منذ اندلاع الحرب الأميركيةـالإسرائيليةـالإيرانية، يعيش الخليج هدنةً لا تشبه السلام بقدر ما تُشبه استراحة مكلفة بين جولتين من التصعيد. فبين مضيق هرمز شبه المغلق وتآكل الثقة الاقتصادية، تدفع دول المنطقة ثمن حرب لا تملك حسمها ولا القدرة على البقاء خارج تداعياتها.
فريدريك شنايدر*
بعد أكثر من شهرين على اندلاع الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية ـ الإيرانية، تبدو دول الخليج العربي وكأنها العالق الأكبر في صراع لم تكن طرفًا في إشعاله، ولا تملك أدوات التحكُّم بمساراته، فيما تبدو كلفة إنهائه بشروط غير محسوبة أعلى من قدرة المنطقة على الاحتمال. صحيح أنَّ وقف إطلاق النار المشروط بين واشنطن وطهران، الذي أُعلن في 8 نيسان (أبريل)، ما زال صامدًا حتى الآن، إلّا أنَّ الواقع الاقتصادي والأمني في الخليج يوحي بأنَّ الحرب لم تنتهِ فعليًا. فمضيق هرمز لا يزال شبه مغلق بفعل القيود المتبادلة والإجراءات العسكرية، فيما تستمر فاتورة “الهدوء الهش” في التصاعد يومًا بعد يوم. وقد انعكس ذلك سريعًا على أسواق الطاقة، إذ تجاوز سعر خام برنت لفترة وجيزة حاجز 109 دولارات للبرميل خلال شهري نيسان (أبري) وأيار (مايو)، في وقت أعلنت “أرامكو” السعودية تحقيق صافي دخل معدل بلغ 33.6 مليار دولار في الربع الأول من عام 2026، بزيادة قدرها 34 في المئة مقارنة بالربع السابق. لكن هذه الأرباح القياسية لم تُخفِ هشاشة المشهد المالي؛ فالسعودية سجّلت في المقابل أكبر عجز ربعي في موازنتها منذ عام 2018، بلغ 33.5 مليار دولار خلال ثلاثة أشهر فقط، رغم أن إيرادات النفط تراجعت بنسبة 3 في المئة على أساس سنوي. وتكشف هذه المعادلة المتناقضة طبيعة الأزمة الخليجية الراهنة: أرباح نفطية مرتفعة على الورق، تقابلها كلفة استراتيجية وأمنية تستنزف قدرة الدول على الاحتواء.
اختناقُ هُرمُز… وبدايةُ الاستنزافِ الخليجيّ
ويبرز إغلاق مضيق هرمز بوصفه الاختبار الأكثر حساسية لاقتصادات الخليج، بعدما تحوّل إلى عامل ضغط مباشر على صادرات الهيدروكربونات، مع تفاوت واضح في قدرة دول مجلس التعاون على التكيّف مع الأزمة. السعودية والإمارات كانتا الأكثر استعدادًا نسبيًا بفضل امتلاكهما مسارات تصدير بديلة، وإن بقيت محدودة الفعالية ومعرّضة للخطر. فبعد أسبوعين فقط من اندلاع الحرب، أعادت الرياض تشغيل خط الأنابيب بين الشرق والغرب بكامل طاقته المخصصة لنقل النفط الخام، ما رفع صادراتها عبر البحر الأحمر من نحو مليون برميل يوميًا إلى ما بين 4 و4.3 ملايين برميل. إلّا أنَّ القدرة النظرية للخط، البالغة سبعة ملايين برميل يوميًا، تصطدم بقيود تشغيلية في محطات ينبع التي لا تستطيع تحميل أكثر من 5.4 إلى 5.9 ملايين برميل يوميًا حتى في أفضل الظروف، ما يترك فجوة بنيوية تقلّص الطاقة التصديرية الفعلية وتكبّد المملكة خسائر تُقدَّر بنحو 100 مليون دولار يوميًا من الإيرادات النفطية. أما الإمارات، فتعتمد على خط أنابيب أبوظبي ـ الفجيرة بطاقة تحويلية تراوح بين 1.5 و1.8 مليون برميل يوميًا، أي ما يوازي نحو نصف إنتاجها قبل الحرب، مستفيدة في الوقت نفسه من هامش مالي أوسع بفضل نقطة تعادل في الموازنة تُقدَّر بنحو 65 دولارًا للبرميل، وهي الأدنى خليجيًا. غير أنَّ الحرب أظهرت سريعًا أنَّ خطوط الالتفاف على هرمز ليست بمنأى عن الاستهداف؛ إذ تعرّض خط الشرق ـ الغرب السعودي لهجوم إيراني في نيسان (أبريل)، فيما أدى قصف لاحق إلى اندلاع حريق في ميناء الفجيرة الإماراتي، في رسالة واضحة مفادها أنَّ البنية التحتية البديلة لم تعد توفّر حصانة استراتيجية، بل باتت هي الأخرى جُزءًا من ساحة الاشتباك.
