مع احتدام التنافس بين الولايات المتحدة والصين للعودة إلى القمر، يتشكل نظام فضائي جديد يعيد رسم موازين القوة خارج الأرض. وفي خضم هذا التحول، يتراجع حضور روسيا، ما يثير تساؤلات جدية حول قدرتها على البقاء ضمن اللاعبين المؤثرين.
جورجي تريشكين*
في ظلِّ احتدام التنافس بين الولايات المتحدة والصين على قيادة المرحلة الجديدة من استكشاف القمر، تتجه الأنظار إلى ما يُوصَف بـ”السباق القمري الثاني”، مع خططٍ طموحة لإعادة البشر إلى سطحه بحلول نهاية العام 2028. غير أنَّ هذا المشهد التنافسي لا يبدو متكامل الأقطاب، إذ تثير مشاركة روسيا تساؤلات جدية في ظل التحديات التي تواجه قطاعها الفضائي. فرُغمَ استمرار اهتمام موسكو بالبرنامج القمري، تعاني صناعتها من تباطؤ واضح ونقص في التمويل، ما يحدّ من قدرتها على مواكبة هذا السباق المُتسارِع.
في المقابل، أعادت مهمة “أرتميس 2” الأميركية التأكيد على أنَّ استكشاف القمر لا يزال يحمل أبعادًا تتجاوز العلم، ليبقى رمزًا قويًا للفخر الوطني والتفوّق التكنولوجي. ففي الأول من نيسان (أبريل)، انطلق صاروخ نظام الإطلاق الفضائي فائق الثقل من “كايب كانافيرال” في فلوريدا، حاملًا أربعة رواد فضاء على متن مركبة “أوريون” في رحلة تحليق حول القمر، تمهيدًا لمرحلة أكثر تقدّمًا. ومن المنتظر أن تتوّج هذه الجهود بمهمة “أرتميس 4″، التي تهدف إلى إعادة البشر إلى سطح القمر قرب نهاية العقد الحالي.
ورُغم أنَّ مهمات “أبولو” في ستينيات القرن الماضي شكّلت لحظة مفصلية في تاريخ البشرية، فإنها لم تؤسس لاستكشافٍ مُستدام للقمر بقدر ما كشفت حجم التعقيدات التقنية والموارد الضخمة التي يتطلّبها هذا النوع من المشاريع. فحتى اليوم، لا تزال مهمة تبدو “بسيطة” نسبيًا —كإنزال مجسّات خفيفة على سطح القمر— تمثل تحديًا لمعظم وكالات الفضاء الوطنية، فضلًا عن الشركات الخاصة الناشئة، ما يبرز الفجوة بين الطموح والقدرة في هذا المجال.
من الاستكشاف إلى تثبيت النفوذ
في القرن الحادي والعشرين، اكتسب استكشاف القمر زخمًا جديدًا، مدفوعًا باكتشاف آثار جليد مائي في فوهات القطب الجنوبي. هذا الاكتشاف لم يكن علميًا فحسب، بل استراتيجيًا أيضًا، إذ يُتيح الماء إمكانية تفكيكه إلى هيدروجين وأوكسيجين، وهما عنصران أساسيان في إنتاج وقود الصواريخ. وتكمن أهمية ذلك في تقليص الحاجة إلى نقل الإمدادات من الأرض، ما يفتح المجال أمام حمل تجهيزات أكثر فائدة إلى سطح القمر، ويُعزز فكرة إنشاء بنية تحتية فضائية مستدامة.
في هذا السياق، تسعى وكالة الفضاء الأميركية “ناسا” إلى العودة إلى القمر منذ سنوات، ولكن هذه المرة بهدف تثبيت حضور دائم، لا مجرد زيارات استكشافية عابرة. غير أنَّ هذا الطموح يواجه تحديات مالية وتنظيمية كبيرة، إذ تشير التقديرات إلى أنَّ برنامج “أرتميس” ستتجاوز كلفته 100 مليار دولار قبل تحقيق أول هبوط بشري، وهو رقم يفوق بكثير التقديرات الأولية. كما إنَّ الجدول الزمني للبرنامج شهد تأجيلات متكررة، في مؤشر على تعقيدات التنفيذ واستمرار الضغوط السياسية والبيروقراطية.
في المقابل، تواصل الصين تقليص الفجوة بخطى ثابتة، من خلال تطوير منظومتها الفضائية بشكل مستقل. ورُغم افتقارها إلى الإرث التاريخي الذي تتمتع به الولايات المتحدة في مجال استكشاف الفضاء، فإنَّ بكين تستفيد من ميزة تنظيمية واضحة، حيث تعمل مؤسساتها البحثية ووكالاتها الحكومية بالتكامل مع القطاع الخاص ضمن بيئة منسقة ومحمية. وعلى النقيض، تعاني “ناسا” من تبعات البيروقراطية وتعقيدات التمويل والتردُّد السياسي، وهو ما انعكس في تعديلات متكررة على الخطط القمرية، حتى خلال الأشهر الأولى من العام 2026.
