يوسف بك كرم… حين وُلِدَ لبنان فكرةً قبل أن يُصبِحَ دولة

في كتابه الصادر عن “دار النهار للنشر” في 371 صفحة، يقدّم الدكتور إبراهيم شاكر قراءة مختلفة لشخصية يوسف بك كرم، لا بوصفه بطلًا شعبيًا فحسب، بل كمفكّر سياسي ساهم مبكرًا في صياغة الوعي الوطني اللبناني. ومن خلال هذه المقاربة، يتحوّل الكتاب إلى رحلةِ بحثٍ في الجذور الفكرية لفكرة لبنان، قبل عقود من إعلان دولته الحديثة.

الدكتور إبراهيم شاكر يوقع كتابه.

ميشال مظلوم*

لطالما حضر يوسف بك كرم في الذاكرة اللبنانية بصورة البطل الشعبي المقاوم للسلطنة العثمانية، الرجل الذي خاض المعارك، ونُفي، وخسر أملاكه في سبيل قضيته، حتى تحوّل مع الزمن إلى رمز تاريخي يكاد يقترب من الأسطورة. غير أنّ هذه الصورة، على أهميتها، حجبت جانبًا آخر من شخصيته: الجانب الفكري والسياسي. وهنا تحديدًا تأتي أهمية كتاب الدكتور إبراهيم شاكر “يوسف بك كرم والفكرة الوطنية اللبنانية: بين التصور المشرقي والوعي الكياني في القرن التاسع عشر”، الصادر عن “دار النهار للنشر”، إذ يحاول إعادة تقديم كرم ليس فقط كقائد تمرّد على العثمانيين، بل كأحد أوائل الذين صاغوا تصوُّرًا مبكرًا لفكرة لبنان السياسيّة.

الكتاب، الممتد على 371 صفحة، لا يكتفي بسرد سيرة رجل أو توثيق مرحلة تاريخية، بل يذهب إلى ما هو أعمق: البحث في جذور الوعي الوطني اللبناني قبل قيام دولة لبنان الكبير بوقت طويل. فإبراهيم شاكر ينطلق من فرضية واضحة مفادها أنّ فكرة لبنان لم تُولد فجأة مع إعلان الدولة عام 1920، بل بدأت تتشكّل تدريجًا في القرن التاسع عشر، عبر نخب وشخصيات رأت في لبنان أكثر من مجرد ولاية عثمانية أو مساحة جغرافية.

ومن خلال تحليل دقيق لرسائل يوسف بك كرم وخطاباته ومواقفه السياسية، ينجح المؤلف في إظهار ملامح هذا الوعي المبكر. فاللغة التي استخدمها كرم، بما تتضمنه من مفردات مثل “الوطن” و”الحرية” و”الاستقلال”، تكشف أنّ الرجل لم يكن يتحرك بدافع العصبية الطائفية أو الزعامة المحلية فقط، بل انطلاقًا من تصوُّرٍ سياسي أوسع يتعلق بقيام كيان لبناني يمتلك خصوصيته التاريخية والثقافية والسياسية.

ما يميز الكتاب أنّه يحرّر شخصية كرم من القراءة الاختزالية التي حاصرته طويلًا. فهو لا يقدّمه كبطل ماروني في مواجهة العثمانيين فحسب، بل كشخصية حاولت إيجاد توازن دقيق بين الانتماء إلى المشرق وبين الدفاع عن خصوصية لبنان. ومن هنا تأتي العبارة المحورية في عنوان الكتاب: “بين التصوُّر المشرقي والوعي الكياني”. فكرم، بحسب قراءة شاكر، لم يكن انعزاليًا ولا داعية قطيعة مع محيطه، بل كان يرى لبنان ككيان يمتلك خصوصيته ضمن فضاء مشرقي أوسع.

ويضع الكاتب هذه التجربة ضمن سياقها التاريخي المعقّد: تراجع السلطنة العثمانية، تصاعد التدخل الأوروبي، أحداث 1860، وقيام نظام المتصرفية. وفي خضم هذه التحولات، يظهر يوسف بك كرم كشخصية ترفض الارتهان للخارج، سواء للعثمانيين أو للقوى الأوروبية. حتى علاقته بفرنسا، التي طالما استُخدمت لتصويره رجلًا تابعًا للغرب، يعيد الكتاب قراءتها بصورة أكثر توازنًا، مظهرًا أنّ كرم اصطدم لاحقًا بالمصالح الفرنسية عندما تعارضت مع مشروعه الوطني.

ومن النقاط اللافتة أيضًا أنّ الكتاب يضيء على أفكار سياسية متقدمة نسبيًا بالنسبة إلى زمنها، كالدعوة إلى المساواة وفصل الدين عن السياسة وقيام حكم وطني مستقل. وهي عناصر تجعل يوسف بك كرم يبدو أقرب إلى مفكر سياسي منه إلى قائد عسكري فقط. وهذا ما يمنح الكتاب قيمته الحقيقية: إعادة اكتشاف شخصية تاريخية لم تنصفها المناهج الرسمية ولا كثير من الكتابات التقليدية.

كذلك ينجح شاكر في الابتعاد عن الخطاب العاطفي الذي طبع معظم الكتابات السابقة عن يوسف بك كرم. فلا نجد هنا تمجيدًا مجانيًا أو لغة بطولية متضخمة، بل قراءة تحليلية هادئة تستند إلى الوثائق والسياق التاريخي. ومع ذلك، لا يفقد النص روحه الإنسانية، خصوصًا حين يتناول تجربة المنفى، وخيبات كرم السياسية، وإصراره على عدم التخلي عن مشروعه رغم تخلّي كثيرين عنه.

وفي الواقع، لا تبدو أهمية هذا الكتاب مرتبطة بالماضي فقط، بل بالحاضر أيضًا. ففي زمن يعيش فيه لبنان أزمة هوية وكيان ودور، تبدو العودة إلى شخصيات القرن التاسع عشر محاولة لفهم الجذور الأولى للمأزق اللبناني الحديث. فالكثير من الأسئلة التي طرحها يوسف بك كرم لا تزال مطروحة حتى اليوم: كيف يمكن بناء دولة مستقلة في منطقة مفتوحة على التدخلات الخارجية؟ كيف يمكن التوفيق بين الخصوصية اللبنانية والانتماء إلى المحيط؟ وما معنى السيادة في بلد متعدّد الطوائف والولاءات؟

لهذا، فإنّ كتاب إبراهيم شاكر لا يُقرأ فقط كبحث تاريخي، بل كنصٍّ فكري وسياسي يفتح باب النقاش مجددًا حول معنى الوطنية اللبنانية نفسها. وهو ينجح، إلى حد بعيد، في إعادة يوسف بك كرم إلى مكانه الطبيعي: ليس فقط في ذاكرة البطولة الشعبية، بل أيضًا في تاريخ تشكّل الفكرة اللبنانية الحديثة.

إنه كتابٌ يعيد الاعتبار إلى يوسف بك كرم كمفكر وطني، لا مجرد بطل شعبي، ويمنح القارئ فرصة نادرة للتأمل في اللحظة التي بدأت فيها فكرة لبنان تتكوّن قبل أن تتحول إلى دولة.

Exit mobile version