لم تعد عائدات النفط في ليبيا مجرد مورد اقتصادي، بل تحوّلت إلى محرّكٍ رئيس لتغذية الانقسام الداخلي. وبين قرارات دولية متأخرة وواقع ميداني معقّد، يستمر هذا المورد في تمويل بنية التفكك بدلًا من بناء الدولة.
أمين أيوب*
تبنّى مجلس الأمن الدولي، خلال الأسبوع الماضي، قرارًا جديدًا يقضي بتمديد وتشديد نظام العقوبات المفروضة على ليبيا، في خطوةٍ تعكس تصاعد القلق الدولي إزاء إدارة الموارد السيادية للبلاد. وتقود المملكة المتحدة هذه الجهود، مركّزةً على ضمان مرور عائدات النفط الليبي عبر القنوات الرسمية للدولة حصريًا، بدلًا من تسربها إلى شبكات مالية موازية أسهمت في تكريس الانقسام السياسي والاقتصادي لأكثر من عقد. ويؤكد القرار، الذي حظي بإجماع أعضاء المجلس، أنَّ المؤسسة الوطنية للنفط تظل الجهة الوحيدة المُخوَّلة قانونًا بتسويق وتصدير النفط، كما ينص على حظر إيداع العائدات خارج الحسابات الرسمية، ويوسّع نطاق العقوبات ليشمل الكيانات الضالعة في تهريب النفط أو انتهاك حظر توريد الأسلحة.
وعلى الرُغم من أنَّ هذه الإجراءات قد تبدو، في ظاهرها، مجرد تدابير تنظيمية تهدف إلى إحكام الرقابة، فإنَّ قراءتها بعمق تكشف عن دلالة أكثر حساسية. فاللجوء إلى قرارٍ مُلزِم تحت الفصل السابع لا يعكس فقط رغبةً في التنظيم، بل يُمثّل إقرارًا صريحًا بوجود خللٍ بُنيوي مستمر في إدارة الثروة الوطنية الليبية. إنه اعترافٌ متأخّر بأنَّ نهبَ الموارد لم يكن حوادث معزولة، بل ممارسة مُمنهَجة ارتبطت بواقعٍ سياسي ظل المجتمع الدولي يتعامل معه لسنوات عبر مقاربات تفاوضية لم تفلح في معالجته جذريًا. وعليه، لا يمكن اعتبار القرار مجرد تمديد تقني للعقوبات، بقدر ما هو توصيف لحالةٍ طارئة تتطلّب أدوات أكثر صرامة.
ويعيد القرار التأكيد على حصرية دور المؤسسة الوطنية للنفط، ويشدد على ضرورة منع تسرُّب الإيرادات إلى خارج المنظومة المالية الرسمية، في مسعى واضح لقطع الطريق أمام تكريس أنظمةٍ مُوازية. غير أنَّ هذه اللغة الديبلوماسية تخفي واقعًا أكثر تعقيدًا؛ إذ إنَّ تلك الأنظمة لم تَعُد احتمالًا نظريًا، بل أصبحت جُزءًا من المشهد القائم. ففي شرق ليبيا، تشكلت خلال السنوات الماضية بنية مالية وعسكرية شبه مستقلة، حيث يعتمد ما يُعرف بالجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر على موارد ذاتية، مُستمدًّا نفوذه من السيطرة على مصادر التمويل، في ظل عجز—أو تردد—دولي عن كبح هذه التدفُّقات.