أما روسيا، فتبدو في موقع المراقب أكثر من كونها لاعبًا فعليًا في هذا السباق. فوكالتها الفضائية “روسكوزموس” لا تمتلك حاليًا سوى خطط لمهمات غير مأهولة، في وقتٍ يعود آخر هبوط ناجح لمركبة سوفياتية على سطح القمر إلى العام 1976. وقد شكّل فشل مهمة “لونا-25” عام 2023 —نتيجة خلل برمجي أدى إلى تحطّمها أثناء محاولة الهبوط قرب القطب الجنوبي— انتكاسة جديدة للبرنامج القمري الروسي.
وعقب هذا الإخفاق، اضطرت “روسكوزموس” إلى إعادة تقييم خططها، مع تأجيل المحاولة التالية لإنزال مسبار علمي إلى العام 2028. وبحلول ذلك الوقت، يُتَوَقَّع أن تكون كلٌّ من الولايات المتحدة والصين قد اقتربتا من تنفيذ مهمات هبوط مأهولة. أما بالنسبة إلى روسيا، فيبدو هذا السيناريو بعيد المنال في المدى المنظور، نظرًا لافتقارها إلى العناصر الأساسية: مركبة فضائية قمرية، وصاروخ فائق الثقل، ونظام هبوط متكامل.
حين تفقد موسكو موقعها التفاوضي
نظريًا، كان يمكن لروسيا تعويض النقص في عناصرها التقنية الأساسية عبر شراكات دولية مع قوى تمتلك هذه القدرات —أو تقترب من امتلاكها— مثل الولايات المتحدة والصين. غير أنَّ هذه الفرصة تبدو اليوم وقد تلاشت إلى حد كبير. فبكين، التي طوّرت منظومتها القمرية بشكلٍ متكامل —من المركبات الفضائية إلى الصواريخ وأنظمة الهبوط— لم تعد بحاجة فعلية إلى شركاء إضافيين في هذه المرحلة من برنامجها.
أما على الضفة الأميركية، فلم تتمكن “روسكوزموس” من ترسيخ موقعها كشريك موثوق أو ضروري لدى “ناسا”. ففي العام 2017، ناقش الطرفان إمكانية التعاون في مشروع محطة مدارية حول القمر تُعرف باسم “بوابة القمر”، صُمِّمت لتكون منصة عبور تدعم العمليات القمرية، بحيث تُستخدَم لإجراء تجارب علمية، ولتنسيق المهمات المأهولة إلى سطح القمر.
كان من المفترض أن يساهم الشركاء الدوليون بتجهيزات وتقنيات مقابل الحصول على مقاعد لروادهم في المهمات المستقبلية. وفي حالة روسيا، تمحورت مساهمتها المقترحة حول تطوير غرفة معادلة ضغط تُستخدم للخروج من المحطة إلى الفضاء، وهو مجال تمتلك فيه خبرة تاريخية، كونها واحدة من ثلاث دول فقط قادرة على تصميم مثل هذه الأنظمة.
غير أنَّ التحديات المالية والتقنية التي تواجهها موسكو حدّت من قدرتها على التفاوض من موقع الندّية. ففي حين أصرت روسيا على الحصول على وضع شريك متكافئ، لم تكن “ناسا” مستعدة لمنحها هذا الدور في ظل مساهمات محدودة. ومع تعثّر المفاوضات، وصلت المحادثات إلى طريق مسدود بحلول العام 2021، لتتولى الإمارات العربية المتحدة لاحقًا مهمة تطوير غرفة معادلة الضغط، عبر شركة “تاليس ألينيا سبايس” الأوروبية.
ومع ذلك، قد يرى البعض أنَّ روسيا تجنّبت الانخراط في مشروع يواجه بدوره حالة من عدم اليقين. فمشروع المحطة القمرية يبدو اليوم في حالة تجميد فعلي، وسط تساؤلات متزايدة داخل الولايات المتحدة حول جدواه، خصوصًا في ظلِّ التوجُّه الصيني نحو إنشاء قاعدة مباشرة على سطح القمر. وفي هذا السياق، أعلنت “ناسا” في أواخر آذار (مارس) إعادة ترتيب أولوياتها، مع التركيز على بناء قاعدة قمرية خاصة بها، بدلًا من الاستثمار في محطة مدارية قد لا تواكب التحوُّلات السريعة في سباق استكشاف القمر.
روسيا بين الإرث والتراجع: هل من نافذة للعودة؟
مع ذلك، لا تزال روسيا تملك نافذة —وإن ضيِّقة— للعودة إلى المشهد القمري. فكلٌّ من الولايات المتحدة والصين يخططان لإنشاء قواعد على سطح القمر بالشراكة مع أطرافٍ دولية، إدراكًا منهما أن نقل البنية التحتية اللازمة لمثل هذه المشاريع يتجاوز قدرات أي دولة بمفردها، فضلًا عن الشركات الخاصة. وفي هذا السياق، قد تبرز الخبرة الروسية في مجالات محددة —ولا سيما الطاقة النووية— كعنصر يمكن توظيفه ضمن هذه المنظومات المعقدة.
