حين تُعيدُ الحربُ تَشكيلَ لبنان: الأرض والخوف والهويّة

لم تعد الحرب في لبنان تُغيّر خرائط السيطرة وحدها، بل باتت تُعيد تشكيل علاقة اللبنانيين بأرضهم وببعضهم البعض. وبين القرى المفرغة من سكانها والخوف المتسلّل إلى الحياة اليومية، يتكوّن لبنان جديد تحت ضغط الجغرافيا الأمنية والهويات القلقة.

أطفال نازحون في بيروت: الحرب لا تُغيّر الجبهات فقط، بل تُعيد تشكيل الحياة اليومية ومعنى الأمان.

عصام القيسي*

لا يَعيشُ لبنان اليوم حالةَ حربٍ شاملة بالمعنى التقليدي، لكنه في الوقت نفسه بعيدٌ كل البُعد من الاستقرار أو السلام. فالغارات الجوية الإسرائيلية لا تتوقف، فيما يواصل “حزب الله” إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة عبر الحدود، في مشهدٍ مفتوح على احتمالات التصعيد في أيِّ لحظة. ومع اتساع نطاق أوامر الإخلاء الإسرائيلية يومًا بعد يوم لتشمل بلدات لبنانية إضافية، تبدو مناطق واسعة من الجنوب والبقاع وكأنها خرجت تدريجًا من دورة الحياة الطبيعية، بعدما فرغت من سكانها وتحوّلت إلى مساحاتٍ مُعلّقة بين الحرب والانتظار. وفي الأجواء، لا تغيب الطائرات المسيّرة الإسرائيلية، سواء المخصّصة للاستطلاع أو الهجوم، عن سماء الجنوب أو حتى بيروت، بينما يحاول اللبنانيون التكيُّف مع واقعٍ يومي يختلط فيه الخوف بضجيج الطائرات وقلق المجهول.

هذا الواقع الأمني المُتقلِّب لا يقتصر تأثيره على الدمار المباشر أو موجات النزوح، بل بدأ يُعيدُ تَشكيلَ الجغرافيا اللبنانية نفسها بصورةٍ تدريجية. فلبنان، الذي تبلغ مساحته الرسمية 10,452 كيلومترًا مربعًا، فَقَدَ عمليًا مئات الكيلومترات من فضائه الحيوي، بعدما تحوّلت أجزاء واسعة منه إلى مناطق خطرة أو شبه معزولة أو خاضعة لوقائع عسكرية وأمنية جديدة. لكن التحوُّل الأخطر ربما لا يُقاس بالجغرافيا وحدها، بل بما يتركه من تصدّعات داخل المجتمع اللبناني. إذ تتشكل في مختلف المناطق حواجز غير مرئية بين اللبنانيين، لا تتمثل في خطوط تماس أو نقاط تفتيش، بل في تنامي مشاعر الحذر والريبة والتردُّد المُتبادَل بين أبناء الطوائف والمناطق المختلفة، بما يعكس تبدُّلًا عميقًا في العلاقات الاجتماعية تحت ضغط الحرب المستمرّة وعدم اليقين.

بدأ المسار الذي قاد لبنان إلى واقعه الحالي في الثامن من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، عندما أعلن “حزب الله” فتح ما سمّاه “جبهة دعم” ضد إسرائيل، بعد يوم واحد فقط من هجوم “حماس” غير المسبوق على إسرائيل. وجاء الردُّ الإسرائيلي سريعًا عبر قصفٍ متبادَل على طول الحدود الجنوبية. وخلال الأشهر الأخيرة من عام 2023، بدا النزاع، من الناحية الجغرافية على الأقل، محدودًا ومفهومًا؛ إذ تركزت المواجهات في الشريط الحدودي الجنوبي، فيما ظلّت بقية البلاد تعيش ما يشبه المسافة الآمنة عن الحرب. وبدا وكأن هناك خطًا غير معلن يفصل بين مناطق القتال ومناطق الحياة الطبيعية، وهو افتراض تبنّته الدولة اللبنانية، كما تبنّاه “حزب الله”، على أساس أنَّ المواجهة ستبقى تحت السيطرة ولن تنزلق إلى حربٍ مفتوحة.