اقتصاد الانقسام: كيف تحوّل النفط إلى أداة لإدارة التشرذم
لا يمكن اختزال التشرذم السياسي في ليبيا باعتباره نتيجة مباشرة للحرب الأهلية التي اندلعت عام 2011؛ فهو، في جوهره، تشرذم مؤسسي ترسّخ عبر الزمن. إذ عمدت كلٌّ من حكومة الوفاق الوطني في طرابلس وإدارة الشرق التي يهيمن عليها حفتر في بنغازي إلى بناء هياكل بيروقراطية موازية، عززت من حضورها الإداري، لكنها في الوقت نفسه أضعفت فرص إعادة توحيد مؤسسات الدولة. وفي قلب هذه المعادلة، ظل النفط العامل الأكثر تأثيرًا. فالعائدات التي تتدفق خارج القنوات الرسمية لا تُستخدَم فقط لتعزيز نفوذ القيادات، بل تتحول إلى أدوات تشغيل لمنظومة الانقسام: تمويل للرواتب، ودعم للميليشيات، واستمالة للشبكات القبلية، بما يضمن استدامة الوضع القائم.
وفي هذا السياق، جاء الاتفاق الذي توصّلت إليه الأطراف الليبية في 11 نيسان (أبريل) بشأن أول ميزانية وطنية موحَّدة منذ أكثر من ثلاثة عشر عامًا، كخطوةٍ لافتة حظيت بترحيبٍ في واشنطن. غير أنَّ هذا التقدُّم، على أهميته، يبقى محدود الأثر إذا لم يُترجَم إلى توحيدٍ فعلي لمصادر الإيرادات وآليات إدارتها. فالاتفاقات المكتوبة لا تعني بالضرورة تغييرًا في الوقائع الميدانية، وهو ما يعكسه توقيت إقرار قرار مجلس الأمن الجديد بعد أيام قليلة فقط، في إشارةٍ واضحة إلى أنَّ الأطراف الدولية المعنية لا ترى في هذا التفاهم ضمانة كافية لإنهاء الانقسام المالي.
وبموازاة ذلك، تبرز الهيئة الليبية للاستثمار كساحةِ نزاعٍ قائمة بذاتها. فهذه المؤسسة، التي تُديرُ أصولًا مجمَّدة بمليارات الدولارات تعود إلى حقبة معمر القذافي، تخضع اليوم لترتيباتٍ رقابية جديدة تُتيحُ نقلَ دور الوصي العالمي تحت إشراف لجنة دولية، مع الإبقاء على تجميد الأصول لصالح الأجيال الليبية المقبلة. غير أنَّ هذه الآلية، رُغمَ ما تحمله من هدفٍ حمائي، تكشف عن مفارقة لافتة: إذ يُفترَض في صندوق سيادي لدولة موحدة—ولو نظريًا—أن يُدار ضمن أطر وطنية مستقلة، لا تحت إشراف دولي مباشر. ومن ثم، فإنَّ الحاجة إلى هذه الرقابة تمثل مؤشرًا إضافيًا إلى هشاشة مفهوم الدولة المركزية في ليبيا.
ليبيا كساحة تنافس: تداعيات إقليمية وعجز دولي مزمن
أما التداعيات الاستراتيجية الأوسع لهذا المشهد، فهي تتجاوز الإطار الليبي الداخلي، رُغمَ أنها غالبًا ما تُختَزَل في دوائر صنع القرار الغربية ضمن مقاربات إنسانية أو هواجس الهجرة. فليبيا، بحُكم موقعها، تحوّلت إلى ممرٍّ لوجستي نشط تتقاطع فيه شبكات النفوذ الإقليمي والدولي. وتشير تقارير متعدّدة إلى استمرار تدفُّق الأسلحة عبر أراضيها نحو قوات الدعم السريع في السودان، في تحدٍّ للضغوط الدولية المفروضة على قيادة حفتر في الشرق. كما ظلّ شرق ليبيا، لسنوات، نقطة عبور مرنة للأسلحة المتجهة إلى منطقة الساحل، بما يعزز من هشاشة الأمن الإقليمي.
