جبران بصوت هنري زغيب: هل عادَ “الرمل والزبد” إلى العربية أم وُلِدَ فيها من جديد؟

ليس الجدل الذي يُرافق ترجمات الشاعر اللبناني هنري زغيب لجبران خليل جبران ناتجًا من اختلافٍ لغوي فحسب، بل من اختلاف في فهم معنى الترجمة نفسها. ومع صدور “الرمل والزبد” بصياغة عربية جديدة، يعود السؤال إلى الواجهة: هل نقرأ جبران كما كتبه صاحبه، أم كما أعاد المترجم تخيّله بعد قرن من الزمن؟

غلاف الكتاب.

ميشال مظلوم*

ثمة مفارقة ثقافية نادرة تُلازم كلَّ محاولة جديدة لترجمة جبران خليل جبران إلى العربية. فالقضية لا تتعلق بكاتبٍ أجنبي ننقل أعماله إلى لغتنا، بل بكاتبٍ عربي ننقله إلى اللغة التي خرج منها أصلًا قبل أن يعود إليها بعد رحلة طويلة عبر الإنكليزية. لذلك لا تبدو الترجمة هنا مجرّد عملية لغوية، بل أشبه بعودة الابن إلى بيت العائلة بعد غياب قرن كامل، مع ما يرافق هذه العودة من أسئلة حول ما تغيّر وما بقي، وما إذا كان العائد هو الشخص نفسه أم نسخة أخرى منه.

هذا السؤال يفرض نفسه بقوة مع صدور الصياغة العربية الجديدة لكتاب الرمل والزبد” التي أنجزها الشاعر والأديب اللبناني هنري زغيب، بعد فترة من الجدل الذي أثارته ترجمته لـ”النبي”. فالكتاب الذي صدر إلكترونيًا (160 صفحة) عن أكاديميا فيليب سالم للتراث التابعة للجامعة اللبنانية الأميركية، على أن تصدر طبعته الورقية في تموز (يوليو) المقبل، لا يُقدّم مجرّد ترجمة جديدة لأحد أشهر أعمال جبران التأمّلية، بل يطرح من جديد قضية أعمق بكثير: ما الذي يحدث لجبران عندما يمرُّ عبر مترجم يمتلك مشروعًا لغويًا واضحًا ورؤية خاصة للترجمة والأدب واللغة؟

منذ الغلاف يعلن زغيب موقفه بوضوح. فهو لا يقول إنه “ترجم” الكتاب، بل إنه “صاغه بالعربية”. وقد تبدو المسألة تفصيلًا لفظيًا، لكنها في الحقيقة المفتاح الذي يفتح باب العمل كله. فهذه العبارة لا تصف ما فعله المترجم فحسب، بل تُحدّد أيضًا طبيعة العلاقة التي يريد إقامتها مع النص الأصلي. إنه لا يضع نفسه في موقع الوسيط الذي ينقل الكلام من لغةٍ إلى أخرى، بل في موقع الصائغ الذي يعيد تشكيل المادة نفسها داخل قالب جديد. وما إن يقرأ القارئ المقدّمة حتى يكتشف أنَّ هذا الخيار ليس اعتباطيًا، بل هو جُزءٌ من تصوُّرٍ فكري متكامل للترجمة.

في مقدمته الطويلة، يبدو زغيب كأنه يخوض معركة قديمة جديدة ضد الترجمة الحرفية. فهو يرفض أن تكونَ الترجمة مجرّد نقلٍ للكلمات، ويرى أنَّ الأمانة الحقيقية تكمن في الوصول إلى “معنى المعنى”، لا إلى المعنى المباشر فقط. ويستعيد في سبيل ذلك مفاهيم نقدية عربية قديمة، ويؤكّد أنَّ لكلِّ لغة روحها الخاصة، وأنَّ نقلَ تركيبٍ لغوي من الإنكليزية إلى العربية بصورةٍ آلية لا ينتج سوى نصٍّ بارد ومشوَّه. وحتى هنا لا يختلف اثنان على وجاهة هذا الطرح. فالأدب العالمي كله تجاوز منذ زمن طويل فكرة المطابقة الحرفية بين اللغات. ولا أحد يتوقّع من مترجم جبران أن يتعامل مع نصوصه كما يتعامل موظف مع وثيقة إدارية.