غير أنَّ هذا التصوُّر بدأ يتهاوى تدريجًا مع دخول عام 2024. فبحلول الصيف، وسّعت إسرائيل نطاق عملياتها العسكرية بشكلٍ غير مسبوق، مُتَّجهة نحو استراتيجية استنزاف شاملة استهدفت بنية “حزب الله” العسكرية والقيادية، من القادة الميدانيين إلى الصفوف العليا في التنظيم. ولم تعد الضربات محصورة بالجنوب، بل امتدت إلى مناطق البقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، حيث تكررت الغارات بوتيرة متصاعدة. ومع حلول الخريف، كانت الحرب قد فقدت طابعها الحدودي وتحوّلت إلى أزمة وطنية شاملة، طاولت تداعياتها مختلف المناطق اللبنانية، بما في ذلك شمال البلاد.

لبنان بين الحرب المعلّقة والسلام المستحيل

ورُغم التوصُّل إلى اتفاقٍ لوقف إطلاق النار بوساطة أميركية بين لبنان وإسرائيل في 27 تشرين الثاني (نوفمبر) 2024، فإنَّ ذلك الاتفاق لم ينجح في إعادة الاستقرار الفعلي إلى البلاد. فقد نصّ الاتفاق، نظريًا، على وقف الأعمال العدائية وتهيئة الظروف لنزع سلاح “حزب الله” عبر مؤسسات الدولة اللبنانية. وعلى مدى خمسة عشر شهرًا، التزم الحزب، الذي خرج من الحرب أكثر ضعفًا، بوقف إطلاق النار، لكنه واصل في الوقت نفسه إعادة ترتيب قدراته العسكرية بعيدًا من الأضواء، حتى مع قيام الجيش اللبناني بتفكيك بعض مخازن الأسلحة جنوب نهر الليطاني. في المقابل، واصلت إسرائيل تنفيذ غارات وعمليات استهداف داخل الأراضي اللبنانية، مبرّرة ذلك بأنه جزء من آلية تطبيق الاتفاق، فيما أبقت قواتها العسكرية متمركزة على خمس تلال داخل الحدود اللبنانية الجنوبية. وهكذا دخل لبنان مرحلة رمادية: لا حرب شاملة، لكن لا سلام حقيقيًا أيضًا، مع بقاء احتمالات الانفجار قائمة في كل لحظة.

هذا التوازن الهش انهار مجددًا في الثاني من آذار (مارس) 2026، عندما أطلق “حزب الله” دفعة صواريخ باتجاه شمال إسرائيل، مُعلنًا انخراطه العلني في الدفاع عن إيران خلال الحملة العسكرية الأميركية-الإسرائيلية ضد طهران. وأدى التصعيد الذي أعقب ذلك إلى سقوط آلاف القتلى والجرحى في لبنان، وسط موجة جديدة من الدمار والنزوح. وبعد أسابيع من المواجهات، تم التوصل إلى اتفاق جديد لوقف إطلاق النار بوساطة أميركية دخل حيّز التنفيذ في 17 نيسان (أبريل)، لكن نتائجه تجاوزت البُعد العسكري المباشر، إذ ساهم بدوره في إعادة رسم الجغرافيا اللبنانية وتعميق التحوّلات الأمنية والاجتماعية التي كانت البلاد تشهدها منذ بداية الحرب.

الخط الأصفر: كيف أعادت إسرائيل رسم الجغرافيا اللبنانية؟

في سياق هذا التحوُّل الميداني، فرضت إسرائيل واقعًا جغرافيًا جديدًا داخل الأراضي اللبنانية من خلال إنشاء ما بات يُعرف بـ”الخط الأصفر”، وهو شريط واسع مُنع اللبنانيون من تجاوزه. وبهذه الخطوة، أصبحت إسرائيل تسيطر فعليًا على نحو 608 كيلومترات مربعة بمحاذاة الحدود الجنوبية، أي ما يقارب 6% من مساحة لبنان، محوّلة عشرات القرى الحدودية إلى مناطق عسكرية مغلقة. وبرّرت إسرائيل هذه الإجراءات بالقول إنَّ تلك القرى تضم أنفاقًا ومنشآت وبنية تحتية عسكرية تابعة ل”حزب الله”، الأمر الذي دفعها إلى تنفيذ عمليات تدمير واسعة النطاق، سوّت خلالها بلدات كاملة بالأرض وجعلتها غير قابلة للحياة أو إعادة الإعمار السريع.