في المقابل، تبدو دول الخليج الأقل امتلاكًا لبدائل جغرافية الأكثر تعرُّضًا لتداعيات إغلاق مضيق هرمز. فبعكس السعودية والإمارات، لا تملك قطر والكويت والبحرين أي قدرة فعلية على تجاوز الممر البحري المغلق، ما جعل اقتصاداتها أكثر هشاشة أمام تطورات الحرب. وقد تجلّى ذلك بوضوح في قطر، حيث أعلنت “قطر للطاقة” حالة القوة القاهرة على عدد من عقود الغاز الطبيعي المسال بعد الهجوم الإيراني الذي استهدف منشأة رأس لفان في 18 آذار (مارس)، متسببًا في خفض الطاقة الإنتاجية للغاز المسال بنحو 17 في المئة. وتشير التقديرات إلى أنَّ استعادة هذه القدرة قد تستغرق ما بين ثلاث وخمس سنوات، في ضربة استراتيجية تمس أحد أهم مصادر الدخل العالمي للدوحة. وفي مؤشّرٍ إلى حجم التحوُّل في قواعد الملاحة، عبرت ناقلة نفط قطرية مضيق هرمز في 10 أيار (مايو) للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب، في خطوةٍ قيل إنها تمت بموافقة إيرانية مباشرة، بما يعكس نشوء نظام عبور خاضع لتوازنات سياسية وأمنية جديدة أكثر من كونه قائمًا على حرية الملاحة التقليدية.
أما الكويت، فقد وجدت نفسها عمليًا خارج سوق التصدير خلال نيسان (أبريل)، بعدما توقفت صادراتها النفطية بالكامل، فيما تواجه البحرين وضعًا أكثر تعقيدًا يجمع بين غياب أي منفذ بديل وارتفاع سعر التعادل النفطي في موازنتها إلى ما بين 110 و130 دولارًا للبرميل، وهو من أعلى المعدلات في المنطقة. هذا الواقع دفع وكالة “موديز” للتصنيف الائتماني إلى خفض نظرتها المستقبلية للاقتصاد البحريني من “مستقرة” إلى “سلبية” مع استمرار تعطل الصادرات. وفي سلطنة عُمان، التي تقع خارج الممر الرئيسي المغلق لكنها قريبة من أضيق نقطة ملاحية في المضيق، بدأت ملامح اصطفاف جديد تتشكل عبر بروتوكول عبور ثنائي مقترح مع إيران، ما يشير إلى توسّع النفوذ الإيراني من السيطرة العسكرية إلى إدارة الحركة التجارية نفسها.
اقتصادٌ تحتَ الضغط: من الطاقةِ إلى الطيران
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على قطاع الطاقة وحده، بل تمتد إلى مختلف القطاعات الاقتصادية في الخليج، في موجة اضطراب تكشف حجم الترابط بين الاستقرار الأمني والنشاط الاقتصادي في المنطقة. فقد تعطلت صادرات الأسمدة والألومنيوم والهيليوم والكبريت، بينما ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة حادة، خصوصًا بعد توسيع “لجنة الحرب المشتركة” التي تضم شركات التأمين في لندن نطاق المناطق المصنَّفة عالية المخاطر ليشمل الخليج بأكمله، ما أدى إلى ارتفاع أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب وتكاليف النقل والإمداد.
كما تلقّى قطاع السياحة ضربة فورية مع بداية النزاع. ووفق تقديرات المجلس العالمي للسفر والسياحة، خسرت المنطقة نحو 600 مليون دولار يوميًا من الإيرادات السياحية خلال الأسابيع الأولى للحرب. أما سوق العقارات، الذي يُنظر إليه عادة باعتباره مقياسًا مباشرًا للثقة طويلة الأمد، فقد شهد تراجعًا حادًا في الطلب، إذ انخفضت عمليات البحث على المنصات العقارية الإقليمية بنسبة 70 في المئة مباشرة بعد اندلاع الحرب، قبل أن تتعافى جزئيًا إلى نحو 80 في المئة من مستويات ما قبل النزاع، فيما بقي حجم المعاملات عند حدود 60 في المئة فقط. وحذّرت مؤسسة “أكسفورد إيكونوميكس” من احتمال تحوّل هذا التراجع إلى تصحيح أوسع في السوق العقارية قد يمتد إلى القطاع المصرفي الإماراتي، في ظل اعتماد نموذج النمو الاقتصادي في الدولة على العمالة الأجنبية التي بدأت تعيد النظر في قرارات الانتقال والاستقرار في المنطقة.
