
هنري زغيب*
كان وائل في العام الثاني من طفولته، حين عاد به والداه سنة 1985 (من الرياض حيث وُلِد سنة 1983) إِلى راس المتن، ضيعتهما الحلوة التي، في قلب جبل لبنان، تتزحلق هانئةً هادئةً على سجَّادة خضراء من رؤُوس الصنوبر. تلقَّى فيها دروسه الأُولى والثانوية، وأَكمل دروسه العليا في علوم الكومبيوتر حتى البكالوريوس لدى “جامعة الآداب والعلوم والتكنولوجيا في لبنان” (2001-2004)، وحتى الماسترز لدى “جامعة سيدة اللويزة” (2005-2009).
هي ذي مطالع الشاب وائل صالحة في لبنان نحو قمم النجاح. ومن لبنان حملَه طموحه سنة 2011 إِلى الولايات المتحدة يُكمل فيها تخصُّصه، ويباشر مسيرته المهنية. انتسب إِلى جامعة جورج واشنطن، في العاصمة واشنطن، لثلاثة اختصاصات: الأَمن السيبراني (2013-2016)، الدراسات العليا في الهندسة (2016-2018) ثم الدكتوراه في الهندسة (2016-2018).
من العلْم إِلى الفن
بعدما تعمَّق أَكاديميًّا في علوم الكومبيوتر، وتحاليله الرقمية، وقدراته التكنولوجية الحديثةِ الاكتشاف في أَكثر من ميدان، شعر بأَن ميله الطبيعي الأَول عاد إليه: شغَف الفن والتعبير الخلَّاق.
هكذا تحوَّل سنة 2013 إِلى تحقيق صبَواته الفنية في الفن الحديث، فانتسب إِلى “مؤَسسة سميثْسُونيان” في العاصمة واشنطن (تأَسست سنة 1965، وهي أَوسع شبكة في العالم لتعليم الفنون عبر كنوز المتاحف، برامجُها متنوعة متشعبة متعدِّدة في حقول التربية الفنية). وراح وائل يتابع فيها الدروس والمحاضرات والبرامج التطبيقية، ويتعمَّق في أُصول الفن التشكيلي، ويخالط فنانين ومدراء متاحف ومبدعين موهوبين كانوا له مصادر استلهام لمسيرته الفنية منذئذٍ.
حين استكمل مساحة واسعة من الدراسة والاستيعاب والاختلاط، بدأَت مرحلة إِنتاجه الفني: اشتراكه في معارض جماعية، وتحضيره معارض شخصية، مطوِّرًا مداركه التقنية والأُسلوبية في الرسم الحديث وتطبيقاته على دُرَبٍ وموادَّ تَخْرُجُ عن مجرد بسط الألوان والأَشكال على القماشة البيضاء.
غالري من حروف لامرتين
لَمَّا تمكَّن من مداركه الفنية، أَنشأَ سنة 2018 محترفه الأَول الخاص باسم “فَنّ وِلّ” (وِلّ هو اسمُه الأَميركي لـ”وائل”) في مدينة آرلنغتون (ولاية فرجينيا الأَميركية، المحاذية واشنطن العاصمة).
راح يركِّز على تنمية أُسلوبه الخاص، المنبثق من ثقافته الفنية الأَكاديمية، ومن طموحه إِلى التجديد عبر الوسائط التكنولوجية والإلكترونية الحديثة.
سنة 2024 أَنشأَ في واشنطن العاصمة “غالري لامرتين للفنون والمختبر الإِبداعي”، مستفيدًا من أَحرف art في اسم lamartine. وهو أَرادها مساحة تعنى بالفن الحديث والأَعمال التجريبية الخلَّاقة، عبر معارض وتمديدات فنية مبتكرة، ومشاريع فنية وتكنولوجية، وتعاون ثقافي مع مؤَسسات شبيهة.
في هذه الغالري يعرض وائل صالحة أَعماله وأَعمال سواه، ويواصل مسيرته الفنية في أَكثر من مادة، وأَوسع ومن أَسلوب تعبير. وهو يُبقي، بعد معارض الفنانين، أَعمالًا لهم يستمرُّ عرضها بشكل دائم. وكثيرًا ما يدعو إِلى جلساتِ حوارٍ حول المعارض إِبَّان عرضها مع أَصحابها الفنانين.
كما يدعو إِلى محاضرات وندوات حول الفن عمومًا، أَو حول أَحداث أَو تظاهرات فنية تشكيلية، راميًا بذلك إِلى جعل هذه الغالري مساحةً نابضةً بالحوار الدائم، والنقاش الفني، تتميز بها هذه الغالري في العاصمة الأميركية ومحيطها.
جديدُه بين الإِبداع والتكنولوجيا
من خلال إِقامته في آرلنغتون (فرجينيا)، وتنَقُّله إِلى الغالري في العاصمة واشنطن، تشكَّلت لديه الرؤْية الفنية، وحفلَ برنامج الغالري بمعارض ولقاءَات ثقافية وندوات فنية متتالية لا تتوقف منذ إِنشائها.
هكذا اتَّسعت شهرة وائل فنَّانًا وخلَّاقًا مجدِّدًا في الحقل التكنولوجي، ممسكًا بأَكثرَ من دُربة فنية بين الفن التشكيلي، ووسائل الاتصال الإِلكتروني، والتجارب البصرية في الفن. وهو بدأَ كلاسيكيًّا بالزيت والأَكريليك على القماش، وانتقل إِلى أُسلوب حديث يترجَّح بين التعبيري والتجريدي والرمزي، وبناء هيكليات فنية مبتكَرة غير مأْلوفة.
سوى أَن شهرته الواسعة في أَميركا وأُوروبا، لم تُبْعدْهُ عن أَرضه الأُم ووطنه الأَول لبنان. من هنا عنوان معرضه الحالي “10452 الانبعاث”، لدى غالري “VEN” في العاصمة واشنطن. وهو ما سأَعرضه في القسم التالي من هذا المقال.
المقال المقبل: معرضه الحالي “10452 الانبعاث” في واشنطن.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
- يَصدُرُ هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار العربي” (بيروت – دبي)
