هنري زغيب*
بين كثير ما يصلُني دوريًّا، جاءَني من فرنسا هذا الأُسبوع كتابُ “الحُب طريق السعادة” للدكتورة داليا فرح (أُستاذة الفلسفة والسيكولوجيا في الجامعة اللبنانية/رئيسة المجلس البلدي الجديد في بلدتها رشميَّا).
الكتاب (بالفرنسية) في 280 صفحة، صادر في “السلسلة الفلسفية” لدى “منشورات لارماتان” – باريس. عالجَت فيه المؤلِّفة مفهوم الحب لدى الفيلسوف الفرنسي جان غيتُّون (1901-1999).
للكتابة الفكرية أَو في الآثار الفكرية جناحان: العُمق الناضح والأُسلوبُ الواضح. فإِذا اختلَّ أَحدُهما اختلَّ إِيصالُ الرسالة. وهذا ما تأَنَّى إِليه كبارُ فلاسفة العصر من كيركيغارد إِلى هيغل إِلى سارتر وآخرين.
جان غيتون سعى إِلى ذلك، وبلَغَه في مؤَلَّفاته الفلسفية (نحو 50 كتابًا). وزاد على بُلُوغه دأْبُ داليا فرح في التبسُّط لا التبسيط، وفي التحليل لا التحصيل، فخلُصَت إِلى أَنَّ فلسفته “تَبْسُط المستقبل وتختطُّ طريق الغد، بنضاله الطويل كي تنتصر روحانيَّةُ السرّ الوجدانيّ على مادِّية العبثية في هذا العصر”. بهذا نجح في جعل تياره فلسفةَ السعادة والحب والرجاء. ويُبَسِّطُ أَكثر: “السعادة ليست مهمَّة صعبة ومعقَّدة. سرُّها في العودة إِلى البساطة الأُولى: إِلى الحب”.
بهذا التدرُّج نحو البساطة، يرى غيتون إِلى الحب البشري والحب الإلهي، ومنهما إِلى إِقليمَيْن، الحب العمودي: من الإِنسان إِلى الله (بنعمة الإِيمان) ومن الله إِلى الإنسان (“السعادة هديةُ الله للإِنسان)، والحب الأُفقي: من الإِنسان إِلى الإِنسان. وهذا يتجسَّد في الفعل لا في القول وحسْب. من هنا نظرية غيتون: “يسوع علَّم حبَّ الله وحبَّ البشَر وحتى حبَّ الأَعداء”. لكنه لا يركن إِلى ذلك استقرارًا، فيستدرك: “السعادة التي نبْلُغها ليست دائمة ولا مستقرة. فالإِنسان يعيش في حركة متقلِّبة لأَنه ابنُ الزمن، والزمنُ محكومٌ (أَو حاكمٌ) بالمتغيِّرات”. وفي تَنَوُّره الإِشراقيّ بفكرة الله (وهو فيلسوف الكثلكة) ينقُضُ أَساس الفلسفة الإِنسانية الملْحدة لدى ماركس ونيتشه وفرويْدْ، وهي عامت على سطح الفلسفة المعاصرة وغمرَت معظم التيارات الفكرية في بحر القرن العشرين.
ويعود إِلى محوره الأَول: الحب طريقُ السعادة. ويرسم “حدود الخطر لفشَل الحب، أَبرزها: فراغُ الحب من الإِعجاب، الحبُّ اللامَتبَادَل تَعادُلًا بالشغَف ذاته، الحبُّ من طرف واحد فيما الآخر منصرف إِلى حب شخص آخر”. ويوجز: “يفشَل الحب حين لا يعود فيه ذلك السرُّ الجميلُ اللا يُفَسَّر”. عندها ينتهي الحب تكرارًا مملًّا لأَوقاتٍ متشابهة روتينية مُضْجِرة، تتآكل بالغيرة السخيفة والشكوك القاتلة والظنون التوهُّمية الهَلْوَسَاتية. وفي لفتةٍ قد تكون مُنقِذة أَو وسيطة، يحبِّذ غيتون ما يسميه “الصداقة العاشقة”: تبدأُ حيادية ناجحة، حتى إِذا انفلتت من الصداقة ذاتَ ومضةٍ شرارةٌ عاطفيةٌ، اشتعلَت لحظةُ الصداقة حبًّا، وربما شغَفًا، وربما ولَعًا حتى جنون الحب العظيم الذي لا تُؤْتى نعمتُه إِلَّا للأَصفياء القلَّة، وأَخَصُّهم المبدعون.
حيال هذا الفضاء الفكري تتساءَل الكاتبة: “هل ما زال الحب اليوم قادرًا على استيلاد السعادة في عصرنا، مع ما فيه من ضباب ملبَّد؟ وما الحب في المفهوم المعاصر لدى مجتمعاتنا المعاصرة؟ هل ما زال ينبض في الأَجيال الجديدة؟
في هذا الجو الغامر بالهناءة وبأَجواء جان غيتون، تختُم المؤَلفة خلاصةَ كتابها، الرصين فكريًّا وأَكاديميًّا، بأَنْ “إِذا كانت السعادةُ زهرةً نادرةً نسعى جميعُنا إِليها، فالحبُّ هو التربةُ الخصيبةُ التي تَنْزرع فيها هذه الزهرةُ فتنمو ضاحكةً هانئةً في وجه الشمس”.
قلتُ في مطلع المقال إِنَّ للكتابة الفكرية أَو في الآثار الفكرية جناحيْن: العُمق الناضح والأُسلوب الواضح. والدكتورة داليا فرح غمَرَتْهُما معًا: غاصت على العُمق الفكريّ فظهَّرَت النضوح بوضوح، ونسجَت بوضوحِ أُسلوبها كتابةً فلسفيةً في سلاسة أَدبية.
يسْلَمُ قلمُها الرهيف.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
- يَصدُرُ هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار” (بيروت).