ويبدو قطاع الطيران المثال الأكثر وضوحًا على انتقال آثار الحرب من النفط إلى الاقتصاد الكلي الأوسع. فقد علّقت شركات الطيران الخليجية الكبرى، وفي مقدمتها “طيران الإمارات” و”الخطوط القطرية” و”الاتحاد للطيران”، عملياتها خلال المرحلة القتالية، قبل أن تعود بجداول مخفّضة وسط استمرار المخاوف الأمنية. كما تعرّض مطار دبي الدولي لهجوم بطائرات مسيّرة في آذار (مارس)، أدى إلى تعليق الرحلات الجوية مؤقتًا، في حادثة عكست هشاشة البنية التحتية المدنية أمام اتساع نطاق المواجهة. وعلى المستوى العالمي، أُلغيت نحو مليوني مقعد جوي من جداول رحلات أيار (مايو) خلال أسابيع قليلة، فيما ألغت شركة “لوفتهانزا” وحدها عشرين ألف رحلة بين أيار وتشرين الأول (أكتوبر). وفي موازاة ذلك، ارتفعت أسعار وقود الطائرات بنحو 94 في المئة مقارنة بالعام الماضي، وتضاعفت تقريبًا منذ شباط (فبراير)، وسط مخاوف متزايدة من نقصٍ فعلي في الإمدادات نتيجة تعطل شبكات التكرير والتوزيع المرتبطة بمضيق هرمز. وقد بدأ بعضُ الدول الآسيوية، مثل فيتنام، بالفعل إجراءات لترشيد استهلاك الوقود، فيما أوقفت مراكز طيران أخرى خطط التوسع وإضافة طاقات جديدة. بالنسبة إلى الخليج، فإنَّ هذا التطوُّر يخلق تهديدًا مزدوجًا: ارتفاع كلفة الوقود من جهة، واستمرار عزوف المسافرين عن منطقة يُنظَرُ إليها بوصفها ساحة توتر مفتوحة من جهة أخرى، بما ينذر بتحوُّل الاضطراب العسكري إلى أزمة لوجستية واقتصادية طويلة الأمد.
توقعات بإغلاق مطوّل
حتى الآن، يبدو أنَّ السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثّل في استمرار حالة الجمود الحالية، حيث يتمسّك كل طرف بشروطه القصوى من دون استعداد فعلي للتراجع. فإيران لا تزال تعتبر الانسحاب الأميركي الكامل من المنطقة شرطًا أساسيًا لأي عودة إلى الوضع الطبيعي في مضيق هرمز، فيما تصرّ واشنطن على أنَّ إعادة فتح المضيق بصورة فعلية وآمنة يجب أن تسبق أي تخفيف للعقوبات. ويستند الطرفان إلى قناعة متبادلة بأنَّ الوقت يعمل لمصلحتهما، وأنَّ الطرف الآخر سيكون الأقل قدرة على تحمّل الاستنزاف الاقتصادي والسياسي. لكن ما يجري على الأرض يشير إلى أنَّ طهران لا تكتفي بإبقاء المضيق تحت الضغط العسكري، بل تعمل تدريجًا على تحويل الإغلاق إلى واقع إداري وقانوني يصعب التراجع عنه حتى في ظلِّ أيِّ تسوية مستقبلية.
في هذا السياق، أعلنت إيران في 5 أيار (مايو) إنشاء “هيئة مضيق الخليج الفارسي”، وهي مؤسسة بيروقراطية جديدة تفرض على السفن الراغبة في العبور تقديم استمارة تصريح تتضمن أربعين سؤالًا، إضافة إلى رسوم قد تصل إلى مليوني دولار لكل رحلة. وبالتوازي، يناقش البرلمان الإيراني مشروع “قانون سيادة مضيق هرمز”، المؤلف من 12 مادة، والذي يهدف إلى تقنين هذه الإجراءات ضمن التشريعات المحلية الإيرانية. وبهذه الخطوات، تحاول طهران نقل سيطرتها على المضيق من مستوى الإجراءات العسكرية المؤقتة إلى إطار قانوني وإداري دائم، بما يجعل أي عودة إلى حرية الملاحة السابقة مرتبطة باعتراف سياسي ضمني بهذا الواقع الجديد.
