نجلاء شهوان*
دخل الاقتصاد الفلسطيني عام 2026 مثقلًا بأزمة مركّبة تتجاوز حدود الركود التقليدي، في ظلِّ تداخل الاضطرابات العالمية والإقليمية مع استمرار القيود الإسرائيلية في الضفة الغربية والتداعيات الكارثية للحرب في غزة. وبينما تواجه المنطقة تحوّلات اقتصادية وجيوسياسية متسارعة، يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام واحدة من أكثر المراحل الاقتصادية هشاشة منذ عقود.
ويطغى عدم اليقين على المشهد الاقتصادي الفلسطيني، الذي بات يتسم بتقلبات حادة وانكماش واسع في مختلف القطاعات. ففي قطاع غزة، قفزت معدلات البطالة إلى نحو 85 في المئة، في مؤشر يعكس الانهيار شبه الكامل لسوق العمل والنشاط الإنتاجي، بينما تعاني الضفة الغربية من أزمة مالية خانقة وتراجع حاد في الحركة الاقتصادية وارتفاع متسارع في معدلات الفقر.
ومنذ هجوم حركة “حماس” في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023 وما أعقبه من حرب إسرائيلية مدمرة على غزة، تعرض القطاع لدمار واسع النطاق يُعدّ غير مسبوق في تاريخه الحديث. وتشير التقديرات إلى أنَّ حجم الأضرار المادية المباشرة بلغ نحو 35.2 مليار دولار، فيما تُقدّر الخسائر الاقتصادية والاجتماعية الإضافية بنحو 22.7 مليار دولار، وسط انهيار شبه كامل في قطاعات حيوية مثل الإسكان والرعاية الصحية والتعليم والزراعة والتجارة.
ولم تعد الأزمة تقتصر على حجم الدمار المادي، بل باتت ترتبط أيضًا بالتحديات الهائلة التي تواجه عملية التعافي نفسها. فقد قدّر تقرير مشترك صادر عن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي أنَّ قطاع غزة سيحتاج إلى نحو 71.4 مليار دولار خلال العقد المقبل لإعادة الإعمار واستعادة الحد الأدنى من مقومات الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
ويشير التقرير إلى أنَّ المرحلة الأكثر إلحاحًا تتمثل في توفير ما لا يقل عن 26.3 مليار دولار خلال الأشهر الثمانية عشر الأولى، بهدف إعادة الخدمات الأساسية والبنية التحتية إلى العمل، وخلق حد أدنى من النشاط الاقتصادي القادر على منع الانهيار الإنساني والاجتماعي الكامل.
ويكشف حجم الانهيار في غزة عن واحدة من أسوَإِ الكوارث الاقتصادية والتنموية في المنطقة خلال العقود الأخيرة. فبحسب التقرير المشترك، انكمش اقتصاد القطاع بنحو 84 في المئة، فيما تراجعت مؤشرات التنمية البشرية بما يعادل نحو 77 عامًا، في انتكاسة غير مسبوقة لمستويات المعيشة والخدمات الأساسية.
كما تسببت الحرب في موجة نزوح هائلة شملت نحو 1.9 مليون شخص، اضطر كثير منهم إلى النزوح مرات متعددة داخل القطاع، بينما فقد أكثر من 60 في المئة من السكان منازلهم، ما أدى إلى تفكك واسع في البنية الاجتماعية والاقتصادية وخلق أزمة إنسانية متفاقمة.
أما في الضفة الغربية، فلا يزال الاقتصاد يواجه ضغوطًا خانقة نتيجة استمرار القيود الإسرائيلية على الحركة والتجارة، ومنع عشرات آلاف العمال الفلسطينيين من الوصول إلى أماكن عملهم داخل إسرائيل، إلى جانب الأزمة المالية المتفاقمة التي تواجهها السلطة الفلسطينية بسبب تراجع الإيرادات وعدم انتظام تحويل أموال المقاصة من الجانب الإسرائيلي.
وفي ظل هذه الظروف، دخل الاقتصاد الفلسطيني عام 2026 وهو يواجه مزيجًا معقدًا من التعافي البطيء وارتفاع مستويات عدم اليقين وهشاشة سوق العمل وضيق الحيز المالي المتاح أمام الحكومة. وتتفاقم هذه التحديات مع تباطؤ الاقتصاد العالمي وتصاعد التوترات الجيوسياسية، ما يحدّ من قدرة الاقتصادات الصغيرة والمتأثرة بالنزاعات، مثل الاقتصاد الفلسطيني، على تحقيق أي تعافٍ مستدام أو استعادة تدريجية للنشاط الإنتاجي.
ورغم أنَّ الاقتصاد الفلسطيني سجل نموًا انتقاليًا محدودًا بنحو 4.1 في المئة خلال عام 2025، بعد الانكماش التاريخي الذي شهده في عام 2024، فإنَّ هذا التحسّن بقي بعيدًا من تحقيق انتعاش اقتصادي فعلي أو استعادة القدرة الإنتاجية المفقودة.