وفي هذا السياق المعقد، يبرز حضور مجموعة فاغنر، التي أعيدت هيكلتها تحت مسمى “فيلق أفريقيا”، كأحد تجليات التنافس الدولي على الأرض الليبية. كما تحتضن البلاد وجودًا عسكريًا متوازيًا لقوى خارجية، حيث تدعم تركيا أطرافًا في الغرب، فيما ترتبط شبكات الشرق بدعم من الإمارات العربية المتحدة. وفي ظل هذا التداخل، يبدو أنَّ كلَّ طرفٍ خارجي يتعامل مع ليبيا المنقسمة بوصفها واقعًا يخدم مصالحه أكثر من سيناريو الدولة الموحدة، ما يكرّس معادلة يصعب كسرها في المدى المنظور.
في هذا الإطار، يبدو قرار مجلس الأمن الدولي أقرب إلى إقرارٍ ضمني بحدود الأدوات المُتاحة للمجتمع الدولي، منه إلى كونه تدخُّلًا حاسمًا يعالج جذور الأزمة. فمنذ عام 2014، وُضعت منظومات عقوبات تستهدف تهريب النفط بدرجات متفاوتة، فيما وثّق فريق الخبراء الأممي انتهاكات متكررة من دون أن يفضي ذلك إلى تغييرٍ ملموس في السلوك. بل إنَّ العديد من الكيانات المُدرَجة على قوائم العقوبات واصلَ أنشطته من دون انقطاع، في وقتٍ أدّت عمليات تهريب الوقود إلى خسائر مالية كبيرة وزادت من هشاشة الاستقرار الداخلي. وعلى الرُغم من تراكم الأدلة والتقارير على مدى أكثر من عقد، لم تتبلور آلية فعّالة لضبط تدفُّق عائدات النفط، ويرتبط ذلك، في جوهره، بغياب إرادة سياسية حقيقية لتطبيق هذه الإجراءات على الجهات الأكثر نفوذًا، وفي مقدمتها معسكر الشرق (حفتر).
ويمتد أثر هذا العجز السياسي إلى كلفة استراتيجية تتحمّلها الولايات المتحدة اليوم بشكل متزايد. فليبيا، في وضعها الراهن، لا يمكن التعويل عليها كشريكٍ موثوق في مواجهة التهديدات الإسلامية الجهادية في منطقة الساحل، ولا كفاعلٍ مستقر في إدارة ملف الهجرة بالنسبة إلى الحلفاء الأوروبيين، ولا حتى كأداة توازن في مواجهة النفوذين الروسي والتركي في حوض المتوسط. والسبب الجوهري في ذلك أنَّ عائدات النفط، بدل أن تكون ركيزة لبناء الدولة، تحوّلت إلى وقودٍ يُغذّي الانقسام ويُبقي احتمالات الحُكم المُوحَّد بعيدة المنال. لقد أسهم التساهل الأميركي، لسنوات، مع البنية الموازية المرتبطة بقيادة الشرق—تحت مبررات تتعلق باحتواء نفوذ التيارات الإسلامية في طرابلس—في ترسيخ معادلة مختلة: دولة بلا مركز فعلي للسلطة، تتقاسمها شبكات نفوذ متنافسة، فيما تستمر مواردها في تمويل حالة الفوضى.
وعليه، فإن الدعوة إلى حصر تدفق عائدات النفط عبر القنوات الرسمية لا تُعد خطوة خاطئة في حد ذاتها، لكنها تأتي متأخرة إلى حد كبير. فمجرد الحاجة إلى إجماع دولي لإقرار إجراء بهذا القدر من المحدودية، وبعد كل هذا الزمن، يشي بأنَّ التوافق على تطبيقه فعليًا لا يزال بعيدًا، وأنَّ الفجوة بين القرارات الدولية والواقع الليبي ستظل قائمة ما لم تُترجم الإرادة السياسية إلى أدوات تنفيذٍ حقيقية.
- أمين أيوب هو كاتب ومحلل سياسي مقيم في المغرب. تركز كتاباته على الإسلام السياسي، والجهاد، وإسرائيل، وسياسة منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. يمكن متابعته على منصة “إكس” عبر حسابه: @amineayoubx.