ومع دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في 17 نيسان (أبريل)، لم تتجه الأمور نحو التهدئة كما كان متوقعًا، بل شهدت تصعيدًا من نوع آخر. ففي صباح اليوم نفسه، أعادت إسرائيل إصدار أوامر إخلاء شملت كامل المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني، الممتدة على مساحة تقارب ألف كيلومتر مربع، والتي كانت عمليًا معزولة عن بقية البلاد بعد تدمير معظم الجسور والطرق الحيوية المؤدية إليها. ولم تقتصر أوامر الإخلاء لاحقًا على الجنوب المباشر، بل أخذ نطاقها يتوسع تدريجًا ليشمل بلدات شمال الليطاني، وصولًا إلى أجزاء من البقاع، في مؤشر إلى أنَّ مفهوم “المنطقة الخطرة” بات يتمدد جغرافيًا داخل لبنان.

وفي الداخل اللبناني، يسود اعتقادٌ واسع بأنَّ الضغوط الأميركية هي التي تَحُول، حتى الآن، دون توسيع إسرائيل عملياتها العسكرية لتشمل بيروت ومحيطها، ولا سيما الضاحية الجنوبية ذات الغالبية الشيعية، التي تُعد المعقل السياسي والأمني الأبرز ل”حزب الله”. وبين الثاني من آذار (مارس) و16 نيسان (أبريل)، شهدت الضاحية موجة نزوح ضخمة شملت مئات الآلاف من السكان، بعد سلسلة من التحذيرات والضربات الإسرائيلية. غير أنَّ هذا الهدوء النسبي بدا هشًا للغاية، إذ عادت إسرائيل في السادس من أيار (مايو) إلى استهداف الضاحية للمرة الأولى منذ بدء وقف إطلاق النار، عبر عملية اغتيال استهدفت قياديًا بارزًا في قوات “الرضوان” التابعة ل”حزب الله”. ولم يُنظر إلى العملية على أنها تطوّرٌ استثنائي، بل كامتدادٍ مباشر للموقف الإسرائيلي الذي بات يعتبر المناطق ذات الغالبية الشيعية بيئات حاضنة للبنية العسكرية للحزب، وليس مجرد تجمّعات مدنية منفصلة عن الصراع.

وقد انعكس هذا الواقع الأمني مباشرة على السكان النازحين، الذين بات كثيرون منهم يترددون في العودة إلى منازلهم، سواء في الضاحية الجنوبية أو في البلدات الواقعة شمال نهر الليطاني، رُغمَ سريان وقف إطلاق النار. فهذه المناطق تُعامل، بصورة متزايدة، باعتبارها ساحات قتال محتملة يمكن أن تعود إليها المواجهة في أيِّ لحظة. ومن هنا، ترسّخت لدى السكان قناعة بأنَّ أيَّ منطقة ترتبط، سياسيًا أو اجتماعيًا أو جغرافيًا، ب”حزب الله” قد تصبح هدفًا مجددًا، وأنَّ المناطق التي صُنّفت يومًا غير آمنة لا يمكن أن تستعيد شعور الأمان بسهولة أو خلال فترة قصيرة.

الهوية كخطر أمني: الجبهة الاجتماعية للحرب

لكن التحوّلات التي يشهدها لبنان اليوم لا تقتصر على الخرائط والحدود وموجات النزوح. فالحرب، بمرور الوقت، بدأت تُنتج جبهة جديدة أكثر تعقيدًا وأقل وضوحًا: جبهة اجتماعية غير معلنة، تُقاس فيها المخاطر الأمنية ليس فقط بالموقع الجغرافي، بل أيضًا بالانتماء الطائفي والبيئة الاجتماعية. وبذلك، لم يعد مفهوم “الجبهة” محصورًا بخطوط المواجهة العسكرية بين إسرائيل و”حزب الله”، بل امتد ليشمل نظرة اللبنانيين أنفسهم إلى بعضهم البعض، وإلى الأماكن التي يعيشون فيها ويتنقلون عبرها.