لكن المشكلة لا تبدأ عند رفض الحرفية، بل عند البديل الذي يقترحه زغيب. فهو لا يكتفي بتحرير النص من قيود النقل المباشر، بل يذهب إلى أبعد من ذلك، حين يجعل من التحديث اللغوي هدفًا قائمًا بذاته. والواقع أنَّ معركته الحقيقية لا تبدو مُوَجَّهة إلى اللغة الإنكليزية بقدر ما تبدو مُوَجَّهة إلى الصورة العربية التقليدية لجبران. إنه يريد تحرير جبران من التراكيب التي استقرّت في أذهان القراء العرب طوال عقود، ومن اللغة التي يعتبرها ثقيلة أو متقادمة أو غير منسجمة مع حساسية القارئ المعاصر.

هنا تحديدًا تبدأ المراجعة النقدية الحقيقية. فالسؤال ليس ما إذا كان من حقِّ المترجم أن يُحدِّث اللغة، بل ما إذا كان تحديث اللغة يؤدّي بالضرورة إلى تحديث الكاتب نفسه. وهل المطلوب من مترجم جبران أن يقرّبه من قارئ اليوم، أم أن يحافظ أيضًا على تلك المسافة الزمنية والأسلوبية التي تشكل جُزءًا من فرادته؟

هذه المسألة ليست هامشية في حالة جبران. فالرجل لم يكن مجرّد صاحب أفكار أو حكَم يمكن فصلها عن أسلوبها. جُزءٌ كبير من عالمه الأدبي قائم على النبرة قبل المعنى، وعلى الإيقاع قبل الفكرة أحيانًا. فحين نقرأ جبران، لا نقرأ فقط ما يقوله، بل كيف يقوله. نقرأ ذلك النفس التوراتي الذي يمر تحت الجمل، وذلك الإيقاع الإنشادي الذي يجعل العبارة أقرب إلى الصلاة أو المزمور منها إلى الخاطرة الحديثة. وهذا العنصر بالذات هو الذي يثير التساؤل الأكبر حول مشروع زغيب.

لا شك أنَّ المترجم نجح في إنتاج نص عربي شديد السلاسة. بل يمكن القول إنَّ هذه النسخة من أكثر النسخ العربية رشاقة التي عرفها “الرمل والزبد”. فالعبارات قصيرة، والإيقاع سريع، والصور واضحة، والجمل تتحرّك بخفّة لافتة. وفي مواضع كثيرة يشعر القارئ أنَّ النص يتحدث بلغة اليوم من دون أن يفقد بعده التأمّلي. وهذه ميزة حقيقية لا يجوز التقليل من شأنها، خصوصًا أنَّ بعض الترجمات السابقة وقع فعلًا في فخّ البلاغة الثقيلة أو النبرة الوعظية التي جعلت جبران يبدو أحيانًا كاتبًا ينتمي إلى زمن أبعد بكثير من زمنه الحقيقي.

لكن كل مكسب أدبي له ثمنه. والثمن هنا يتمثّل في أنَّ هذه الرشاقة نفسها تجعل صوت المترجم حاضرًا بقوة داخل النص. ففي كثير من الأحيان يشعر القارئ بأنه لا يقرأ جبران وحده، بل يقرأ جبران وقد مرّ عبر مرشح لغوي شديد الخصوصية. الأفكار جبرانية بلا شك، والصور الأساسية جبرانية أيضًا، لكن الإيقاع والنبرة وطريقة التنفس داخل الجملة تحمل في غير موضع بصمة هنري زغيب أكثر مما تحمل بصمة صاحب النص الأصلي.

ولعل أبرز ما يلفت في التجربة كلها أنها تضع القارئ أمام سؤال مختلف عن السؤال التقليدي المتعلّق بالأمانة والخيانة. فهذه الثنائية تبدو قاصرة عن تفسير ما يجري هنا. لا يمكن اتهام زغيب بالخيانة لأنه لا يخفي تدخّله أصلًا، ولا يمكن اعتباره أمينًا بالمعنى التقليدي لأنه لا يسعى إلى ذلك. نحن أمام حالة أخرى تمامًا: إعادة كتابة واعية لنصٍّ كلاسيكي داخل لغة معاصرة.