هذا التحوُّل يضع شركات الشحن العالمية أمام معادلة شبه مستحيلة. فمكتب مراقبة الأصول الأجنبية في وزارة الخزانة الأميركية حذّر من أنَّ مجرّد تعبئة استمارة العبور الإيرانية قد يُعرّض الشركات لعقوبات أميركية، ما يعني أنَّ الامتثال للقواعد الإيرانية قد يكلّفها الوصول إلى النظام المالي الأميركي. وفي المقابل، فإنَّ رفض الامتثال يفتح الباب أمام اعتراضات عسكرية إيرانية في ممر مائي بات شبه معطَّل أصلًا؛ إذ لم تعبر المضيق سوى 45 سفينة منذ وقف إطلاق النار في 8 نيسان (أبريل)، أي ما يعادل نحو 3.6 في المئة فقط من متوسط حركة الملاحة الشهرية قبل الحرب. وبذلك، يبدو أنَّ إيران صمّمت هذا النظام ليبقى قائمًا حتى بعد أيِّ اتفاقٍ سياسي لا يتضمّن نصًا واضحًا يُنهي هذه الآليات الجديدة ويُلغيها بالكامل.
وفي موازاة هذا الجمود السياسي، تتفاقم الضغوط المالية داخل الخليج بوتيرة أسرع مما تعكسه المؤشرات الرسمية. ففي السعودية، استُهلِكَ نحو 58 في المئة من خطة الاقتراض السنوية، البالغة 217 مليار ريال سعودي (حوالي 57.7 مليار دولار)، خلال الربع الأول وحده، أي قبل اندلاع الحرب بشكلها الكامل. كما أعاد صندوق الاستثمارات العامة السعودي توجيه استراتيجيته الاستثمارية، فخفّض حصة الاستثمارات الدولية من 30 إلى 20 في المئة، مع إعادة نحو 92 مليار دولار إلى الداخل السعودي، ليس بهدف تسريع مشاريع “رؤية 2030” بقدر ما هو إجراء احترازي لتأمين السيولة في مواجهة احتمال استمرار الأزمة لفترة طويلة. ووفق تقديرات “بلومبيرغ”، فإنَّ سعر التعادل المالي الحقيقي للسعودية، عند احتساب التزامات صندوق الاستثمارات العامة، يتراوح بين 108 و111 دولارات للبرميل، أي أعلى من مستويات تداول خام برنت الحالية، ما يعني أنَّ استمرار الأزمة لفترة ممتدة سيُبقي المالية العامة تحت ضغط متزايد حتى مع بقاء أسعار النفط مرتفعة نسبيًا.
ورُغمَ أنَّ احتمال استعادة الملاحة الطبيعية في الممرات البحرية الآسيوية، وخصوصًا عبر مضيق هرمز، يبقى قائمًا إذا عادت الثقة تدريجًا إلى حركة الشحن العالمية، فإن هذا السيناريو لا يبدو مرجحًا في ظل مسار التفاوض الحالي. وحتى في حال التوصل إلى إعادة فتح فعلية للممرات البحرية، فإنَّ التعافي لن يكون سريعًا ولا متساويًا، لأنَّ إعادة تأهيل البنية التحتية للطاقة وسلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية ستحتاج إلى شهور، وربما سنوات في بعض القطاعات الحيوية.
في المقابل، يبقى خطر العودة إلى الحرب الشاملة حاضرًا بقوة. وإذا انهار وقف إطلاق النار واستؤنف القتال، فمن المرجح أن تكون الإمارات العربية المتحدة الأكثر تعرُّضًا للضربات الإيرانية الانتقامية، نظرًا إلى تركّز بنيتها التحتية النفطية واللوجستية ضمن نطاق الاستهداف المحتمل. كما ستواجه الاحتياطيات المالية الجماعية لدول مجلس التعاون الخليجي، التي تبدو كافية حاليًا لاحتواء الصدمة، اختبارًا أكثر قسوة مع اتساع أمد الحرب. عمليًا، لا تملك أي دولة خليجية مصلحة حقيقية في هذا السيناريو، لكن مخاطر سوء التقدير السياسي والعسكري تتزايد مع كل أسبوع يمرّ من دون إطار ديبلوماسي متماسك قادر على تثبيت وقف إطلاق النار وتحويله إلى تسوية مستدامة.
