أمَلٌ في بيانِ “أَمَل”

راشد فايد*

بيانُ “حركة أمل” عن رفضها شعار “شيعة…شيعة” وشعار إسقاط الحكومة، سواء صدر عن “مكتب الشباب” فيها، أو عن أيِّ مكتبٍ آخر، في هيكلية التنظيم، فإنه ليس تفصيلًا يمكن تجاوزه في سياق التطوُّرات السياسية في لبنان والإقليم: هو أقرب إلى إعلان تمايز الحركة عن “حزب الله” في أسوَإِ ظروفه، منذ تحالفا عام 1986 إثر صدامات مسلحة دامية بينهما، انتهت بترسيم النفوذ، والأدوار، في لبنان، بين إيران ونظام عائلة الأسد.

نشأ “حزب الله” من رحم “حركة المحرومين– أمل” التي أسسها الإمام موسى الصدر عام 1974 ومرّت العلاقة بفترات تقارب وتنافر، لتأخذ شكلها الأمتن بعد نهاية الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990) ضمن التكامل في الأدوار السياسية والتوافق على قضية “السلاح والمقاومة”، الذي تشارك طرفاه في تطويق بيروت العاصمة، في 7 أيار (مايو) 2008، وغزو أحيائها، لكن مع إعلان وقف إطلاق النار بين “حزب الله” وإسرائيل إثر حرب تشرين الأول (أكتوبر) 2023، بدأ الحديث عن تباين في المواقف ضمن تحالف “الثنائي الشيعي”.

ومع اغتيال عدد كبير من قيادات “حزب الله” السياسية والعسكرية، وفي مقدمها الأمين العام السابق السيد حسن نصر الله، تعزّزَ دور زعيم حركة “أمل” ورئيس مجلس النواب نبيه بري، كشخصية محورية في تحديد دور الشيعة.

ومع التحوُّلات الإقليمية بعد سقوط حكم بشار الأسد في سوريا، والضربات العسكرية الإسرائيلية لإيران، تزايد الحديث عن تبايُن في الخطاب السياسي وتكتيكات إدارة المرحلة بين الحليفين العتيقين، واكتسب هذا النقاش زخمًا جديدًا مع التطوُّرات التي شهدها لبنان مطلع آذار (مارس) 2026.

اللافت في البيان، أوّلًا، الحرص على رفض الإنعزال الطائفي والمذهبي، برُغم أنَّ الحركة لم تُقصِّر في “غزوة بيروت”، في نقض التعايش ورفضه، سواء بالإعتداءت على الناس (ما يزيد عن 80 شهيدًا) أو اقتحام دُورٍ ومبانٍ، ومخاطبة البيروتيين بمكبّرات الصوت لإسماعهم الشتائم والإهانات.

اللافت، ثانيًا، أنَّ البيان قال ما لم يقله النص، بل أوحى به، وخلاصته أنَّ الحركة لديها قوى شابة تُعبّرُ عمّا يتضمّنه البيان.

اللافت، ثالثًا، الالتفاف على مَن تُسوِّلُ له نفسه الدعوة إلى إسقاط حكومة نواف سلام بما يشبه نصيحة الخبير الذي خبزته “الحروب اللبنانية” وعجنته منذ اتفاق القاهرة في العام 1969، وكان برّي، يومها على ضفاف السياسة، إلى القرار الأممي 1701، حين صار من أربابها، حتى شبَّهه الخصوم، كما الحلفاء، بمعاوية بن أبي سفيان.

اللافت، رابعًا، اقتضاب البيان واقتصاره على ما قلَّ ودَلّ: المصلحة الوطنية العليا تفرض بقاء حكومة نواف سلام على رأس الدولة اللبنانية، تدير شؤونها وتلملم أشلاءها، وأنَّ دول العالم النافذة تحوّلت إلى طبيب ماهر ينتصب عند سرير مريض اسمه لبنان، وأنَّ ما تشهده هذه المرحلة مختلف عما سبق: لا ثنائية قطبية، ولاتواطؤات بينية عربية، بل تضامن عملي، وتماثل في المواقف، ودمشق اليوم غيرها بالأمس، ولبنان يسير نحو غده.

يعرف حزب ميليشيا “القمصان السود” أنَّ تجربته في العام 2008 غير قابلة للتكرار، وأنَّ حصار السرايا الذي هدّد به لإسقاط حكومة الرئيس فؤاد السنيورة في 7 أيار (مايو) من ذلك العام، ليس سهلًا اعتماده، ولا بُدَّ أنَّ المُتبقّين من قيادته المستجدّة يذكرون أنَّ نظام الأسد في سوريا يومها تلقى تهديدًا عربيًا بقصف قصر المهاجرين إن وطأ مدخل السرايا جماعة الحصار، فكان أن انسحبوا من قلب المدينة.

يومها لم ينجدهم باراك أوباما الساعي حينها الى دويلات أقليات في المنطقة على عكس مما يراه دونالد ترامب اليوم.

Exit mobile version