ومع انتقال آلاف العائلات الشيعية النازحة إلى مناطق ذات غالبية سكانية من طوائف أخرى، بدأت تظهر تدريجًا حسابات أمنية ذات طابع جماعي داخل المجتمع اللبناني. ولم يكن هذا التحوُّل يُعبَّرُ عنه بشكلٍ مباشر في معظم الأحيان، إذ يبقى الخطاب الطائفي الصريح مرفوضًا اجتماعيًا في الأوساط المدنية والنخبويّة. إلّا أنَّ هذه المخاوف كانت تتسلل عبر الإشارات غير المباشرة وأساليب الحذر اليومية: مالكو العقارات يطرحون أسئلة مواربة على المستأجرين المحتملين، وسكان الأبنية ينظرون بريبة إلى الوافدين الجدد، فيما تخشى مجتمعات محلية عدة أن يؤدي استقبال عائلات نازحة إلى تحويل أحيائها إلى أهداف محتملة للغارات الإسرائيلية.

ومع الوقت، لم تعد هذه المخاوف مجرّد هواجس عابرة، بل بدأت تُعيد تشكيل السلوك الاجتماعي بصورة ملموسة. فالزيارات العائلية والاجتماعية تغيّرت، وأنماط الحركة اليومية أُعيد تنظيمها لتجنُّب مناطق يُنظَرُ إليها باعتبارها أكثر عرضة للخطر، فيما باتت الهوية الطائفية، بشكل متزايد، مرتبطة بتقديرات الأمن والسلامة الشخصية. وهنا تكمن خطورة التحوُّل الجاري: فلبنان، الذي لطالما عُرفت مناطقه وأحياؤه بارتباطاتها الطائفية والسياسية، يشهد اليوم انتقالًا من مجرد التصنيف الهوياتي إلى تصنيف أمني قائم على الانتماء الجماعي.

وفي حين أنَّ الطابع الطائفي للجغرافيا اللبنانية ليس جديدًا، فإنَّ الصراع الحالي بين إسرائيل و”حزب الله” يدفع هذه البنية إلى مستوى أكثر خطورة، عبر تحويل الهويات الاجتماعية إلى مؤشرات محتملة للخطر العسكري. ولا يقتصر أثر الحرب، بهذا المعنى، على القتلى والدمار والانهيار الاقتصادي، بل يمتد إلى إعادة تشكيل العلاقات بين المجتمعات التي نجت من القتال المباشر. فحالة الغموض وعدم اليقين التي يعيشها لبنان قد تكون، إذا استمرت، قادرة على تغيير بنية المجتمع اللبناني وطرق تفاعله الداخلية بعمق لا يقل عن تأثير الحروب المفتوحة نفسها.

وفي هذا المناخ المضطرب، انعقدت في 14 أيار (مايو) جولة ثالثة من المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية في واشنطن التي تهدف ربما إلى تمديد “وقف إطلاق النار”، وسط حديث أميركي متزايد عن احتمال التوصل إلى “اتفاق سلام”. غير أنَّ طبيعة ما يجري التفاوض بشأنه لا تزال غير واضحة بالكامل. فالدولة اللبنانية لا تملك سيطرة فعلية على قرارات “حزب الله” العسكرية، فيما تواصل إسرائيل تنفيذ ضربات داخل الأراضي اللبنانية ضمن هامش تتحكم به الحسابات الأميركية. وفي المقابل، يستمر “حزب الله” في إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، بينما يواصل المدنيون اللبنانيون التكيف مع واقع يومي تحكمه الهشاشة وعدم اليقين. وبينما تتقلص المساحة الآمنة في لبنان بفعل الوقائع العسكرية الجديدة، تتعمق أيضًا الانقسامات الاجتماعية الداخلية، مدفوعة بثقافة متزايدة من الحذر والتجنب والانسحاب من الفضاءات المشتركة.

* عصام القيسي هو محلل سياسي وباحث في مركز مالكولم إتش كير كارنيغي للشرق الأوسط.

Exit mobile version