ومن هذه الزاوية تحديدًا يمكن فهم الجدل الذي أحاط بترجمته لـ”النبي” ويُتوقع أن يتجدّد مع “الرمل والزبد”. فالمسألة لا تتعلّق بأخطاء ترجمة أو سوء فهم للنص الأصلي، بل بخلافٍ في الرؤية إلى وظيفة الترجمة نفسها. هناك مَن يرى أنَّ المترجم يجب أن ينقل الكاتب إلى القارئ، وهناك مَن يرى أنَّ عليه أن ينقل القارئ إلى الكاتب. أما زغيب فيبدو أنه اختار طريقًا ثالثًا: أن يجمع الاثنين في منطقة وسطى يعاد فيها خلق النص ليصبح قادرًا على الحياة داخل زمن جديد.

غير أنَّ هذا الخيار يثير اعتراضًا مشروعًا أيضًا. فماذا لو كان بعض ما يعتبره المترجم “غبارًا” هو في الحقيقة جُزءٌ من جماليات النص؟ ماذا لو أنَّ البطء والتكرار والنبرة الكتابية التي يسعى إلى تخفيفها ليست عيوبًا تحتاج إلى تصحيح، بل عناصر أساسية في هوية جبران الأدبية؟ هنا يصبح السؤال أكثر حساسية. فالتحديث لا يكون دائمًا إضافة. أحيانًا يكون خسارة أيضًا. وقد تكمن إحدى مفارقات هذه الترجمة في أنها تجعل جبران أكثر قربًا من القارئ المعاصر، لكنها قد تجعله أقل غرابة، وأقل فرادة، وأقل التصاقًا بذلك العالم الروحي الذي خرج منه.

ومن اللافت أنَّ زغيب لا يبدو قلقًا من هذا الاحتمال. فهو يكتب ويترجم بثقة كاملة في مشروعه اللغوي. وهذه الثقة هي إحدى نقاط قوة الكتاب. فالمترجم المتردّد ينتج عادة نصًا متردّدًا، أما هنا فنحن أمام مترجم يعرف تمامًا ما يريد فعله. المشكلة ليست في غياب الرؤية، بل ربما في قوتها الزائدة أحيانًا. فحين يمتلك المترجم مشروعًا لغويًا متماسكًا إلى هذا الحد، يصبح خطر هيمنة المشروع على النص الأصلي خطرًا قائمًا دائمًا.

ومع ذلك، فإنَّ القيمة الفعلية لهذا الإصدار لا تكمن في الحسم بين هذه المواقف، بل في قدرته على إعادة فتح النقاش حول جبران نفسه. فمنذ عقود طويلة استقرَّ جبران في المخيَّلة العربية داخل صورة شبه ثابتة: الحكيم، النبي، صاحب العبارات المأثورة، الكاتب الذي يُقتبس أكثر مما يُقرأ. أما زغيب فيحاول أن يكسر هذه الصورة، وأن يُعيدَ تقديم جبران بوصفه كاتبًا حيًّا يمكن أن يتكلم بلغة الحاضر لا بلغة الماضي فقط. وقد يختلف القراء حول نجاحه أو فشله، لكن مجرّد المحاولة تستحق الانتباه.

في نهاية المطاف، يصعب التعامل مع “الرمل والزبد” الجديد بوصفه ترجمة وحسب. إنه أقرب إلى قراءة أدبية كاملة لجبران، أو إلى حوار طويل بين كاتبين يفصل بينهما قرن من الزمن. وفي مثل هذا الحوار لا يعود السؤال الأساسي: هل نقل المترجم النص بأمانة؟ بل يصبح: ماذا أضاف إليه؟ وماذا أخذ منه؟ وما الذي بقي من جبران بعد كل هذه العملية؟

لهذا السبب تحديدًا لا يمكن إصدار حكم نهائي وبسيط على هذا العمل. فهو من جهة نصٌّ عربي جميل ومتقن وحيّ، ومن جهة أخرى يطرح أسئلة جدية حول حدود الترجمة وحدود إعادة الكتابة. لكنه ينجح، في الحالتين، في تحقيق ما تعجز عنه معظم الترجمات: إثارة النقاش.

وربما تكون هذه هي الخلاصة الأصدق. فبعد قرابة مئة عام على صدور “الرمل والزبد”، لم يقدّم هنري زغيب ترجمة جديدة للكتاب فحسب، بل أعاد طرح السؤال الذي يرافق جبران منذ زمن طويل: هل يمكن إعادة كتابة جبران من دون أن نفقده؟ أم أنَّ كل محاولة لإعادته إلى العربية هي، في جوهرها، ولادة جديدة لكاتب لا يتوقف عن التحوُّل؟

Exit mobile version