الحربُ في إيران… وأميركا التي تُقاتِلُ نفسَها

كابي طبراني*

لم تَعُد الحروب الأميركية تُحسَمُ في ميادين القتال البعيدة، بل في الداخل الأميركي نفسه. فالصراع مع إيران كشفَ حقيقةً تتجاوز حدود الشرق الأوسط: أنَّ قدرة الولايات المتحدة على خوض الحروب لم تَعُد مرتبطة فقط بتفوُّقها العسكري، بل بمدى تماسكها السياسي والاجتماعي في الداخل.

على مدى عقود، كان يُنظَرُ إلى القوة العسكرية الأميركية باعتبارها العامل الحاسم في أيِّ مواجهة. غير أنَّ حرب إيران جاءت لتقلب هذه المعادلة. فواشنطن، رُغمَ تفوُّقها التكنولوجي وقدراتها القتالية، تبدو اليوم مُكبّلة بانقساماتٍ داخلية عميقة تُحدّد سقف قراراتها بقدر ما تحدده الحسابات الاستراتيجية.

في قلب هذه التحوُّلات، يقف الانقسام السياسي الحاد. فالحرب لم تُنتج مجرد خلاف حزبي تقليدي، بل كشفت عن رؤيتين متناقضتين لدور الولايات المتحدة في العالم. الأولى ترى أنَّ الردع والقوة الصلبة هما الضمانة الوحيدة للحفاظ على النفوذ الأميركي، بينما تعتبر الثانية أنَّ التوسُّعَ في الحروب الخارجية بات عبئًا يستنزف الدولة ويُقوِّض قدرتها على إعادة بناء نفسها من الداخل.

وقد تجلّى هذا الانقسام بوضوح في واشنطن مع تصاعد الجدل داخل الكونغرس حول تمويل الحرب. فبينما دافع مؤيدون عن زيادة الإنفاق العسكري باعتباره ضرورة استراتيجية، عبّر معارضون –من الحزبين– عن قلقهم من كلفةٍ مفتوحة بلا أفق واضح. وفي لحظة لافتة، عاد النقاش حول حدود صلاحيات رئيس الجمهورية في شنِّ الحرب إلى الواجهة، في مشهدٍ يُعيدُ إلى الأذهان انقسامات سابقة خلال حربَي العراق وأفغانستان. بالتوازي، أظهرت استطلاعات رأي أنَّ غالبية الأميركيين تعارض إرسال قوات برية إلى إيران، ما يعكس فجوة واضحة بين حسابات النخب ومخاوف الشارع.

هذا الانقسام لا يدور فقط في أروقة السياسة، بل يمتدُّ إلى الفضاء الإعلامي، حيث لم يعد هناك سردٌ واحد للحرب، بل روايتان متوازيتان لا تلتقيان. في إحداهما، تمثّل المواجهة مع إيران ضرورة استراتيجية لحماية الأمن القومي. وفي الأخرى، تبدو مغامرة محفوفة بالمخاطر، قد تجرُّ البلاد إلى مستنقعٍ جديد بلا نهاية واضحة.

هذه الازدواجية الإعلامية لا تعكس فقط اختلافًا في الرأي، بل تُنتج واقعًا سياسيًا مشوّشًا، حيث يتلقّى المواطنون صورًا متناقضة عن الحرب نفسها. ونتيجةً لذلك، يصبح من الصعب بناء إجماع وطني حول أهداف الحرب وحدودها، وهو ما يُضعِفُ قدرة أي إدارة على الاستمرار في صراعٍ طويل.

لكن العامل الأكثر حساسية يظل الاقتصاد. فالحرب، مهما بدت بعيدة جغرافيًا، تصل سريعًا إلى جيوب الأميركيين. ارتفاع أسعار الطاقة، اضطراب سلاسل الإمداد، وتزايد الإنفاق العسكري– كلُّ هذه العوامل تعيد طرح السؤال القديم: ما كلفة هذه الحرب، ومَن سيدفع ثمنها؟

في ظل عجزٍ مالي متزايد، لم يعد الإنفاق الدفاعي مسألة أمن قومي فقط، بل قضية سياسية داخلية بامتياز. فكلُّ دولار يُخصَّصُ للحرب هو دولار لا يُستثمر في البنية التحتية أو التعليم أو الرعاية الصحية. ومع تزايد هذا التوتر بين “الخارج” و”الداخل”، تتآكل تدريجًا شرعية الحروب الطويلة.

هنا يظهر تحوُّلٌ أعمق في المزاج الأميركي. ففكرة الانكفاء أو “إعادة ترتيب الأولويات” لم تعد حكرًا على تيارٍ سياسي معيَّن، بل أصبحت توجُّهًا عابرًا للأحزاب. من اليسار التقدمي إلى اليمين الشعبوي، تتقاطع الأصوات التي تدعو إلى تقليص الالتزامات الخارجية والتركيز على الداخل.

هذا التحوُّل لا يعني بالضرورة تراجع القوة الأميركية، لكنه يُعيد تعريفها. فالقوة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تقاس فقط بعدد حاملات الطائرات أو القواعد العسكرية، بل بقدرة الدولة على الحفاظ على تماسكها الداخلي واستدامة نموذجها الاقتصادي والاجتماعي.

ومن هنا، تطرح الحرب مع إيران سؤالًا يتجاوز حدود هذا الصراع: هل لا تزال الولايات المتحدة قادرة على لعب دور القوة العالمية المهيمنة، في ظل انقساماتها الداخلية المتزايدة؟

الإجابة ليست بسيطة. فواشنطن ما زالت تمتلك تفوقًا عسكريًا وتكنولوجيًا لا ينافسه أحد، لكنها تواجه في المقابل تحديًا من نوع مختلف — تحدي إدارة هذا التفوق في بيئة داخلية منقسمة، حيث كل قرار خارجي يحمل كلفة سياسية داخلية فورية.

في النهاية، تكشف هذه الحرب أن ميزان القوة لم يعد يُرسم فقط في ساحات المعارك أو أسواق الطاقة، بل داخل المجتمعات نفسها. ففي الديموقراطيات، لا تُخاض الحروب بالسلاح فقط، بل بالتوافق السياسي والثقة العامة — وهما موردان يبدو أنهما في تراجع مستمر داخل الولايات المتحدة.

قد تنتهي الحرب مع إيران بترتيب إقليمي جديد، أو بتوازن هش، لكن أثرها الأعمق سيكون في الداخل الأميركي. فهناك، بعيدًا من صخب الجبهات، تُخاض المعركة الحقيقية: معركة تعريف دور أميركا، وحدود قوتها، وقدرتها على الاستمرار كقوة عالمية في عالم لم يعد يشبه ما كان عليه قبل عقدين.

Exit mobile version