عدم تكافؤ ذو عواقب
حتى الآن، تحاول حكومات الخليج العربي التعامل مع الاضطراب الحالي بوصفه أزمة عابرة تشبه الصدمة التي أحدثتها جائحة كوفيد-19؛ أي أزمة حادة لكنها مؤقتة، يمكن تجاوزها بمجرّد إعادة فتح مضيق هرمز واستعادة التدفقات التجارية الطبيعية. غير أنَّ هذا التشبيه يبدو مضلِّلًا إلى حدٍّ بعيد، لأنه يتجاهل الطبيعة البنيوية للأضرار التي خلّفتها الحرب الحالية. فالمسألة لم تعد تقتصر على تعطّل مؤقت في الإمدادات أو اضطراب في الأسواق، بل باتت تشمل أضرارًا عميقة أصابت قطاعي النفط والغاز، إلى جانب القطاعات غير النفطية، فضلًا عن تضرُّر منشآت استراتيجية، مثل البنية التحتية للغاز الطبيعي المسال، التي قد تحتاج إلى سنوات لاستعادة كامل قدرتها التشغيلية. وفي الوقت نفسه، تتآكل الثقة الاستثمارية تدريجًا مع إعادة تقييم العمالة الأجنبية والمستثمرين والسياح لجدوى البقاء أو التوسع في منطقة باتت تُصنَّف باعتبارها بؤرة توتر مفتوحة. وإلى جانب الكلفة الاقتصادية المباشرة، تعمل إيران على ترسيخ هيكل إداري وقانوني جديد في المضيق، صُمّم أساسًا ليبقى قائمًا حتى بعد أي اتفاق مؤقت، بما يجعل الأزمة أكثر تعقيدًا من مجرد نزاع قابل للاحتواء السريع.
كما إنَّ تداعيات إغلاق المضيق لا تتوزع بالتساوي بين دول مجلس التعاون الخليجي، وهو ما يحدّ تدريجًا من قدرة التكتل على تبنّي استجابة موحَّدة. فالسعودية والإمارات، ومعهما سلطنة عُمان بدرجة معينة، تملك احتياطيات مالية ومسارات تصدير بديلة تتيح لها تحمّل الضغوط الحالية لفترة أطول بكثير مقارنة بالكويت والبحرين، بل وحتى قطر رغم ثروتها الغازية. هذا التفاوت لا ينعكس اقتصاديًا فحسب، بل بدأ يتحول إلى عامل سياسي واستراتيجي يخلق تباينًا في حسابات الدول الخليجية تجاه وقف إطلاق النار، وشروط التسوية، وحتى آليات إدارة مرحلة ما بعد الحرب. ومن هنا، يمكن قراءة قرار دولة الإمارات في الأول من أيار (مايو) إنهاء عضويتها في منظمة “أوبك” بعد 59 عامًا بوصفه أكثر من مجرد خطوة نفطية؛ إذ يعكس شعور أبوظبي بقدرتها على المناورة منفردة، ويكشف في الوقت نفسه حجم التصدّع الذي أصاب فكرة التضامن الخليجي تحت ضغط الخسائر غير المتكافئة.
ورُغمَ أنَّ دول مجلس التعاون الخليجي تمتلك مجتمعة أكثر من 3.5 تريليونات دولار في صناديق الثروة السيادية، إضافة إلى ثقل اقتصادي يجعلها قادرة نظريًا على التأثير في أيِّ تسوية مستقبلية لأزمة هرمز، فإنَّ هذه القوة لا تزال حتى الآن قوة كامنة أكثر منها أداة فعلية للتأثير. فالمشكلة الأساسية لم تعد مرتبطة بحجم الموارد المتاحة، بل بغياب التوافق على كيفية توزيع كلفة الأزمة بين الدول الأعضاء. إذ تشير التقديرات إلى أنَّ الفارق في مستوى الخسائر بين بعض الدول الخليجية قد يعادل ما لا يقل عن 45 دولارًا للبرميل الواحد، وهو تفاوت كفيل بإنتاج أولويات سياسية واقتصادية متعارضة داخل التكتل نفسه. لذلك، وحتى تتمكن دول الخليج من التوصل إلى صيغة مشتركة لتقاسم الأعباء، أو تعترف بصعوبة تحقيق ذلك، ستظل قدرتها الجماعية على التأثير محدودة، فيما يبقى ثقلها الاقتصادي الهائل معطّلًا بفعل الانقسامات التي فرضتها الحرب أكثر مما وحّدتها المخاطر المشتركة.
- فريدريك شنايدر زميل أول غير مقيم في مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في قطر. وهو أيضًا مستشار سياسات مستقل عمل مع مؤسسات دولية مثل كلية الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS) في لندن، ومنتدى الخليج الدولي، ومعهد دول الخليج العربية في واشنطن، ومعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، وغيرها.
- يصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) توازيًا مع صدوره على موقع “أفكار” التابع لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية (الدوحة).