ويعكس بطء التعافي استمرار الشلل الذي يضرب قطاعات واسعة في غزة، بالتوازي مع بقاء القيود المفروضة على الاقتصاد في الضفة الغربية، إضافة إلى الضغوط المتزايدة على المالية العامة بسبب الاقتطاعات الإسرائيلية المستمرة من عائدات المقاصة الجمركية، التي تُعدّ مصدرًا أساسيًا لإيرادات السلطة الفلسطينية.
وبحسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني وسلطة النقد الفلسطينية، فإنَّ الناتج المحلي الإجمالي، رغم تسجيله نموًا هامشيًا يقارب 4 في المئة خلال عام 2025 مقارنة بالعام السابق، لا يزال أدنى بنحو 24 في المئة من مستوياته المسجلة قبل الحرب في عام 2023، ما يعكس حجم الضرر الاقتصادي المتراكم والتراجع المستمر في القدرة الإنتاجية الفلسطينية.
وتعكس المؤشرات الاقتصادية اتساع الفجوة بين واقع غزة والضفة الغربية، في ظل استمرار التداعيات غير المتكافئة للحرب والقيود المفروضة على الاقتصاد الفلسطيني. فبحسب البيانات المتاحة، تراجع الناتج المحلي الإجمالي في قطاع غزة بنحو 84 في المئة خلال عام 2025 مقارنة بمستوياته قبل الحرب في عام 2023، بينما سجلت الضفة الغربية انخفاضًا أقل حدة بلغ نحو 13 في المئة خلال الفترة نفسها.
ورغم تسجيل بعض القطاعات تحسنًا محدودًا مقارنة بعام 2024، فإنَّ النشاط الاقتصادي العام بقي بعيدًا بشكل كبير من مستويات ما قبل الحرب، ما يعكس استمرار حالة الشلل والإرهاق التي تضرب مختلف مفاصل الاقتصاد الفلسطيني.
وفي الضفة الغربية، بدا التحسن الاقتصادي محدودًا ومؤقتًا أكثر منه تعافيًا فعليًا. فالنمو الطفيف الذي بلغ نحو 4.4 في المئة خلال عام 2025 ارتبط أساسًا بعودة جزئية لبعض الأنشطة التجارية والخدمية وتحسن محدود في قطاعات إنتاجية مختارة، من دون أن ينجح في إعادة تنشيط الاقتصاد بصورة شاملة.
أما في غزة، فقد استمرت المؤشرات الاقتصادية في التدهور حتى بعد مرور أكثر من عام على اندلاع الحرب، إذ سجل اقتصاد القطاع انكماشًا إضافيًا بنسبة 8.7 في المئة خلال الفترة نفسها، في ظل استمرار الدمار الواسع وغياب البنية التحتية الأساسية وتعثر جهود إعادة الإعمار.
وتؤكد هذه الأرقام أنَّ الاقتصاد الفلسطيني لا يزال بعيدًا من استعادة قدرته الإنتاجية الطبيعية، وأنَّ أيَّ مظاهر تعافٍ تبقى هشة ومقيّدة بالتداعيات المستمرة للحرب والقيود المفروضة على الحركة والتجارة والاستثمار.
كما تزيد طبيعة الاقتصاد الفلسطيني نفسه من مستوى الهشاشة البنيوية التي يعانيها. فقرابة 60 في المئة من النشاط الاقتصادي يتركز في قطاع الخدمات، بينما لا تتجاوز مساهمة القطاعات الإنتاجية، التي تُعدّ عادةً المحرك الأساسي للنمو المستدام، نحو 19 في المئة فقط من الاقتصاد. ويجعل هذا الخلل البنيوي الاقتصاد الفلسطيني أكثر عرضة للصدمات السياسية والضغوط الخارجية وأقل قدرة على توليد فرص العمل والنمو طويل الأمد.
وفي ظل استمرار الغموض السياسي وغياب أي أفق واضح لتسوية شاملة، يواجه الفلسطينيون واقعًا اقتصاديًا شديد الصعوبة، حتى مع التحسّن النسبي المحدود في بعض الجوانب الأمنية. فلا مؤشرات حتى الآن إلى انفراجة اقتصادية حقيقية أو مسار سياسي قادر على توفير بيئة مستقرة لإعادة البناء والتنمية.
لكن خلف الأرقام القاتمة والتقديرات الاقتصادية الثقيلة، تبقى هناك حقيقة إنسانية أعمق. فالفلسطينيون لا يحتاجون فقط إلى مساعدات مالية أو خطط إعادة إعمار، بل إلى مستقبل قائم على الكرامة والاستقرار وحقهم الطبيعي في تقرير المصير. وفي هذا السياق، تبدو مسؤولية المجتمع الدولي أكبر من مجرد إدارة الأزمة الإنسانية، لتشمل العمل الجاد من أجل تحقيق سلام عادل ودائم يضع حدًا لدورات الدمار والانهيار المتكررة في المنطقة.
- نجلاء شهوان هي كاتبة وسيدة أعمال فلسطينية مقيمة في رام الله. وهي رئيسة مجموعة “مزايا للاستثمار”.