فإدارة قاعدة قمرية دائمة تتطلب كميات هائلة من الطاقة لتشغيل المعدات الصناعية ومعالجة الموارد، وعلى رأسها المياه. والاعتماد الكامل على الألواح الشمسية والبطاريات يظل خيارًا محفوفًا بالمخاطر، خصوصًا في بيئة قاسية ومتقلبة مثل القمر. لذلك، تبرز محطات الطاقة النووية كبديل جذاب، رغم تعقيداتها التقنية والسياسية. هذه الفكرة ليست جديدة؛ إذ طُرحت مشاريع مماثلة خلال السباق القمري الأول، سواء في الولايات المتحدة أو في الاتحاد السوفياتي، لكنها لم تُنفذ آنذاك. واليوم، عادت إلى الواجهة، حيث وافقت واشنطن في أواخر العام 2025 على تمويل ثلاثة مسارات لتطوير أنظمة طاقة نووية —للمدار، وسطح القمر، وأنظمة الدفع— بميزانية سنوية تُقدّر بنحو 420 مليون دولار.
في المقابل، تعمل روسيا منذ سنوات على تطوير منشأة مشابهة، وإن كانت معالم هذا المشروع لم تتبلور بوضوح إلَّا مؤخّرًا. ففي ربيع 2025، وقّعت موسكو وبكين مذكرة تفاهم للتعاون في إنشاء محطة طاقة قمرية بحلول العام 2036. غير أنَّ هذه الوثيقة تظل إعلان نوايا غير مُلزم، إذ لم تُحسم بعد قضايا جوهرية مثل آليات التمويل أو توزيع حقوق الملكية الفكرية.
وفي ظل القيود الأميركية المفروضة على التعاون الفضائي مع الصين، تواصل دول أخرى وشركات خاصة الانخراط في مشاريع مشتركة مع بكين، رغم المخاطر المرتبطة بالعقوبات الثانوية. وتجد روسيا نفسها في موقع دقيق بين مسارين: فمن جهة، لا يزال حاضرها الفضائي مرتبطًا بمحطة الفضاء الدولية والتعاون مع شركائها الغربيين؛ ومن جهة أخرى، تسعى إلى ترسيخ شراكة مستقبلية مع الصين في المشاريع القمرية. غير أنَّ أيًّا من هذين المسارين لا يضمن لموسكو، حتى الآن، موقعًا فعليًا في المهمات المأهولة المقبلة إلى القمر، ما يضعها أمام معادلة صعبة بين الطموح والواقع.
في المحصلة، يبدو أنَّ قطاع الفضاء في روسيا قد فوّت فرصة استراتيجية كان يمكن أن تمنحه موقعًا متقدمًا في سباق العودة إلى القمر. فرغم امتلاك موسكو رصيدًا تاريخيًا من الخبرات والموارد، فإنَّ أداء برنامجها الفضائي الفيدرالي يعكس واقعًا مختلفًا، حيث تعثّرت غالبية المشاريع أو تأخرت عن جداولها الزمنية، فيما بقي بعضها حبيس الخطط من دون تنفيذ.
ويزداد هذا التراجع وضوحًا مع التحوّلات المتسارعة في طبيعة استكشاف الفضاء، حيث يبرز دور القطاع الخاص بوصفه محركًا أساسيًا للابتكار. في هذا السياق، تبدو وكالات تقليدية مثل “روسكوزموس”، بصيغتها الحالية، أقرب إلى إرث مؤسساتي من حقبة سابقة، لا سيما في ظل استمرار قياداتها لسنوات طويلة (أكثر من 25 عامًا) من دون تجديد يُذكر في الرؤية أو الأدوات.
اليوم، لا تمتلك روسيا الكثير لتقدمه إلى القوى الصاعدة في هذا المجال، سواء على مستوى التكنولوجيا أو التمويل. وإذا كان ثمة مجال لا تزال تحتفظ فيه بميزة نسبية، فهو خبرتها في تطوير أنظمة الطاقة النووية في الفضاء. غير أنَّ هذه الورقة، على أهميتها، قد لا تكون كافية لتغيير موازين اللعبة، في وقت يفضّل فيه منافسوها —وفي مقدمتهم الولايات المتحدة والصين— المضي قدمًا بشكل مستقل، بدلًا من الرهان على شراكات مع قوة فضائية كانت يومًا في طليعة هذا المجال، لكنها تكافح اليوم للحاق بركبه.
- جورجي تريشكين هو محلل عمليات إطلاق مدارية وكاتب في موقع “ستاربايس بوست” (Starbase Post).
- كُتِبَ هذا المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.
