيبات أحادية بحكم سيطرتها على الضفة الشمالية للمضيق، كما تُدركُ أنَّ منحها دورًا واسعًا سيصطدم بالقانون الدولي، وسيثير اعتراضًا خليجيًا ودوليًا واسعًا. لذلك تحاول السلطنة إيجاد مساحة وسط بين هذين الخيارين، تسمح بإدارة عملية للملاحة من دون أن تتحوَّلَ إلى اعترافٍ بسيادة تنظيمية جديدة.
وهنا يكمن جوهر الخلاف. فالقضية ليست ما إذا كانت السفن ستدفع مقابل خدمات ملاحية، بل ما إذا كانت هذه الخدمات ستصبح مدخلًا لمنح إيران موقعًا دائمًا في إدارة واحد من أهم الممرات البحرية الدولية.
من الناحية القانونية، تبدو الصورة واضحة. فمضيق هُرمُز يخضع لنظام “المرور العابر” المنصوص عليه في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، والذي لا يجيز للدول المشاطئة فرض رسوم على مجرد استخدام المضيق. كما أكدت المنظمة البحرية الدولية مرارًا أنه لا يوجد أساسٌ قانوني يسمح بفرض رسوم إلزامية على السفن العابرة لمضيقٍ دولي، إلّا في حدود خدمات محددة تُقدَّم وفق قواعد معترف بها.
لكن القانون لا يعمل دائمًا بمعزل عن الجغرافيا السياسية. فالتجربة خلال العقد الأخير أظهرت أنَّ السيطرة الفعلية كثيرًا ما تسبق الاعتراف القانوني. ففي البحر الأسود، فرضت الحرب الروسية-الأوكرانية ترتيبات جديدة للملاحة. وفي بحر الصين الجنوبي، تواصل بكين توسيع نفوذها الميداني رُغمَ استمرار الخلافات القانونية. وفي باب المندب، أجبرت التهديدات الأمنية شركات الشحن على تعديل مساراتها رُغمَ بقاء قواعد حرية الملاحة على حالها.
وهذا ما يجعل هُرمُز مختلفًا اليوم. فالسؤال لم يعد: ماذا يقول القانون؟ بل: مَن يملك القدرة على فرض تفسيره للقانون؟
في هذا السياق، تبرز الصين باعتبارها طرفًا لا يمكن تجاهله، رُغمَ ابتعادها عن الصدام السياسي المباشر. فبكين ليست معنية بالدخول في مواجهة مع إيران، لكنها ليست مستعدة أيضًا لقبول ترتيبات تجعل تدفق الطاقة خاضعًا لاعتبارات سياسية أو مالية جديدة. ولذلك جاء موقفها واضحًا بالدعوة إلى إعادة فتح المضيق وفق الأوضاع التي كانت قائمة قبل الحرب، وهو موقف يعكس مصلحة استراتيجية أكثر مما يعكس اصطفافًا سياسيًا. فالصين، بوصفها أكبر مستورد للنفط الخليجي، تحتاج إلى ممر مستقر وقابل للتنبؤ، لأنَّ أيَّ زيادة في كلفة النقل أو التأمين ستنعكس مباشرة على اقتصادها.
ولا يقل موقف دول الخليج أهمية عن الموقفين الأميركي والصيني. فالسعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين تعتمد بدرجات متفاوتة على هُرمُز بوصفه شريان صادراتها الرئيس. وهي لا ترغب في عودة التوتر العسكري الذي يهدد حركة التجارة، لكنها في الوقت نفسه لا تنظر بارتياح إلى أيِّ ترتيبات قد تمنح إيران نفوذًا مؤسسيًا على الممر الذي تمر عبره صادراتها. ومن هنا جاء الرفض الإماراتي الواضح لفكرة فرض رسوم أو أعباء على الملاحة، انطلاقًا من أنَّ أيَّ استثناء في هرمز قد يتحوّل إلى سابقة في القانون الدولي.
وفي المقابل، تبدو إيران وكأنها تُعيدُ صياغة استراتيجيتها. فعلى مدى سنوات، استندت سياستها إلى التلويح بإغلاق المضيق كلما تصاعدت الضغوط الغربية عليها. أما اليوم، فإنها تبدو أكثر اهتمامًا بالحصول على دورٍ في تنظيم الملاحة من اهتمامها بتعطيلها. وهذا تحوُّلٌ بالغ الأهمية. فإغلاق المضيق يمنحها ورقة ضغط مؤقتة، لكنه يضعها في مواجهة المجتمع الدولي. أما المشاركة في إدارته، حتى لو جاءت تحت عناوين فنية مثل التأمين أو التنسيق الملاحي أو خدمات السلامة، فقد تمنحها نفوذًا أكثر استدامة وأقل كلفة.
وهنا تبدو الولايات المتحدة أمام مُعضِلة معقّدة. فهي لا تستطيع القبول بترتيبات تمنح إيران شرعية تنظيمية في مضيق دولي، لأنها ستكون سابقة تتجاوز الخليج إلى النظام البحري العالمي بأسره. لكنها، في الوقت نفسه، تدرك أنَّ استقرار الملاحة يحتاج إلى ترتيبات عملية تأخذ في الاعتبار الواقع الذي أفرزته الحرب، وهو ما يفسر تعاملها الحذر مع المبادرة العُمانية، فلا هي رفضتها، ولا سارعت إلى تبنّيها.
ولذلك، فإنَّ النقاش الدائر اليوم يتجاوز بكثير مسألة الرسوم أو التأمين أو الممرّات الآمنة. إنه يتعلق بمستقبل النظام الذي حكم الملاحة الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فإذا نجحت إيران في تحويل نفوذها الجغرافي إلى دور تنظيمي معترَف به، ولو بصورة غير مباشرة، فإنَّ ذلك قد يشجع قوى إقليمية أخرى على السعي إلى نماذج مشابهة في ممرات بحرية أخرى. أما إذا نجحت المبادرة العُمانية في إنتاج صيغة توازن بين مقتضيات الأمن الإقليمي ومتطلبات القانون الدولي، فقد يصبح هُرمُز نموذجًا مختلفًا لإدارة مشتركة لا تنسف المبادئ التي قامت عليها حرية الملاحة.
قبل أربعة عقود، كان السؤال الذي يشغل العالم هو ما إذا كانت إيران قادرة على إغلاق مضيق هرمز. أما اليوم، فقد تغيّرَ السؤال جذريًا. فلم يعد أحد يتوقع إغلاقًا طويلًا للمضيق، لأنَّ جميع الأطراف، من واشنطن إلى بكين، مرورًا بدول الخليج وحتى طهران نفسها، تدرك أن كلفته ستكون باهظة على الجميع. السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: من سيضع قواعد الملاحة فيه؟
قد يبدو الفرق بين السؤالين بسيطًا، لكنه في الواقع يعكس تحوُّلًا عميقًا في طبيعة النظام الدولي. فالمعركة لم تعد تدور حول إغلاق الممرات البحرية، بل حول مَن يملك حق تنظيمها. وإذا كان القرن العشرون قد قام على مبدَإِ أنَّ حرية الملاحة قاعدة لا يجوز التفاوض عليها، فإنَّ ما يجري في هرمز قد يكون أحد المؤشرات الأولى إلى أنَّ هذه القاعدة نفسها أصبحت موضع تفاوض. وإذا صحَّ ذلك، فإنَّ ما بدأ بعد الحرب الأميركية-الإيرانية لن يقتصر أثره على الخليج، بل قد يمتد إلى الطريقة التي تُدار بها أهم الممرات البحرية في العالم خلال العقود المقبلة.
- كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani
